وطني

ميساء قصة معاناة مع مرض اخطر من التوحد

من يفك قيدها لتعيش طفولتها

الاطفال هم زينة الحياة الدنيا، وهم رمز للنقاء والمحبة ولكل شيء جميل، ولا طعم للحياة بدون وجود البراءة فيها، لكن ماذا لو وجد طفل مريض في العائلة؟ وماذا لو كانت العائلة تعاني من عوز مادي شديد، هل تستسلم للقدر أم تكابد من أجل إعادة البسمة لطفلها؟

انقلبت فرحة الأب يوسف خوجة وزوجته من ولاية ام البواقي الى قرح وحزن بعد سنة من إنجابهما لميساء، ففي عامها الثاني بدأت تظهر عليها ملامح المرض، سارع والدها لأخذها الى الطبيب وبعد التشخيص تبيّن أنها مصابة بالتوحد، شيئا فشيئا تعقدت حالتها الصحية، وبات يظهر جليا سلوكها المضطرب منذ عامها الرابع، نوبات غضب، صراخ وضرب ولطم على جسدها.. لدرجة أنه يتم تكثيفها بقطعة قماش حتى تمنعها عن إيذاء ذاتها، أما الليل فلا تنامه سوى ساعتين أو ثلاثة، وصف لها الأطباء مهدئات بجرعات عالية لكنها لم تنفعها بل زادت الطين بلة. تلك هي المأساة التي وصفها والد ميساء خلال حديثه لـ”الحوار” بنبرات صوت لا تخلو من الحزن واليأس، حيث قال: “بادرت احدى الجمعيات الخيرية بنشر حالتها على مواقع التواصل الاجتماعي لعلها ترأف لها قلوب المحسنين. وبالفعل تم ذلك إذ اتصل بي شخص من ولاية تبسة لا أعرف شكله إلى غاية اليوم، أرسل سائقه يحمل إلي تكاليف السفر والعلاج في تونس، فسافرنا أنا وميساء وزوجتي إلى هناك، ولما عرضناها على طبيبة مختصة في الأعصاب بـ”مصحة البحيرة” طلبت منا بعض التحاليل، وهناك كانت الصدمة التي لم نكن نتوقعها فقد أظهرت النتيجة أن ابنتي لم تكن مصابة بالتوحد بل خلل في وظائف أنزيمات الكبد وهو من الأمراض النادرة التي تؤثر على المخ وتسبب في تلف خلاياه والتخلف الذهني. ثم أضاف : أخبرتني الطبيبة أنه كان من المفروض إجراء فحص شامل لها مباشرة بعد ولادتها، لتحديد وجود مرض محتمل، لكن تلك هي مشيئة الله. ثم طلبت مني تحاليل أخرى وأوصتني بالعودة إليها لمتابعة حالتها، غير أن قلة المال وقفت عائقا امام عودتنا إلى تونس ومواصلة العلاج. فرجعنا إلى الجزائر نجر أذيال الخيبة بخطى مثقلة بالهموم، واستمرت المعاناة مع ميساء ومرضها ولم نجد أمامنا سوى مستشفى مصطفى باشا بالعاصمة بحكم أنه المستشفى الوحيد في الجزائر المتخصص في الأمراض النادرة، لكن لم يتم تشخيص حالتها بدقة فكان ملزما علي اخذها كل يوم خميس الى هناك على أمل أن يجدوا لها الدواء الشافي. ويضيف يوسف أن كل ما يقوم به الأطباء في المستشفى هو إعطاءها مهدئات دون إجراء تحاليل أخرى، ولم يظهر عليها أي تحسن. وهنا نتساءل من المسؤول عن المعاناة التي تعيشها ميساء هل والدين لا دراية لهما بالأمور الصحية، أم تهاون الطبيب أم المستشفى الذي لا يملك الوسائل الطبية والإمكانيات؟

لم ييأس الأب وضل يبحث عن بصيص نور يكون منفذا لإنقاذ قرة عينه، فشاءت الصدف أن تشاهد حالتها طبيبة مصرية تعيش بأمريكا فتواصلت معه، وطلبت منه الاطلاع على ملف ميساء، وبعد ذلك أرسلت له مجموعة من علب الحليب وهو عبارة عن “رجيم غذائي” خاص للمصابين بهذا الداء، لكن الفرحة لم تتم فقد تعرض الحليب للتلف بعد عملية التفتيش الروتيني من طرف جمارك المطار، ولم يعد صالحا لتتناوله الطفلة كما قال.

إن مرض الطفلة الصغيرة، يستدعي تكفلا طبيا محكما ويتطلب ايضا عناية وتفرغ تام من طرف والديها، بالإضافة إلى الإمكانيات المادية الكبيرة التي أثقلت كاهل الوالد، فالأب يوسف يعمل عند أحد الخواص في مجال الفلاحة وتربية الدواجن، وقد استفاد من بناء ريفي في مجمع فلاحي لم يكتمل بعد، وفي حال ما اذا انتهى عمله هناك سيجد نفسه في الشارع هو وزوجته وطفلته المريضة.

أما ميساء التي لم ترسم البسمة يوما ملامحها البريئة، فستتم بعد أشهر قليلة عشرة سنوات من عمرها، هي السن التي من المفروض أن تدرس فيها وتتعلم وتكوّن صداقات، لكن الأيام والأشهر مرت في لمح البصر بين توتر واكتئاب ورباط يكثف جسدها، منعها من الاستمتاع بحياة الطفولة ولم يسعفها الحظ للعب مع أقرانها، اذ لم تكن لديها القدرة على التصرف مثل نظرائها الطبيعيين، إنها مشيئة الله التي لا ترد لكن الله ايضا جعل لكل داء دواء. فمن يفك قيدها ويكون لها عونا وسندا لتجاوز محنتها خاصة ـن الوقت ليس في صالح ميساء فحالتها تسوء يوما بعد يوم.

نجاة دودان

مقالات ذات صلة

إغلاق