وطني

خلفيات الفكر الداعشي وأثره على المجتمع الإسلامي

الحلقة الثانية

قرأت للكثير الذين نظروا للظاهرة الداعشية سواء في الصحف او عبر شبكات التواصل الاجتماعي فكان البعض منهم يرجع إجرامهم إلى الضغوط التي عاشوها في حكومات الظلم والاستبداد وهم فقط يقومون برد فعل مضاد،ومنهم من يرجعها إلى الفقر المدقع والأزمات النفسية التي تكتنف هؤلاء وهم في بطالة مقننة وبين يدي مستقبل مظلم مجهول ،وبتفقون جميعهم في شبه إجماع انه لو توفرت الحريات في الوطن  وكرامة العيش  وتجسدت حقوق الانسان كواقع معيش في العدالة وتساوى المواطنون قاطبة امام العدل والقانون لاختفت مظاهر الإجرام الداعشي ،وأنا أقول أنه لو وضعنا أصحاب هذا الفكر الداعشي في جنة الخلد وباتوا مع الحور ومشى بين ايديهم الولدان المخلدون ليسقوهم بما يريدون من شراب الجنة شريطة ان نقول لهم إن هذا الموطن ليس جنة الخلد بل هو في دولة من الدول ،لرأيت هؤلاء يبحثون عن مبررات تجسد معتقدهم الاجرامي في حق سكان الجنة ،فيجهزون عليهم في ليلة من الليالي بعد اختلاق مبررات التكفير والتضليل ويذبحونهم كالنعاج لأن دوافع الإجرام فيهم ليست معيشية ففيهم من يمتلك الملايير كابن لادن ولكنه فضل حياة الكهوف والمغاور ليروي عطش اعتقاده بسيلان الدماء، وليست سياسية فمنهم من يعيش في امريكا وانجلترا ولا يتعرض لأية مضايقات ولكنه يحلم بتجسيد خلافة يزيد والوليد ،وقلة هم الذين أصابوا كبد الحقيقة في أن خلفيتها الإجرامية هذه إنما ترتكز على معتقد ديني روجته السياسات الظالمة باسم الاسلام،وتغلب هذا الفكر بعد انتصار الحنابلة على المعتزلة بعون من المتوكل العباسي ثم غاب إبان الخلافة العثمانية حيث جسده قبلها فريق ابن تيمية الذي بصم ضده علماء السنة وأدخله سلطان زمانهم السجن بطلب منهم فمات فيه لأنهم رأوا فيه خطرا كبيرا على منظومة الاسلام الاجتماعية والثقافية والاعتقادية من خلال السهولة في ايجاد مبرر لتكفير المسلمين ثم قتلهم وقد سئل ابن تيمية عن الذي يتلفظ بالنية في الصلاة كيف يعاملونه إن هو أصر على ذلك وقال انه من السنة ..أفتى ابن تيمية بقتله على الفور.

غاب هذا الفكر الداعشي طوال الخلافة العثمانية التي كانت خليطا بين اعتدال الحنفية أهل الرأي والشافعية وبين المالكية اهل الحديث واهل الرأي منهم ايضا فضلا عن عبقرية الفكر الاعتزالي الذي تقدمت به اوربا كما عبر عن ذلك روجي بيكون وفرنسيس بيكون.

ولا أقول ان الخلافة العثمانية كانت نموذجا للحريات بل إنها تقوم على النظام العتيق للخلافة بلا معارضة ولكن هناك مساحات للرأي والخلاف يستطيع المسلم فيها ان يستريح من غلواء التكفيروالاضطهاد المفروض.

درست أوربا والغرب برمته واقعنا وخلفياتنا الفكرية والثقافية فأرادت ان تحطنا على سكة من أسوإ السكك فلا نخرج منها أبدا ألا وهي سكة الفكر التكفيري التنفيري الذي يقوم على الصراعات والحروب بين الطوائف فصنعت محمد بن عبد الوهاب الذي أحيا بدوره وهي تؤازره فكر ابن تيمية وأسقطوا الخلافة العثمانية ومنذ ذلك التاريخ ذهبت الريح .

ومن أين تبدا معركة التفتيت وإفساد الاسلام باسم الاسلام؟لابد ان تبدا كما بدا الاسلام من أرض الجزيرة العربية وأن تتظاهر بانها تصحح التوحيد .

وإيجاد التوتر في الخليج سيمتد مع مرور الزمن الى كامل الوطان العربية وذاك الذي نشاهده اليوم.

كلما توفّرت في منطقة الخليج عوامل الرفض للنفوذ الأجنبي إن على مستوى الشعوب أو على مستوى الحكومات، راحت القوى الخفية المنبثة في المنطقة تزرع بذور التفرقة لتضرب حكومات وشعوب المنطقة بعضها ببعض حتى يخلو للنفوذ الأجنبي وجه الاستغلال للأرض والإنسان.

وهذه القوى الخفية تظهر للعلن مباشرة حين تتحول وسوستها إلى اعتقاد في أدمغة الذين أسماهم المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي أصحاب القابلية للاستعمار، سواء كانوا من الحكام أو كانوا من المحكومين، من المحسوبين على الإسلام كانوا أو على من سواه من النحل والمذاهب والمعتقدات، فتكشر يومئذ عن أنيابها وتلقي بساح الصراع أذنابها من أبناء المنطقة، ليكون الجميع وقودا لحرب أو فتنة تأتي على الأخضر واليابس باسم شعار من الشعارات المزيفة التي استحدثت في بداية القرن العشرين لضرب الإسلام.

أما قبل هذا وبالضبط في بداية القرن الثامن عشر، فشعار تجديد الإسلام وتنقيته من الشرك كان هو المستعمل من قبل انجلترا سيدة الدنيا في ذلك الزمان للإطاحة بالرجل المريض المتمثل في خلافة آل عثمان.

والكل يعلم أنه بعد سقوط هذا الهرم الذي تعاون على إسقاطه في الخليج الفارسي، السنة والشيعة والعرب والفرس وغيرهما من الأجناس، وقعت التجزئة العربية والإسلامية وعرف الناس لأول مرة دويلات ملوك الطوائف التي لا تزال تحاكي هذا المعنى إلى غاية هذا اليوم.

وفي خضم كل هذا تمّ زرع الغدّة السرطانية الصهيونية، كما أسماها الإمام الخميني رحمه الله في الجسم العربي والإسلامي لتهزم هذه الدويلات مجتمعة عسكريا ودبلوماسيا مع الوصول بالقضية الفلسطينية التي كانت في الأصل قضية كل المسلمين إلى الحدود الضيقة المتمثلة في فلسطين والفلسطينيين، ولا جرم أن يفتي – شعر بذلك أو لم يشعر أنه يخدم الاستعمار- أحد كبار علماء الحديث الذي يدور في خطة الإصلاحات الدينية في الخليج التي دعمتها انجلترا في القرن الثامن عشر بوجوب هجرة الفلسطينيين إلى الدويلات العربية، كما هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حتى إذا قوي ساعدهم، عادوا إلى تحريرها كما عاد الرسول إلى مكة فاتحا، بناء على هذا القياس المزعوم الذي لا يناسب ولا يلائم في الحال والمآل المقاس به بأية حال !!

فإذا كان الرسول الكريم قد هاجر وأقام دولة في المدينة، فهل يقيم الفلسطينيون المهاجرون دويلة صغيرة لهم هنا أوهناك كما أقامها الرسول؟ أم يكون مصيرهم التشريد والعزل في الغيطوهات؟ كيف والهجوم الثلاثي ضد عبد الناصر رحمه الله الذي أصر على تأميم قناة السويس وهو الهجوم الذي أبت الولايات المتحدة الأمريكية تدعيمه لحاجة في نفس يعقوب قد خرجت بعده إسرائيل المشاركة في الهجوم أكثر قوة وأكثر حدّة، بينما سقط حليفاها انجلترا وفرنسا عندما دعمتها هذه الأخيرة بالتكنولوجيا النووية سنة1957 لتصبح على قلتها وضحالتها في ذلك الزمان أول دولة نووية في القارة الأسياوية قبل الصين التي ما عرفت النووي إلا في بداية الستينيات !!

أمام هذا الضعف الفرنسي والانجليزي تبنت الولايات المتحدة الأمريكية القضية الصهيونية لتضع أياديها على النفط الخليجي ولتشرب منه بنهم منذ 1991 عندما وجدت في رعونة النظام البعثي العراقي الأداة والوسيلة، وهو حليفها القديم ومعه أنظمة المنطقة حين استعملته ضد الدولة الإسلامية الفتية وهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حرب ضروس طيلة ثمانية أعوام.

بقلم صادق سلايمية/ الخبير في شؤون الحركات الإسلامية بالجزائر

مقالات ذات صلة

إغلاق