وطني

هل الجزائريُّون أكثر سعادةً من الطَّـلْيان واليابان والإسبان؟!..

علي خفيف

بمناسبة اليوم العالمي للسّعادة الذي اعتَمدتْه الأمم المتحدة بتاريخ 20 مارس من كلّ سنة، أعدّ برنامجُ التنميّة المستدامة بالأمم المتحدة، تقريرا تناول مستوى السّعادة في 157 دولة، استند إلى 38 مؤشرا مختلفا منها: نظام الحكم، ومستوى الفساد في المجتمع، والتعليم، والصحة، والأجور، وقدرة الأفراد على تقرير مستقبلهم و…

وقد احتلّتْ الدانمارك المرتبة الأولى عالميا في سلّم الشّعوب الأكثر سعادةً، تلتها سويسرا في المريبة الثانيّة، وإسلندا في المرتبة الرابعة، ثم فنلندا في لمرتبة الخامسة، تليها كندا في المرتبة السادسة.. أمّا بالنسبة للعالم العربي فقد احتلَّتْ الإمارات المرتبة الأولى عربيّا والثامنة والعشرين عالميّا، تليها السعودية في المرتبة الثانيّة عربيّا والرابعة والثلاثين عالميّا، وبعدها قطر الثالثة عربيّا والسادسة والثلاثين عالميا، ثمّ جاءتْ الجزائر الرابعة عربيّا والثامنة والثلاثين عالميّا…

اللافت للنّظر أن الجزائر تقدّمَتْ في سلّم السّعادة، على كثير من الدول الأكثر تقدّما اقتصاديّا، فقد جاءت إيطاليا في المرتبة الخمسين عالميّا، بينما جاءت اليابان في المرتبة الثالثة والخمسين عالميّا، وجاءت إسبانيا في المرتبة السابعة والثلاثين، أي قبل الجزائر بمرتبة واحدة!.. أعرف أنّ كثيرا من الجزائريين يثير هذا الترتيبُ دهشتَهم، وسيقولون كيف نكون أكثر سعادةً من الإيطاليين، وأبناؤنا يركبون البحر نحو إيطاليا، مغامرين بأنفسهم في قوارب للموت، شعارهم: ״يأكلنا الحوت خير من أن يأكلنا الدّود״؟!.. فلقد تعوّد الجزائريون بسبب الخطابات السّلبيّة اليوميّة، وانعدام الثّقة في النّفس، أن يُصدّقوا التقارير الدوليّة حين تكون سلبيّة وكارثيّة في حقّهم، بينما لا يصدّقونـها إذا ثـمّـــنَتْ بعض الجوانب الإيجابيّة عندهم!.. فهم مبرمجون على تقبّل الشّتْم والنّقد السّلبي فقط، حتى أصبحَتْ لديهم قابليّةٌ للهدم أكثر من البناء، بسبب عوامل كثيرة، أهمّها الخطابات اليوميّة في جلد الذّات، التي نُصبِح ونُـمْسي عليها من قِبَل الجميع، على كلّ المستويات وفي كلّ وسائل الإعلام!.. إنـها معضِلةٌ ثقافيّةٌ خطيرة.. نتجَتْ عنها اختلالاتٌ نفسيّةٌ واجتماعيّةٌ كثيرة، جَعَلتْ بعضَنا يَـبْحثُ عن السّعادة عند من هو أقلّ سَعادةً مِنَّا!..

أنا شخصيّا أَمِيلُ إلى التّصديق بأنَّنا يمكن لنا أن نعيش سعداء أفضل من كثير من الدول المتقدّمة، تبعاً لتصوّرنا السّليم لمفهوم السّعادة.. ففي دراسة انطلقتْ قبل 75 عاما ولا تزال مُستمِرَّةً إلى اليوم، تداولتْ نتائجَها مؤخَّرا مواقعُ كثيرة، حول العوامل التي تجعل الناسَ سعداء، شملتْ عددا من الطلاب بجامعة هارفارد، لـهم اهتماماتٌ ووضعيّاتٌ اجتماعيّةٌ مختلفة، وبَقَـوْا خاضعين للدّراسة حتى بعد تخرّجهم في الجامعة، من خلال استبيانات تُرسَل إليهم من حين لآخر لمتابعة تطوراتهم، من أجل التّعرّف على مدى شعورهم بالسعادة في حياتهم أو العكس.. بعد 75 سنة من البحوث المستمرة كانت النتيجة أنّ الذي يجعل الناس سعداء حقا، ليس هو المال ولا حتى الوظيفة البرّاقة.. إنـّما هي العلاقاتُ الاجتماعيّةُ الجيّدة وكذلك فِعْلُ الخير.. فالأشخاص الذين كانت لديهم علاقاتٌ اجتماعيّة جيدة في حياتهم، كانوا أكثر سعادةً من الأشخاص الانطوائيين الذين قدْ يـملكون أموالا أكثر أو وظائف أرقى!.. إنها النتيجة التي توصَّلَتْ إليها إحدى أطول الدراسات في تاريخ العلوم الإنسانيّة.. وهو ما ينطبق على حالتنا نحن أكثر من غيرنا.. ألَسْنَا أكثر لُـحْمَةً اجتماعيّةً من غيرنا؟.. ألــــم يكن آباؤنا وأجدادُنا سعداءَ وهم معدمون لا يَـمْلِكُونَ شَيْـئًا من متاع الدنيا؟!..

وما أصدق القائل:

والذي نَـــــــفْـــــسُــــــهُ بِغَـــــــــيْرِ جَمَالٍ   لا يَرى في الوُجودِ شَيْـــــئًا جَميلَا

ويرى الشَّوْكَ في الوُرودِ ويَعْمَى   أَنْ يرى فَوْقَها الــــــنَّدى إِكْلِـــــيلَا!..

مقالات ذات صلة

إغلاق