وطني

” مثقفو” الفاصلة

استضافني في2011 أخي الإعلامي محمد بغداد إلى حصته الثقافية التلفزيونية “ضيف الثالثة” للحديث عن أعمالي في الفكر والسياسة والتاريخ، والتي بلغت اليوم بتوفيق من الله28إصدارا، ومنها كتابي الأخير”مستقبل الجزائر في ضوء الإستراتيجيات الدولية” الذي سيرى النور قريبا جدا بإذن الله، وركز في الحصة على كتابي “البديل الحضاري” و”أسس وميكانيزمات جديدة لدولة مسلمة معاصرة وديمقراطية” اللذان طرحت فيهما أرضية لنظام سياسي جديد منطلقا من قراءة جديدة لآيات من القرآن الكريم محاولا إيجاد حل لمعادلة التوفيق بين ثلاثية “الإسلام والحداثة والديمقراطية”.

وطرح أثناء الحصة سؤالا حول مشكلة عدم اهتمام الإنسان والإعلام في بلداننا بالأفكار الجديدة، فكان ردي بتحميل المسؤولية للاستبداد الذي لا يقلقه كثيرا نقد وصراخ المثقف لأنه يساعده أحيانا لامتصاص الغضب، لكن ما يخيفه فعلا هو إنتاج وانتشار الأفكار والبدائل العملية المكرسة لقيم الحريات والديمقراطية، ثم عرجت إلى مالك بن نبي الذي تأثرت به كثيرا بشهادة الذين يعرفونني فعلا، وليس مصدقو إشاعات بعض مرضى النفوس في الفضاء الأزرق، وبلغ هذا التأثر إلى درجة تحديدي أرقام الصفحات التي أورد فيها هذه المقولة أو تلك، لكن هذا لا يعني أنني أصبحت عبدا وسجينا لأفكاره أرددها وأجترها، فالأفكار تتطور بالنقد والنقاش البناء.

كما استندت في إجابتي على طرح بن نبي حول الأفكار والأشياء، فقلت أن مجتمعاتنا لازالت طفولية، فهي تهتم بالأشياء والبهرجة، كما يهتم الطفل باللعب، وأنها تعطي أهمية لمظهر الإنسان وشكله، وليس لعقله ومايقدمه من أفكار وأعمال، وهذا على عكس المجتمعات الغربية الناضجة التي تهتم بالإنسان وبما يقدمه للمجتمع دون أي إعتبارات أخرى، وأضفت أن هذا سينطبق على الحصة ذاتها، فالكثير من مشاهديها سيركزون على المظهر والهندام والشكل بدل مايطرح فيها من أفكار.

لكن تبين لنا فيما بعد بأننا نعاني من مرض أخطر من هذه “الشيئية”، فبعض”مثقفينا” للأسف يهتمون فقط بالهفوات التي لايخلو منها أي عمل بدل تركيز إهتمامهم على مايطرح من أفكار للنقاش والإثراء، فينصب جل إهتمامهم على عدم وضع فاصلة أو خطأ في كتابة كلمة أو ذكر1939 بدل1949، ويتجاهلون أنها مجرد هفوات ناتجة عن التسرع أثناء كتابة النص بالكمبيوتر، فتضيع في خضم جدالهم العقيم كل الأفكار العميقة المطروحة للنقاش البناء، ونضيف إلى هؤلاء صنف آخر همه طرح المسائل الهامشية بدل القضايا الجوهرية والمصيرية لمجتمعاتنا، وكأنهم مكلفون بمهمة إلهاء لشعوبنا، لانعلم بماذا سيصف بن نبي كل هؤلاء لو عاد إلى الحياة؟، لكننا متأكدون بأنه سيفضح المتاجرين به، وسيعتبرهم أداة إستعمارية لتشويه أفكاره في إطار ما يسميه ب”الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”.

وظهر مؤخرا آخرون يصدرون أحكامهم دون الإطلاع على أفكارك، ويبنون ذلك على أسس جهوية أو لغوية أو تصنيفات أيديولوجية مختلقة، وعادة مايقع هؤلاء تحت تأثير ما يروجه أشخاص عنك همهم تشويه الشرفاء والتسلق بهم وعلى حسابهم باستغلال الجهل المقدس لهؤلاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق