وطني

نفحات رمضانية

حقائق من الفقه الأكبر (3)

كثيرا ما يجري على ألسنة الناس قولهم بلهجتنا الجزائرية: (امْسَلْمينْ)، وذلك بُعيدَ سماعهم خبرا عجيبا يستبعدون وقوعه ولا يقدرون على منازعته أو دفعه، لأن الذي حدثهم به ربما يكون ثقة لم يجربوا عليه الكذب، فيقولون حينئذ هذه الكلمة التي يرجع أصلها إلى معنًى صحيح من أجلّ مقامات الإيمان يسميها علماؤنا (منزلة التسليم) وحقيقته قريبة من حقائق (التوكل) و(الثقة) و(التفويض) على الله وبه وله سبحانه.

وقد وردت الإشارة إلى معناه في القرآن الكريم كقوله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). وأشارت هذه الآية إلى أحد نوعي (التسليم )؛ وهو التسليم للحكم الشرعي، وهو على ثلاث مراتب؛ مرتبة التحكيم، ثم سعة الصدر بانتفاء الحرج، ثم التسليم المطلق، أما النوع الثاني فهو التسليم للحكم القدري؛ وهو محض الرضا بالقضاء أي المقضي به، وترك المنازعة فيه والاعتراض عليه بالعقل أو بالوهم أو ما سواهما ، والاكتفاء باختيار الله تعالى لعبده، ويُروى في هذا الباب حديث قدسي جاء فيه ( يا عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلّمت لي ما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لي ما أريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد).

وينبغي للمؤمن أن يدرك أن هذا التسليم الذي نتحدث عنه يكون مطلوبا دائما إلا إذا لم يأمرنا الشرع بدفعه ومنازعته، كالمصائب التي لا قدرة على دفعها، أما ما يقدر على دفعه فيدفع وينازع، وقد صح في البخاري قول أبو عبيدة بن الجراح لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما (أفرارا من قدر الله)، فقال عمر (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله).

مقالات ذات صلة

إغلاق