وطني

العرب ينددون والغربيون ينفذون

 سفارة واشنطن الإسرائيلية بالقدس.. آخر مسمار في نعش السلام الفلسطيني الإسرائيلي

  في يوم وصفه المقدسيون بالأسود المشؤوم، تم نقل السفارة الأمريكية أمس إلى جنوب مدينة القدس في حفل افتتاح شارك فيه أكثر من 300 شخصية إسرائيلية وأمريكية، وبهذا الحدث الذي اعتبر صفعة لكل العرب يكون ترامب قد وفى بوعده للكيان الإسرائيلي بجعل القدس عاصمة لها.

  عمدت أمريكا وإسرائيل على الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية إلى جنوب القدس بالتزامن مع إحياء الذكرى السبعين لنكبة الشعب الفلسطيني، المصادف لـ14 ماي عندما طُرد مئات الآلاف من منازلهم في عام 1948، فكان يوما آخر فارقا في مسيرة القضية الفلسطينية وفي مسيرة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وذلك في أعقاب اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر الماضي بالقدس عاصمة لإسرائيل، انتقل وعد ترامب الذي كان في السادس من شهر ديسمبر الماضي إلى التنفيذ على ارض الواقع وسط صمت عربي محتشم، وفي هذا السياق يقول الدكتور والخبير في الشؤون الدولية احمد ميزاب إن هذا القرار يعتبر صفعة بالنسبة للدول العربية بالدرجة الأولى، حيث تم قطع آخر حبل يمكن من خلاله عودة واستئناف مفاوضات السلام، وهو دليل على أن البرنامج الذي روج له ودعا إليه في حملته الانتخابية يسير في تطبيقه دون الاكتراث لأي جهة، وبالتالي تسير إدارة ترامب نحو خلق أزمات أو إيجاد مخارج لها، كما سيكون لهذا القرار انعكاسات وتداعيات خاصة على المنطقة العربية، بالنظر إلى انعكاسه على واقع المنطقة العربية لأنه اثبت فشل الدبلوماسية العربية في التعامل مع مثل هذه الأزمات، وخاصة الجهات التي دفعت أموال باهضة لدونالد ترامب ولم يكن لها القدرة على التأثير في قراراته، بالرغم من انه أكد أكثر من مرة انه يتعامل بمنطق التاجر، أي إبرام صفقات مقابل اتخاذ قرارات، وهذا ما سينعكس بالسلب على الأنظمة العربية التي سوف تفقد مصداقيتها أمام شعوبها.

وكما كان متوقعا فقد أدت مشاعر الغضب تجاه ما حدث أمس إلى حدوث اشتباكات عنيفة بين الفلسطينيين والجنود الاسرائيليين، في مسيرة ضخمة شارك فيها عشزات الآلاف من الفلسطينيين لإيصال صوتهم المندد والرافض لنقل السفارة إلى القدس، وأعلن الجيش الإسرائيلي وضع قواته في حالة تأهب قصوى، وضاعف من عدد وحدات جيشه المقاتلة حول قطاع غزة وفي الضفة الغربية المحتلة، كما تم تعبئة نحو ألف شرطي إسرائيلي في القدس لضمان الأمن في السفارة ومحيطها. وخلال هذه الاشتباكات قام الجيش الإسرائيلي بإطلاق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع بكثافة استشهد وأصيب خلالها العشرات خلال محاولتهم اقتحام السياج المعدني المحيط بالسفارة ورفع العلم الفلسطيني هناك، بعد ان تم غلق الشوارع وتكثيف انتشار دوريات شرطة الاحتلال في الشوارع والأحياء وغلق الممرات باتجاه مقر السفارة، حيث ذكرت مصادر طبية فلسطينية أن 40 فلسطينيا استشهدوا وأصيب أكثر من 1700 آخرون برصاص الجيش الإسرائيلي على الحدود شرق قطاع غزة.

ويعتبر أستاذ العلاقات الدولية علي ربيج أن نقل السفارة الأمريكية للقدس بهذا الشكل بداية الاعتراف بيهودية مدينة القدس وأحقية الكيان الصهيوني في دولة فلسطين، فيما يظهر هذا القرار مجازفة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي خرقت كل القواعد المتعارف عليها وتجاوزت حدود الأعراف والقوانين الدولية. و أن قرارا مثل هذا قابلته ردود فعل عربية ضعيفة جدا، فيما كان يتوقع أن تكون لغة الصوت العربي مرتفعة وشديدة ضد هذا القرار، وهذا ما سيفتح علينا ابواب جهنم في القضايا العربية، وسيكون هناك قرارات أخرى فيما يخص عودة اللاجئين المهجّرين الفلسطينيين وعدم الاعتراف بفلسطين كدولة لها سيادتها، فيما يرى تزامن نقل السفارة مع يوم ذكرى النبكة رسالة مفادها ان لا مجال للعودة لتغيير الطريق هناك تواطؤ دولي على القضية الفلسطينية”.

 

ترامب ينفذ وعده لإسرائيل

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اعلن في 6 ديسمبر 2017، القدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمة لإسرائيل، والبدء في نقل سفارة بلاده من تل أبيب للمدينة المحتلة، وأعلن قبل أمس عن موعد نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وقال ترامب، عبر حسابه الشخصي بموقع التدوينات القصيرة “تويتر”، “نهنئ الجميع عندما يتم نقل السفارة الأمريكية فى إسرائيل إلى القدس الأسبوع المقبل”. وتمت قبيل ذلك التجهيزات والإستعدادت الأمنية في مدينة القدس من أجل التمهيد النهائي والاستعداد لنقل السفارة الأمريكية لدى إسرائيل إلى القدس المحتلة، وتستعد إسرائيل لتدشين مكان القنصلية الأمريكية الحديث في مدينة الأرض المحتلة، بحضور 30 ملحقا دبلوماسيًا من أصل 86 ملحقا دبلوماسيًا معتمدين لدى تل أبيب، حيث رفضت باقي الدول الدعوة وتكثف الحكومة الإسرائيلية تشديداتها الطموحة في الأساليب المؤدية لمكان القنصلية بانتشار دوريات طموح على طوال الوقت.

 

43 شهيدا و1800 في يوم السفارة الأسود

استشهد 43 فلسطينيا وسقط أكثر من 1800 جريحا برصاص الاحتلال مع توافد آلاف المتظاهرين على مخيمات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة. وفي الضفة انطلقت مسيرة العودة إحياء للنكبة ورفض نقل السفارة الأميركية بالقدس التي أحيطت بإجراءات أمنية مشددة من الاحتلال. كما دعت القيادة الفلسطينية لاجتماع طارئ. وقالت مصادر طبية في غزة إن من بين المصابين أربعة صحفيين فلسطينيين أصيبوا بالرصاص الحي ووصفت جراحهم بالمتوسطة. وكانت الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار قد دعت الجماهير الفلسطينية للمشاركة الواسعة والفاعلة في مليونية العودة لإحياء الذكرى الـ70 لنكبة فلسطين وللتنديد بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة.

ودعت اللجنة الجماهير الفلسطينية للمشاركة الواسعة في مليونية الغضب على حدود قطاع غزة الشرقية للتأكيد على حق العودة وكسر الحصار والتنديد بكل أشكال التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي. ومع بداية الاحتجاجات ألقت طائرات إسرائيلية مسيّرة قنابل حارقة على خيام العودة في عدد من نقاط التماس المحاذية للسياج الحدودي شرق غزة.

وقال شهود عيان إن القنابل الحارقة ألحقت أضرارا مادية في عدد من الخيام دون أن يبلغ عن وقوع إصابات. وكانت طائرات إسرائيلية ألقت في وقت سابق منشورات دعائية على قطاع غزة تضمنت تحذيرا للفلسطينيين من مغبة الاقتراب من الحدود وتحريضا على حركة المقاومة الإسلامية حماس، وذلك للمرة الثانية في الساعات القليلة الماضية.

 

التاريخ يعيد نفسه

رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت واضحة بتعمده اختيار يوم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بالتزامن مع ذكرى النكبة في الـ 15 ماي 1948، المأساة الإنسانية التي يتذكرها الفلسطينيون يوم إعلان قيام إسرائيل وذلك في إشارة إلى أن كل ما قامت به المجموعات المسلحة الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني كان من أجل التمهيد لقيام هذا الكيان الذي أريد منه أن يكون دولة لليهود فقط.

ويقوم الفلسطينيون، بمناسبة هذا اليوم، بتنظيم فعاليات وتظاهرات في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية وفي كل أنحاء العالم. تحوّلت الاحتجاجات في بعض الأحيان إلى اشتباكات بين الفلسطينيين وقوات الدفاع الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، في عامي 2003 و 2004 اندلعت مظاهرات في لندن ومدينة نيويورك.

وفي الذكرى الـ63 لنكبة فلسطين عام 2011 زحف اللاجئون الفلسطينيون من الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسوريا باتجاه الحدود مع الأراضي الإسرائيلية. ونتيجة إطلاق نار من قبل جيش الإسرائيلي قتل ما لا يقل عن 12 شخصا فضلا عن عشرات الجرحى. وقد وصفت المواجهات بأنها من أسوأ حوادث العنف منذ اتفاق الهدنة لعام 1974.

وخلال ذكری النكبة عام 2012، احتج آلاف الفلسطينيين في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة. وقام المتظاهرون بإلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين الذين يقومون بحراسة نقاط التفتيش في القدس الشرقية. ورد الجنود عليهم بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع.

وفي 23 مارس 2011 وافق الكنيست الإسرائيلي بأغلبية 37 صوتا مقابل 25 أصوات، علی قانون ما سمي بـ”قانون النكبة” والذي ينص على ان أي مؤسسة او جمعية تقوم بفعاليات لإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية بدلا من يوم الاستقلال الإسرائيلي يتم سحب تمويلها او تقليص ميزانيتها بعد موافقة النائب العام ووزير المالية. ويمنع مشروع القانون إحياء ذكرى النكبة، وان كل فرد يخالف هذه المادة معرض للسجن لمدة سنة واحدة أو دفع غرامة قدرها 2500 دولار ويرى الفلسطينيون أن مشروع القانون يفرض قيودا على حرية الفلسطينيين في الرأي والتعبير، كما يحاول لقمع الوعي الوطني والسرد التاريخي للبقية المتبقية من الشعب الفلسطيني في وطنه.

 

في يوم السفارة الأسود الاكتفاء بالإدانة

أثار قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس موجة غضب واسعة في الأراضي الفلسطينية، وردود فعل منددة، إسلاميا ودوليا، حيث طالبت القوى الفلسطينية في بيانها سفراء دول العالم في إسرائيل بمقاطعة احتفال نقل السفارة الأميركية للقدس، فيما أعربت العديد من الدول استنكارها للقمع الوحشي ضد جموع الفلسطينيين المشاركين في مسيرة يوم السفارة الأسود منذ صبيحة أمس جراء الأجواء المتوترة والمشحونة اثر تنفيذ قرار ترامب والذي أسفر عن استشهاد العشرات وإصابات المئات، ففي بيان صادر عمن وزارة الخارجية المصرية نددت فيه مصر بشدة استهداف المدنيين الفلسطينيين العزل من طرف قوات الاحتلال الإسرائيلي، كما أكد البيان رفض نصر القاطع لاستخدام القوة في مواجهة مسيرات سلمية تطالب بحقوق مشروعة وعادلة محذرا من محذرا من التبعات السلبية لمثل هذا التصعيد الخطير في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أكد البيان دعم مصر الكامل للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها الحق في إنشاء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

فيما قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، بشأن الشهداء الفلسطينيين في غزة: “من العار صمت العالم تجاه همجية هذه الإبادة الممنهجة”.

وجاء ذلك في تغريدة على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” إن كل شهيد تقتله إسرائيل في فلسطين المحتلة، اليوم يعتبر جريمة ولطخة جديدة تضاف على جدار العار الإسرائيلي”. كما أدانت منظمة العفو الدولية، المجزرة الإسرائيلية ضد سكان قطاع غزة، معتبرة اياه انتهاكا مكروها للقانون الدولي وحقوق الإنسان في غزة، ومطالبة بوقف الانتهاكات بشكل فوري.

هذا وقد خلفت ردود فعل مختلفة من الشارع المقدسي والشخصيات الفلسطينية والإسلامية، حيث قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين بأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يعد استمرار وإمعان بالعدوان الأمريكي من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة الكيان الإسرائيلي، والشروع في إجراءات النقل ما هو إلا تأكيد على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، فهي ظالمة وغير منطقية للمواطنين الفلسطينيين، والحق العربي في أحقية المواطنين في العيش في موطنهم، حيث أن هذا العدوان هو على المسيحيين أيضا الذين بالعادة يمثلون الصورة الحقيقية للسلام فاعتراف الولايات المتحدة في ان القدس عاصمة للإسرائيليين هو عدوان على الحجر والبشر في المدينة وعلى الشرعية الدولية”.

وأكمل الشيخ محمد حسين حديثه لمراسلنا بالقدس على أن “كل هذه الإجراءات ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف لن يغيّر على أرض الواقع أحقية الفلسطينيين والعرب في العيش في مدينتهم والتي اعترف فيها أغلب الدول المختلفة على أن القدس الشرقية هي عاصمة فقط للفلسطينيين”.

أما في المغرب فقد شارك آلاف المغاربة، في مسيرة بالعاصمة الرباط، للتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين المشاركين بمسيرات “العودة” في قطاع غزة، ورفضًا لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. ورفع المحتجون، خلال المسيرة التي دعت إليها “مجموعة العمل المغربية من أجل فلسطين”، و”الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني” (غير حكوميتان)، صورا للمسجد الأقصى للتعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.

وأعربوا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني المقاوم لـ”الاحتلال الصهيوني”، خصوصا المشاركين بمظاهرات سلمية في قطاع غزة. ورفع المشاركون، أعلام فلسطين والمغرب، بهذه المسيرة التي نظمت تحت شعار “من أجل القدس عاصمة أبدية لفلسطين، ودعما لمسيرات العودة الكبرى”.

نجاة دودان

مقالات ذات صلة

إغلاق