وطني

عبد الحميد مهري ..الحكيم الذي سبق عصره

نورالدين ختال

تعجز الكلمات عن التعريف برجل لا يحتاج إلى تعريف، بالمعنى المتداول لهذه الكلمة، نظرا لما تقلده من مسؤوليات وما قام به من أدوار في حياته النضالية الحافلة، يعتبر مهري أحد أهم الشخصيات السياسية التي لعبت دوراً كبيراً قبل الثورة الجزائرية، وخلالها وبعدها، فهو تاريخ قائم بذاته.

مهري قبل الاستقلال :

ذات يوم من سنة 1926 في منطقة الخروب ولاية قسنطينة أبصر النور لعائلة مهري ولد صغير سمي عبد الحميد، كتب لهذا الولد أن يعيش عيشة الرجال العظماء، كيف لا وهو الذي حفظ كتاب الله عز وجل وهو صغير، وهو المناضل الثائر الذي سخر حياته لخدمة الجزائر.

انخرط في صفوف حزب الشعب الجزائري بقيادة الأب الروحي للثورة الجزائرية “مصالي الحاج” ثم انضم لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، غداة اندلاع الثورة التحريرية في خريف 1954. اعتقل مهري وبقي في السجن لغاية أفريل 1955. بعد أشهر من إطلاق سراحه عيّن ضمن وفد جبهة التحرير الوطني بالخارج، وشغل منصب عضو في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ثم في لجنة التنسيق والتنفيذ. عند تشكيل الحكومة المؤقتة شغل منصب وزير شؤون شمال إفريقيا في الأولى، ومنصب وزير الشؤون الاجتماعية والثقافية في التشكيلة الثانية، كما عرف مهري بمشروع يسمّى باسمه “مشروع مهري” للرد على مشروع ديغول.

مهري بعد الاستقلال :

بعدما ساهم المجاهد مهري في تحرير الجزائر من الاستعمار الجائر، واصل نضاله لبناء دولة الفاتح من نوفمبر، فتقلد منصب وزير الثقافة والإعلام عام 1979، ثم سفير الجزائر في باريس (فرنسا) بين أعوام 1984 و1988، ثم سفير لدى المملكة المغربية، على إثر أحداث 1988 تولى مسؤولية الأمانة الدائمة للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني ثم أمينا عاما للحزب من ديسمبر 1929 إلى جانفي 1996.

موقف مهري من الأزمة الجزائرية :

بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد عام 1992، قام المجلس الأعلى للأمن بإيقاف المسار الانتخابي، فالتقى مهري ممثلا عن جبهة التحرير الوطني بممثلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، وجبهة القوى الاشتراكية واتفق الثلاثة على عدم اللجوء إلى العنف والمحافظة على الوحدة الوطنية، وحل كل المشاكل العالقة بالحوار، فكان مهري حكيما في رأيه متبصرا في نظرته، رأى أن سياسة المواجهة التي انتهجتها السلطة بعد إيقاف المسار الانتخابي سياسة خاطئة وستغرق البلاد وتؤدي إلى كارثة وهذا ما حصل في العشرية السوداء.

مهري وعقد روما :

خلال الفتنة الجزائرية كان مهري بقيادته الحكيمة لجبهة التحرير الوطني يمثل التيار الوسطي الذي سعى إلى الصلح بين الجزائريين، وهذه المساعي الصادقة في الصلح والحوار بدأت منذ الشرارة الأولى للفتنة عند إيقاف المسار الانتخابي، وخلال اتفاق «سانت ايجيدو» نوفمبر 1994 إلى جانفي 1995 شارك مهري في مساعي المصالحة مع رفقائه في الثورة التحريرية كالرئيس بن بلة، وحسين أيت أحمد وغيرهم من السياسيين، إلا أن أطرافا في السلطة لم توافق على هذه المحاولة، هكذا وجد عبد الحميد مهري نفسه، منذ بداية الأزمة الجزائرية، عرضة للنقد الموضوعي أحيانا وللتجني الظالم في أحيانا أخرى، من هذا التجني اتهامه بالخيانة بعد لقاء روما سنة 1995 ثم سحب منه جوازه الدبلوماسي وتعرض لحملة تشويه واسعة، ذنبه الوحيد أنه أراد حقن دماء الجزائريين وإيجاد حل سياسي سلمي للخروج من الأزمة الجزائرية، تعاظم الظلم ضد الرجل وتآمر عليه الأعداء إلى أن عزل من الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني في جانفي 1996، في هذه المحنة أثبت مهري حكمته وتبصره بالمستقبل وصدق تحليله للواقع، فمن كانوا يعارضون الحل السياسي الذي ناد إليه المرحوم مهري منذ بداية الأزمة صاروا يدافعون عن حل سياسي أقل شأنا وأقصر نظرا وأقل أهمية هي المصالحة الوطنية.

فكر مهري :

كان عبد الحميد مهري رجلا ثوريا قوميا عروبيا، سياسيا محنكا، لعل جسد المرحوم رحل لكن لم ترحل معه مواقفه السياسية التي ستبقى شاهدة على وطنيته الكبيرة، ودليلا على اتزانه ورصانته وحكمته وتبصره في تحليل الواقع السياسي، وترك وراءه إحدى أهم مقولاته حول التغيير في الجزائر حين قال  التغيير لا يأتي من فوق سواء كان الفوق سلطة أو معارضة ، وكان يعتبر أحد أبرز رجالات الإجماع الوطني في الجزائر.

إن الصفات التي يتمتع بها المرحوم عبد الحميد مهري من صدق وأمانة وعدل ونزاهة وحكمة هي التي تجعل شهادته على الثورة التحريرية والاستقلال وفتنة العشرية السوداء من المصادر المتزنة التي يمكن أن يركن إليها المؤرخون، وهي التي جعلته يختار طريق المعارضة المبدئية الرصينة في الأزمة المتعددة الأبعاد التي عرفتها البلاد والتي ما زالت جراحها لم تندمل بعد.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق