وطني

الحرب الشرسة …. لقمة العيش في زمن الانتخابات

الدكتور محمد بغداد

كل المؤشرات والمعطيات القائمة، تؤكد أن الجزائر تعيش حالة من الحرب الحقيقية، تجاوزت مستوى القلق والصراع والتناقض، وغيرها من المصطلحات المتداولة في العلوم الاجتماعية، إلى مستويات أكثر خطورة، والتي يمكن تسميتها بالحرب الاجتماعية الشرسة، كون الواقع القائم يؤكد أنها حرب تختلف تماما عن بقية الحروب الأخرى، كونها تدور بين الفئات المشكلة لخريطة المجتمع، وتقوم على مبدأ إرادة كل فئة في تصفية نهائية للفئة الأخرى، إن الأمر ليس تهويلا إعلاميا، ولا تخيلا فكريا، ولا ترهيبا معلوماتيا، بل الأمر يتعلق بمصير شعب، يقترب من حافة الخروج من التاريخ، والانسلاخ من إنسانيته.

  • فتح الملفات

بعد نصف قرن من الاستقلال، تم فيها تجاهل المخيال الاجتماعي، ملف توزيع الثروة عبر الكثير من الخطابات، التي جسدتها الشعارات، تم اليوم فتح ملف توزيع الثروة، الذي اختلط فيه مفهوم العدل والمساواة، وأصبح الجميع يعتبر أن الوقت قد حان، لحصوله على ما يعتبر أنه نصيبه من الثروة العامة، وهذه الحالة تأتي في وقت غابت فيه معايير توزيع الثروة، وسيطرت فيه معايير الغلبة والاستيلاء، وأن الجميع يرى بأنه مطالب اليوم بالاستيلاء على ما يضمن له العيش غدا، وأن أي تأخر في التحرك والمسارعة إلى الاستيلاء، هو النهاية الحقيقية لوجوده.

إن مسارعة الجميع إلى تناول هذه الموضوع، جعل من وتيرة الحرب تنتقل من مستويات الرغبة والصراع، إلى مستوى الشراسة ومسابقة الزمن، فالكل يدرك أنها الفرصة التاريخية السانحة، التي لن تتكرر في المستقبل، خاصة وأن الجميع يعرف أن المستقبل سيكون لمن يملك أكبر قدر من الثروة الوطنية، وأن إمكانية العيش مرتبطة بما يمكن الحصول عليه من هذه الثروة.

إن أخطر ما يواجه الأمم والشعوب ونخبها، أن يتم بناء وإدارة المجتمع، بمعايير خاطئة، ويتم تجاهل الحقوق الأساسية للإنسان، وأن يكون الانتماء للمجتمع مشكوك فيه، ويصل الأمر إلى درجة فقدان الثقة في المنظومات الأساسية المشكلة للمجتمع.

  • تجاهل الخطر

لقد سجل البلد أعلى معدلات الاحتجاجات الشعبية والفئوية، وكلها ذات مطلب واحد، الزيادة في الأجور، والحصول على نسبة أعلى من الثروة الوطنية، وكل من قام بحركة احتجاجية، إلا ونال أكثر مما طلب، مما دفعه إلى رفع مستوى الاحتجاج، مادام أن ذلك سبيل مناسب للظفر بالمزيد، مما ظهر معه حالة من المنافسة العامة بين الفئات الاجتماعية، في القيام بالاحتجاجات، وتحولت إلى الهم الأساسي للعامل العادي، والقضية الأساسية لكل حديث ثنائي في أبسط مقهى، كما سجلت البلد أعلى معدلات في النهب والسرقة، والاختلاسات وتبديد الأموال العمومية، حتى أن عبارة الفساد، هي العنوان الرئيس لكل حدث ولكل موضوع، وهي الدليل الوحيد لكل تغير اجتماعي، أو تبدل لوضعية أي شخص، فتحولت القاعدة القانونية، كل شخص بريئ حتى تثبت الإدانة، من مستوى الفرد إلى المجتمع، باعتبار أن الأصل هو التهمة والبراءة هي الاستثناء.

ولكن الملفت للانتباه، أن الذهنية القائمة على الشأن العام، تسبح عكس التيار، وتقول إن كل شي على ما يرام، وتبرر كل حادثة بأنها مجرد أفعال انفرادية ومعزولة، وهي تعلم قبل غيرها، أن من يسمع لها لا يصدقها، لأنها هي لا تصدق ما تقول، ولكنها تمارس عكس تصريحاتها، وتذهب إلى مسايرة الأوضاع والخضوع للمطالب والضغوطات، دون أن تدرك المخاطر المتوقعة والقادمة من السير في هذا الاتجاه، لأن المهم عند مثل هذه الذهنيات، هو بقاء الوضع على ما هو عليه، والاعتماد على استغفال الآخرين.

  • انهيار القيم

بإمكان القاموس اللغوي الاجتماعي، أن يمنحنا الفرصة لقراءة المنظومة الجديدة، التي تؤطر القيم المتداولة اليوم، والتي تؤكد بمجموع عباراتها ونكتها وعناوينها، أنه بإمكان شخص لا يتجاوز العشرين من العمر، الحصول وبسهولة كبيرة على مليارات الدينارات، بدون أن يبذل أدنى جهد، وبإمكان أي شخص أن يعتلي أي منصب، ويتحول إلى ثري في رمشة عين، وبإمكان أي شخص يملك شبكة علاقات أن يحصل على أعلى منصب، وبإمكان أي طالب أن يحصل على أعلى العلامات وأرقى الشهادات، بمجرد حركة احتجاجية بسيطة، دون أن تتوفر في الجميع المواصفات المطلوبة.

إن المدلول العام للقاموس اللغوي، المؤطر للمنظومة القيمية، يفصح بأن القيم الحقيقية والسامية للحياة، قد تراجعت واختفت، ومن يلتزم بها إلا البليد أو الغبي أو الساذج، لأن الجهد والعمل الشريف، ليس طريقا للثراء، وأن المثابرة والقراءة، لن تكون مسلكا للعلم والحصول على المراد، وأن الجودة والكفاءة ليست معيارا للنجاح، وتولي المناصب، وأن الشهادات العليا والمستويات المتقدمة من الخبرات، لن تنفع في الترشح لعضوية مجلس بلدي.

كل والد، يدرك أن ابنه لا يستحق شهادة البكالوريا التي منحت له، وكل طالب متأكد بأنه ليس في مستوى شهادة الليسانس، التي حصل عليها، وكل صاحب منصب، يعرف بأن مرؤوسيه أفضل منه، وكل منتخب يعلم بأنه اشترى منصبه ولم ينتخب من طرف الناس، ويصل الأمر إلى درجة الانتهاك الصريح للقيم، وبأقبح الأساليب، وبالذات في حالة الفشل، فبابا الفاتيكان استقال، ورئيس الألمان استقال، ومدير أكبر مخابرات في العالم استقال، والقائمة طويلة، إلا أن أصغر موظف عندنا حقق أعلى معدلات الفشل والفضائح، يكرم وتمنح له ما لا يستحق من الصلاحيات، وتوضع تحت يده أخطر وأكبر الملفات المتعلقة بمصير البشر.

 

  • ضراوة الأسلحة

إن الخريطة العام للنسيج الاجتماعي اليوم، متنوعة تضاريسها بين ثلاث كتل مهمة، تشكل النسق العام والمشهد الكلي للحرب الاجتماعية، تشكل فيها الفئة الأكبر عدد، تلك المسحوقة والتي استيقظت على حقيقة، أنها لا تملك شيئا، وأنه يستحيل عليها أن تحصل على إمكانية العيش الطبيعي، في الظروف الحالية، وأن نصيبها من الثروة الوطنية، قد استولت عليه فئات أخرى، وأنها إن تأخرت أكثر، فلن تنال الفتات، ولهذا تسارع إلى استخدام ما عندها من أسلحة، للحصول على ما تبقى من الفتات، ولم تجد أمامها سوى سلاح الاحتجاج، الذي أصبح فعالا ونافعا، باعتبار ما تحقق من قبل، وأنه الوسيلة الوحيدة المتوفرة في يدها.

أما الفئة الثانية، فهي التي تمكنت من الاستيلاء على النصيب الأوفر، والأكثر فائدة من الثروة الوطنية، لها ولعدد من سلالتها القادمة، وهي اليوم تصر على ضمان ذلك النصيب، مهما كلفها من جهد وما توفر عندها من أسلحة، لأنها تعتبر أن ذلك من حقها، ونتيجة طبيعية لمجهوداتها وما يناسب وضعيتها الاجتماعية والوظيفية، ولا يوجد عندها ادنى استعداد للتنازل عما عندها، حتى ولو تطلب الأمر إحراق البلد بمن فيه، وأنها مستعدة للمغادرة في أية لحظة، إذا ارتفع سقف شراسة الحرب الاجتماعية، فقد أعدت من السيناريوهات الاحتياطية، ما ينسب وضعيتها وإمكانياتها.

أما الفئة الثالثة، فهي التي تتوسط الطرفين، والتي وجدت في الجريمة عنوانها الرئيسي وسلاحها المفضل، خاصة بعد الاعتراف الاجتماعي بحتمية الواقع القائم، وبعد جهود الإعلام، الذي كرس الجريمة كسلوك اجتماعي عادي ومتداول، ولهذا فهي تسارع إلى القيام بكل الجرائم التي تمكنها من الاستيلاء على ما يناسبها من الثروة الوطنية، فقد تحولت وسائل الإعلام إلى مجرد عناوين للجرائم، بداية من الاختلاسات وما يتبعها، مرورا بالمبالغ الرهيبة للرهائن من المقاولين ورجال الأعمال، وصولا إلى اختطاف الأطفال وشاحنات السلع والسيارات، وغيرها حتى أن الأرياف تحولت إلى ساحات حرب حقيقية، للاستيلاء على ما فيها من غنائم.

ولكن المشترك بين هذه الأطراف، شراسة الحرب وضراوة الأسلحة، التي يصر الجميع على عدم التنازل عنها، إلى أن تتحقق الأهداف، ويتم الحصول على النصيب المناسب من الثروة الوطنية، التي تضمن العيش المناسب غدا، ويتفق الجميع على استصغار نتائج الحرب الممارسة لآن، والمهم اليوم، هو الحصول على مستوى معين من الحياة غدا، ومن يتراجع أو يتنازل، يفقد فرصته في المستقبل.

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق