وطني

“ابقاي على خير يا هاذ الدشرة” !

 

 بقلم: قادة صافي

 فجأة توشّحت السّاحة الفنية سوادها في مغيب شمس الفنّ الأصيل، في فقدان القطعة النّادرة التي سقطت من عقد يكاد يكون مفقودا في هذا الزمان، عقد التّراث والأصالة التي عضّ عليه هذا الفقيد بالنّواجذ في زمن المسخ والتقليد الأعمى فأبى له أن يندثر، إنّه “الشيخ عطا الله” ابن المدرسة الأصيلة، ابن العراقة والتراث، ابن الزمن الجميل، زمن الأجداد، زمن “العبايا والقندورة والعمامة”، زمن الخيمة العتيقة و”الحصيرة” و “الشاي” والأفرشة التي تعبق برائحة الأصالة الفوّاحة، زمن الأغنية البدوية الأصيلة النّقية التي لطالما ردّدها علينا الشيخ “عطا الله”، صاحب مقطوعة “ابقاي على خير يا هاذ الدشرة” الذي ودّع “دشرته” إلى الأبد بعدما اختطفته يد المنية على حين فجأة.

 

رحل “عطا الله” الذي عوّدنا على تلك الخيمة المضيافة التي هُدّت أعمدتها فجأة بعدما غطّت غيمة الحزن سماء السّاحة الفنية  لتنصب مكانها سرادق العزاء في فقيد الفن الجزائري الأصيل، الذي خفت صوته، بل انقطعت أحباله للأبد، رحل “عطا الله” في زمن الكوليرا التي أصابت الفنّ الجزائري، فأدخلته في غيبوبة الرّداءة، وأسجته على سرير الاحتضار، زمن كان فيه “عطا الله” وحده يقدم أنموذجا للفنان المثالي الراقي، ويقدم منتوجا فنيا هادفا وذا بعد اجتماعي.

 

برحيل “عطا الله” تكون قد سقطت شجرة سامقة من أشجار الفن النّقي كانت تغطي على الأعشاب الضّارة من أغاني المجون التي تسببت في نشر كل الآفات الاجتماعية، وكيف لا وهي تدعو لشرب المخدرات، وتشجع على حمل السلاح، فشتان بين ظواهر صوتية مريضة تنشر الأمراض والأوبئة في جسد هذا المجتمع، وبين  ظاهرة صوتية اعتمدت الشعر العربي الأصيل، لتشرّح الواقع وتعرّيه بطابع هزلي يفرّج ضيق النفوس وينقلها من حال يائس بائس إلى حالة مغايرة تماما، تجعل من المشاكل والهموم محل تندر وسخرية وفق المقولة الشهيرة شر البلية ما يضحك، بفضل صاحب الخيمة الواسعة التي اتسعت لقلوب الجزائريين جمعاء.

 

نعم (ابقاي على خير يا هاذ الدشرة) عنوان مقطوعة  أدّاها “عطاء الله” مُودّعا “دشرته” على سبيل المجاز قبل أن يودّعها إلى الأبد وتودّعه هي الأخرى لغير رجعة، مرتدية وشاح النّكبة برحيل ابنها “عطاء الله”، الذي لن تفقده “الدّشرة” التي غنّى لها فحسب، بل سيفتقده جميع الجزائريين الذين أحبّوا هذا الفنان المرح، خفيف الرّوح، المبتسم دوما في سرّاء هذا الوطن وفي ضرائه، فلا نجد في الأخير وقد انطفأت شمعة من شموع الفن الأصيل إلاّ القول: وداعا يا “عطاء الله”، إنّا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

إغلاق