وطني

عميد الإعلاميين بشير حمادي : أنا حزين لأن عشرات الصحف تباع أمام المطابع مثل الخضراوات

الحوار

وهو يشعل شمعته الخامسة والستين اختارت الحوار أن تستفتح حواراتها مع الإعلاميين بحوار مع قامة إعلامية تكوّن على يديه مئات الشباب الناجحين اليوم، إنه الأستاذ بشير حمادي.

ـ أولا عيد ميلاد سعيد أستاذ، وكل عام وأنت بخير، لو عاد بك الزمن إلى شبابك هل كنت ستقتحم مرة أخرى ميدان الصحافة ؟

– -لو عاد بي الزمن إلى شبابي سأختار مهنة المتاعب دون تردد، فهي بالنسبة لي بعد أربعة عقود من التزاوج والتمازج بيننا أضحت بالنسبة لي الماء الذي يرويني والهواء الذي ينعشني، بل والهوى الذي يستهويني أكثر..وماكانت لتكون بهذه الأهمية والمنزلة لو لم تكن سنواتها المتعبة أياما ممتعة..وقد قلت وأكرر إنني أتمنى أن أموت في أحضان مهنة المتاعب، وإنني لو خيرت بين منصب رئيس الجمهورية وصحافي لاخترت دون تردد أن أكون وأظل صحفيا.

 ـ ما الذي ينقص الصحافة الجزائرية أكثر، هل الحرية أم المهنية ؟

الاثنان.. الحرية لأنها مصادرة ولم يتمكن الصحافيون بعد من أخذها لأسباب كثيرة في مقدمتها تفرقهم وعدم تمكنهم من تنظيم أنفسهم في تنظيم يجعلهم سلطة رابعة حقة، والمهنية لضعف تكوين الصحافيين على رغم الإمكانيات والوسائل المتوفرة، والتي للأسف حولت مهنة المتاعب إلى مهنة مكاتب، والكتابة الصحفية إلى عملية قطع ولصق.. وقد تحدثت في مقال “أكذوبة حرية الصحافة” عن هذا الموضوع بالقول: يخطئ من يقول إن الصحافة الجزائرية قد انتزعت حريتها بدماء أبنائها الذين اغتيلوا من قبل الإرهاب غدرا في سنوات الدم والجنون، أو بآلام الذين اغتيلت صحفهم، وعلقت مصائرهم وأرزاقهم ظلما من قبل السلطة.. ويخطئ من يقول إن الصحافة في الجزائر حرة، من منطلق التراشق ببعض الملفات.. وبالدرجة نفسها يخطئ من يقول إن الوصاية هي التي تخنق هذه الحرية فهي الأخرى مخنوقة، أو إن السلطة هي المسؤولة الوحيدة عن بؤس الصحافة الجزائرية فنحن كذلك.. ويخطئ من يقول بعد ربع قرن من صدور العناوين الخاصة إن هذه العناوين مستقلة، ويكبر خطأ من يدعي أو يتوهم أن الخط الافتتاحي لهذه الصحيفة أو تلك حر أو مستقل، فما لم يحتوه النظام بمختلف أجهزته وزمره ورموزه بالتملك احتواه مال “البقارة” القذر وخنق أنفاسه، وحول الصحف إلى عناوين “للريع والترعوين” العشرات منها لا تعرض في الأكشاك، وتباع أمام المطابع بالطريقة نفسهاالتي تباع بها الخضروات.

 ـ ما رأيك في تجربة القنوات الجزائرية الخاصة ؟

هي نسخة سيئة من الصحافة المكتوبة إلا من رحم ربك مثلما هو الشأن بالنسبة للصحافة المكتوبة، لكن الرداءة هنا أخطر بكثير لأن الإعلام المرئي يتوجه إلى الجميع صغارا وكبارا متعلمين وأميين، بينما الصحافة المكتوبة موجهة للكبار والمتعلمين أساسا، وحتى وإن كانت سيئة لا تحدث التأثير السلبي على الكبير المتعلم مثلما هو الشأن بالنسبة للقنوات..وحتى لا نأخذ الجانب السلبي فحسب فإن الإعلام المرئي الجيد هو قوة ناعمة لا يستهان  بها بالنسبة للمواطن والوطن على حد سواء..

ـ ما الشيء الذي يسعدك في الصحافة الجزائرية وما الشيء الذي يحزنك فيها ؟

تسعدني الحرية وإن كانت مجرد نسمات لا نشعر بها، أو حتى أعاصير هوجاء، ففي كلتا الحالتين ستؤول إلى جو معتدل ووضع طبيعي.. الصحافة الجزائرية وإن تعددت سلبياتها ونقاط ضعفها إلا أنها تظل مشتلة لحديقة الحرية، وهي على الأقل مرآة للمجتمع بمحاسنه ومساوئه، أي أنها لا تعكس المحاسن فحسب، وهي بهذا تسهم بقدر ما في عملية التغيير في المجتمع نحو الأحسن.. أما ما يحزنني فقد عبرت عنه في مقال بعنوان “أنا حزين” بالقول: أنا حزين لأن صاحبة الجلالة التي تشرفت بالانتماء إليها لأربعة عقود تقريبا، تتحول بالتكاثر المشبوه والمشوه إلى ما يشبه ورود المزابل.. أنا حزين لأن الصحافة عندنا لاهي صحافة خبر، ولاهي صحافة رأي، ولاهي قادرة على المزاوجة بين الاثنين حتى في زمن زواج المثليين.. المعلومات شحيحة، ومزيفة في معظمها، ومصادرها تتعامل مع الصحافة “بالقطارة” خاصة فيما يتعلق بالقضايا الهامة والحساسة، فيتعذر على الصحافي صياغة خبر يجيب عن الأسئلة الأساسية، ويقدم للقارئ معلومة صحيحة.. وصحافة الرأي تبني أحكاما على أساس أخبار خاطئة ومضللة، وتغرق في المضاربات والاحتمالات والتوقعات التي لاتبتعد كثيرا عن مهنة “الشوافات”، لأنها لاتنطلق من معلومات ومعطيات مؤكدة.. ولأن هذا هو حال الصحافة عندنا الذي أسهم في رداءته النظام بالمعنى الشامل، لأنه يخاف صرير الأقلام أكثر مما يخاف دوي المدافع كما قال نابوليون، ولانعفى أنفسنا من مسؤولية هذا الضعف والهزال، فقد حولنا بجبننا الجرائد إلى مايشبه أوراق النعي والنحيب، و”بوتيكات” مفتوحة للريع و”الترعوين”.. أنا حزين.. حزين حقا لأن العلاقة بين النظام والصحافة أضحت محكومة بقاعدة ” القافلة تسير والكلاب تنبح”..

مقالات ذات صلة

إغلاق