وطني

تراجيديا الفتوى …. (2) المفتي

المتفق عليه في المشهد التداولي للفتوى على المستوى الاستهلاكي بين المتابعين له أن المهيمن هو الطابع الكاريكاتوري على شخصية المنتج للفتوى، وهو الطابع الذي سيطر على المخيلة الجماعية عبر القهر الذي تمتلكه وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة، وديمومة وسائل الإعلام التي فتحت أبواب شهوة الظهور أمام المفتي وجعلته يخضع لاشتراطاتها والانزلاق تحت هيمنتها، دون أن تظهر تلك الدراسات العلمية المحترمة، التي تشتغل على المشهد الكلي للشأن الديني في النسق الاجتماعي، وبالذات في مستوياته الاستهلاكية الاجتماعية.

إن الديناميكية التنافسية المشكلة لأضلاع المشهد فرضت شبكيتها وجعلت من المفتي ينزلق في حبائلها، وفي غفلة منه، قام بإنجاز الخطوة الأولى المتمثلة في قبوله بالانخراط في شهوة الظهور، والخضوع لسطوة الكاميرا وجاذبية الصورة، من خال قبوله بمنطق(الفتوى التصريح)، فساعد المستهلك على قبول المعني المراد الوصول إليه، من طرف المطاردون للفتوى باعتبارها منتوجا استهلاكيا واسع المساحات، وأعداد الراغبين في استهلاكه بوتيرة متزايدة، ومما يزيد من الانغماس في الاتجاه الكاريكاتوري للمفتي، المنافع الكثيرة التي تجنيها القوى الإعلامية المتنوعة، من شيوع ذلك النموذج الذي كلما تم التسويق له كانت النتائج مهمة ومفيدة.

وبالعودة إلى محاولة فهم البنية الكلية المشكلة لثقافة الفتوى، في جانبها المعرفي والاجتماعي تواجهنا حقائق مهمة، ولكنها متجاهلة في التداول اليومي، والمتمثلة في تلك الفئات الاجتماعية الراغبة في الحصول على سلطة الاعتراف الجماعي، من خلال أريحية سروج الأنوار المبهرة للفتوى، وبالذات ذلك الاتجاه المشتبك مع القضايا المسكوت عنها والمتوارية وراء حجب المستويات الشخصية، المكتسبة لتوارث الخصوصية الاجتماعية، ما يجعل المفتي يمتلك سلطة هتك استار المسكوت عنه، والولوج إلى حمى الخصوصية، عبر ما توفره وساط التواصل ووسائل الإعلام، التي وجدت نفسها تمتلك كل الفرص والصلاحيات في تسويق النماذج المراد العمل عليها، للحصول على تلك المساحات الجاذبة للمنافع السريعة، دون مراعاة المسؤوليات الأخلاقية والتكاليف التاريخية.

ومن الناحية المعرفية، فإن البلاد تجد نفسها اليوم، محرومة من تلك المؤسسات المستأمنة على المنظومة الكلية للفتوى، التى توارت منذ زمن الحواضر العلمية، التى دأبت على تطوير ثقافة الاجتهاد والاشتباك المعرفي مع مستجدات الحياة، والحصول على تلك الثمرات المؤثرة داخل الحدود وخارجها، عبر ممارستها القوية لآليات التفاعل مع أفعال المكلفين، ومعاني مآلات الأفعال، وديناميكية الطبيعة المقصدية للنصوص، والحرص على صناعة النخب القادرة على إدارة منظومة الفتوى، وفق سياقات حركة المجتمع في التاريخ.

إن المشهدية الكاريكاتورية، التي وصل إليها المفتي في مخيلة المجتمع، تعتبر نتيجة طبيعية لتك العصامية التي اعتمد عليها المطاردون لشهوة (الفتوى التصريح) ، دون أن يتم ظهور ذلك الموقف الصارم والصريح، المبين للفرق الجوهري بين مستوى المعرفة بالعلوم الشرعية وإدراك الآليات الفقهية، وبين القدرة على الممارسة المحترفة للفتوى، في الفضاءات الجغرافية المتنوعة، التي تختلف اختلافا كبيرا بينها وبين المستوى الأول، وهو ما كانت له تكاليفه الباهظة، وستكون له كوارثه المؤلمة مستقبلا، والذي يبرز مؤشراته السمجة في تلك الحالة التي تجد فيها البلاد برمتها، فقيرة إلى ذلك الطراز العلمي والمنطقي والمنضبط مع إمكانية ووجود نموذج مقبول للمفتي، الذي يمتلك شرعية الجاذبية الاجتماعية، والمشروعية المعرفية.

مقالات ذات صلة

إغلاق