وطني

الصناعة التحويلية.. هذا هو البديل الاستراتيجي

لتحقيق معادلة الأمن الغذائي

آيت اعلي: إنشاء مصانع التحويل مغامرة
رزيق: 90% من المواد الأولية الموجهة للتحويل مستوردة
هارون: الإنتاج التي تنتجها الجزائر من المواد الأولية متذبذبة

نصيرة سيد علي

تلجأ العديد من الدول التي تريد النهوض بمنظومتها الاقتصادية وتحقيق أمنها الغذائي إلى تبني الصناعات التحويلية على تنوعها واختلافها، خاصة الصناعة التحويلية للمنتوجات الفلاحية لما لها من وزن في تحقيق التوازن في المعادلة الاقتصادية باعتبار هذا النوع من الصناعات دعامة تركز عليها لتحقيق التنمية.
والسؤال المطروح هنا، ما موقع الصناعات التحويلية في مجال الفلاحي في الجزائر، وما هي معوقات هذه الصناعات، وما هي الاستراتيجية التي يمكن للجزائر تبنيها للإقلاع بالصناعات التحويلية مستقبلا؟؟.. أسئلة وأخرى حملتها “الحوار” إلى مجموعة من الاقتصاديين والناشطين في المجال الذين أكدوا ضرورة القيام بإصلاحات حتى نجعل الجزائر رائدة في هذا النوع من الصناعات، خاصة أن أراضيها خزان لكل المنتجات الفلاحية.

تذبذب في الإنتاج أضعف صناعة التحويل في الجزائر

في السياق، وفي تصريحه لـ “الحوار”، أرجع الخبير الاقتصادي الدكتور كمال رزيق أسباب ركود الصناعة التحويلية في الجزائر أن مثل هذه الصناعات تتحكم فيها وزارتان، والفلاحة لا تتقاطع في نقطة تطوير هذه الشعبة، مما جعل الفلاح ينتج كميات معتبرة من مادة ما، يصطدم بمشكل التوزيع المتذبذب ولا يجد تصريفا لمنتجاته فيتكبد خسائر فادحة، قد يأخذها درسا في المواسم الفلاحية القادمة إما يتجه إلى شعبة أخرى، أو يقلل من كمية الانتاج التي عرفت فائضا في الانتاج السنة الماضية، ولم يجد لها قناة لتمريرها نحو المصانع وتحويلها إلى مادة غذائية أخرى، وهو ما يولد مشكل الندرة في المنتوج ذاته، مشيرا إلى أن من أهم المشاكل التي تعرقل تطوير الصناعة التحويلية في الجزائر تذبذب الإنتاج من سنة لأخرى، وعدم استقرار المنتجين على منتوج معين، مما دفع بالصناعيين في هذا المجال إلى استيراد ما يعادل 90 بالمائة من المادة الأولية من الخارج، في حين أن الجزائر -يقول رزيق- تعد مطمورة العالم لمختلف المنتجات الزراعية والفلاحية.

بإمكان الجزائر أن تكون قطبا في مجال التحويل عربيا

وأضاف زريق يقول: إن الجزائر بإمكانها أن تكون قطبا في مجال الصناعة التحويلية في العالم العربي، إذا تبنت سياسة تنسيق واضحة المعالم بين القطاعات التي ترتبط بهذا النوع من الصناعات على غرار وزارة الفلاحة والصناعة والتجارة، وهذه القطاعات يضيف -كمال رزيق- مدعوة لمرافقة الفلاح والصانع من موسم الحرث والبذر إلى جني المنتوج، وتتولى كل وزارة حسب المهام المنوط بها، بالمنتجات الفلاحية والزراعية بطريقة مباشرة من الأرض إلى مصنع التحويل، من أجل إضفاء صبغة المنتوج الغذائي الجنسية الجزائرية مائة بالمائة.

ضرورة ربط القطاع الفلاحي بالصناعي وبالتجاري

ومن أجل النهوض بالصناعة التحويلية، اقترح رزيق ضرورة وضع استراتيجية وطنية، من خلال تشجيع الفلاح على الاستمرار في المنتوج الذي اعتاد على زراعته، والتكفل بمنتجاته، وكذا مرافقة الحكومة لمصانع التحويل التي ينشط فيها القطاع الخاص، بإعطائهم التحفيزات لمواصلة العمل، والتشجيع من خلال وضع خارطة تبين النقاط المتواجدة فيها مصانع التحويل حتى يتم ضبطها جغرافيا، وعلى أصحاب هذه المؤسسات -يقول رزيق- إبرام اتفاقيات مع الفلاح بعقود طويلة الأجل، حتى ننمي ثقافة التعامل مع الشركات ومصانع التحويل في ذهنية الفلاح الجزائري وجعله يتماشى وفكرة ربط الأرض بالمصنع، واستغلال 3 ملايين من الهكتارات من الأراضي الفلاحية غير المستغلة حتى نعطي النجاعة أولا للقطاع الفلاحي، ثانيا من أجل خلق ثروة خارج إطار المحروقات، ويرى رزيق البديل الاستراتيجي يكمن في ربط القطاع الفلاحي بالصناعي وبالتجاري من خلال العمل الجماعي بين هذه القطاعات، عن طريق تنسيق وزاري.

الصناعة التحويلية تخضع لمنتوج منتظم

من جهته، قال الدكتور والاقتصادي هارون عمر في لقائه مع “الحوار” إن الحديث عن الصناعات التحويلية في الجزائر يقودونا دوما للحديث عن المواد الأولوية، فلا يمكن انشاء هذا النوع من الصناعات ولن تزدهر دون توفر المادة الأولية، فصناعة تكرير السكر صناعة تحويلية، لكن يجب توفير قصب السكر أو الشمندر، كذلك التصبير سواء الطماطم أو غيرها من المصبرات توجب توفير المادة الأولية بكميات أكبر من الحاجة وبشكل منتظم.
وأوضح هارون أن الفلاح الجزائري يشتغل بشكل عشوائي، بالنظر إلى كميات الإنتاج التي تنتجها الجزائر من المواد الاولية الخاصة بالمنتجات الفلاحية والزراعية متذبذبة من سنة لأخرى وغير منتظمة، نظرا لعدم وجود استراتيجية واضحة في المجال، إضافة -يقول هارون- إلى ذلك رداءة المنتوج الفلاحي الذي لا يرتقي إلى إعادة تصنيعه واستخراجه في شكل غذائي جديد.
وحول شروط إقامة وإنشاء صناعة وطنية تحويلية، قال هارون إن ذلك يحتاج إلى استراتيجية وطنية تشرف عليها وزارة الصناعة تماما كما كان الحال في قطاع تركيب السيارات مثلا، لأن العمل بشكل منفصل يؤدي بالضرورة لعدم وجود طفرة في القطاع، مشيرا إلى أن الجزائر بإمكانها احتلال الصدارة في مجال تكرير مادة السكر وصناعة الزيوت الغذائية، مؤكدا أن الجزائر لها إمكانات فلاحية ضخمة وتتوفر على طاقات فكرية عظيمة بإمكانها أن تجعل الجزائر في مقدمة البلدان المعروفة بهذه الصناعة ونجنب الخزينة العمومية ملايير من الدولارات.

نحتاج إلى إدارة تسيير التوازنات

وعلى صعيد مماثل، أكد الخبير الاقتصادي فرحات آيت علي، في حديثه لـ “الحوار” أن الاستثمار في مجال الصناعات التحويلية يستلزم أموالا كبيرة، وأمام العراقيل التي تضعها البنوك الجزائرية، حالت دون القيام لمثل هذا من النوع من الصناعات في الجزائر، وأكبر مثال على ذلك -يضيف آيت علي- ملف أحد المستثمرين الجدد في مجال الصناعات التحويلية، والذي يرغب في إقامة مصنع تحويل شعبة البطاطا، والذي اصطدم بمشكل مالي عويص، حيث قدر المبلغ الذي اقترضه من البنك 13 مليار دينار، وحدد آجال تسديده في ظرف 48 شهرا، في حين -يقول فرحات- إن مصنع تركيب السيارات يمنح زبونه 60 شهرا كمدة محددة لآجال التسديد، وصاحب مصنع الصوجا وتحويلها إلى زيوت بولاية بجاية الذي واجه صعوبات جمة منعته من تحقيق مشروع حلمه، عنوان آخر يؤكد استحالة القيام بالصناعة التحويلية في الجزائر، كل هذا -يضيف الخبير ذاته- يؤكد أن مثل هذه الصناعات لن تقوم لها قائمة في مثل هذه الظروف، ما لم نوفر مناخا اقتصاديا متناغما، والقيام بإصلاحات بنكية وإدارية وقانونية، وتغيير الذهنية وجعلها تتكيف والمعطيات الاقتصادية العالمية، والتي تعطي الأهمية لأصحاب الاستثمار وتفتح لهم كل الأبواب لتثبيت أفكارهم على أرض الواقع في شكل منتجات تعود بالفائدة المالية على الخزينة، ولن يكون ذلك -حسبه- إلا إذا أسسنا إدارة تسير التوازنات.

المستثمر يتخيل حجم خسارته قبل البث في نشاطه

هذا وأشار آيت علي إلى أن إقامة مصانع تحويل المنتجات الفلاحية بشكل عام، أضحى مغامرة، وذلك -كما قال -راجع إلى أسباب أخرى جعلت المستثمرين في المجال قليلين، منها تذبذب المنتوج الفلاحي، فمثلا نجد سعر شعبة معينة 20 دج، تجدها في السنة الموالية ضعف هذا السعد، وأحيانا يطرح مشكل الندرة فيه، لهذا فالمستثمر في هذا الميدان يضع نصب عينيه الملايير من الدولارات التي سيجنيها من خلال عمله، لا أنه يتكبد خسائر لم يكن يتوقعها، وأمام العراقيل التي يواجهها المستثمر تجده يتخيل حجم الخسارة التي قد يتكبدها لو واصل في المسار، فتجده -يقول آيت علي- يتراجع عن تطبيق فكرته عمليا ويغادر نحو وجهة أخرى.

إنشاء جهاز الرقابة لمرافقة مصانع التحويل

ومن أجل النهوض بهذا النوع من الصناعات، قال آيت علي إن أضعف الإيمان العودة إلى الدول الرائدة في المجال، فالجزائر لها مقومات كافية إذا أرادت السير في هذا الاتجاه، وعلى الدولة الجزائرية أن ترافق الفلاحين وأصحاب مصانع التصبير ميدانيا، من خلال إنشاء جهاز الرقابة، حتى تضع حدا للتجاوزات التي يقوم بها بعض الصناعيين الذين يبرمون عقود اتفاق على فلاح لا ينتج الشعبة الفلاحية التي يقوم بإعادة تحويلها، من أجل الاستحواذ على الدعم الفلاحي، بدل الاتفاق مع الفلاحين الذين ينتجون المادة التي يقوم بتحويلها المصنع حسب دفتر الشروط.

مقالات ذات صلة

إغلاق