وطني

كرامة المتخلفين عقليا وكرامتنا

بقلم : خليل بن الدين

قال رئيس الجمعية الجزائرية للطب العقلي، الأستاذ رشيد كاشة، إن نحو مليون ونصف مليون جزائري يعانون من أمراض عقلية، وهو ما يمثل نسبة تقترب من 3 % من مجموع سكان الجزائر. وجاء كلام الأستاذ كاشة، في الأيام الوطنية للطب العقلي، المنعقدة الأسبوع الماضي، في الجزائر .
تبدو إحصائيات السيد كاشة، مقصورة على حالات موثقة في المستشفيات، والتي أصبحت لا تستطيع استيعاب العدد الكبير من المجانين، فحين تجوب شوارع المدن وأزقة القرى تصادف أعداد غير يسيرة من هؤلاء البشر الذين قست عليهم الحياة ، ورمت بهم في غياهب التخلف العقلي والعته والسفه. يُشكل هؤلاء ضحايا مجتمع بدأ يتخلى رويدا رويدا عن وظيفته الاجتماعية، فصار هؤلاء ضحايا مشاكل لم تستوعبها عقولهم، وارتفع منسوب تعقيدها حتى أصبح داء يصعب استئصاله.
ارتفع عدد مستهلكي المخدرات من الشباب، وأصبحت هذه المصيبة سلعة متداولة حتى في بعض المدارس الثانوية وربما الإعدادية، وتوزعت مسؤولية هذا الوضع المشين بين مجتمع استقال أو يكاد من تحمل مسؤولياته، وإدارة لاتوفر بالقدر الكافي وسائل الوقاية قبل الأدوية والعلاج.
أمام هذا التردي لم تستطع المستشفيات استيعاب الأعداد المتزايدة من المجانين، فرمت بهم الأقدار إلى الشوارع، وربما إلى غرف البيوت الموصدة، أوإلى منازل مهجورة وبعيدة عن أعين الناس، فلقد روى البعض قصصا عن عائلات تحبس أبناءها المختلين عقليا، أو المتخلفين ذهنيا، وتمنعهم من الخروج إلى الفضاء العام خشية “حشومة” اجتماعية غير مبررة أخلاقيا ودينيا.
وقد تحمل كلمة ” مجنون ” أو” مختل عقلي ” دلالة اجتماعية معينة، غير أن كثيرا من هؤلاء كان لهم الأثر البالغ في حياة البشرية، ولم يؤثر العُقلاء والأسوياء وحدهم على أحداث التاريخ، فلقد حكم الملك تشارلزالسادس فرنسا لمدة 42 عاما من العام 1380 إلى 1422، وكان يلقب بالملك المجنون، حيث كان يرفض الاستحمام أو تغيير ملابسه لمدة 5 أشهر متتالية، وكان يعتقد أن جسده مصنوع من الزجاج، وكان يعتبر أولاده وزوجته غرباء عنه.
أما ” أبراهام لينكولن ” وهوالرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية، فقد كان ميالا إلى ” الإكتئاب الحاد المُزمن ” والبكاء المفاجئ والتفكير في الانتحار، أما الرسام الهولندي الشهير” فانغوخ “، فلقد قطع أذنه بنفسه ومات منتحراً، والأمر ينطبق على الموسيقار ” بيتهوفن ” الذي كان يعاني من اضطرابات نفسية حادة، أما الأديب الأمريكي” إرنست همنغواي” فكان يعاني من إكتئاب حاد وإدمان على الكحول ومات منتحرا بطلقة رصاص من بندقيته، كما كان مكتشف الجاذبية ” اسحاق نيوتن ” يعانى من اضطرابات نفسية عنيفة حوّلته في نظرالكثيرين إلى مجنون حقيقي.
لقد روى كثير من الناس حالات مشابهة من الذكاء الحاد لدى مجانين يجوبون الشوارع، فهل تضيع طاقات وتهدر، وكان أولى أن يُستفاد منها، أو على الأقل تُحفظ كرامتها والتي هي من كرامة المواطن.

مقالات ذات صلة

إغلاق