وطني

ثقافة “كل عطلة فيها خير”

 ضجّت الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي في اليومين السابقين بالحديث على الوزير البريطاني الذي استقال بسبب تأخره لدقائق قليلة عن الحضور إلى مجلس اللوردات، حيث استدعي للإجابة على سؤال حول عدم المساواة في الدخل، ما دفع مسؤولا آخر للإجابة مكانه على السؤال.. وقد أظهر مقطع فيديو تداولتْه مواقع التواصل الاجتماعي الوزير بعد وصوله، وهو يقدّم اعتذاره للمجلس، معبّرا عن شعوره بالـخجل الشّديد، ثم يعلن عن استقالته بسبب تأخره عن موعده بدقائق معدودة!..

لا شك أنّ موقف هذا الوزير يثير العجب عندنا كثيرا، لأنّ ثقافتنا تجاه الوقت مبنيّة على مقولات سلبيّة ومميتة تُبرِّرُ “قتل الوقت” وإهدارَهُ مثل: “كل عطلة فيها خير” و “أنْ تصل مُتَأَخِّرا خير من أن لا تصل” و “في التّأنّي السّلامة” و”المكتوب” و”القضاء والقدر” بالمفهوم السّلبي، الذي يدفع إلى التّواكل والتّخاذل والتقاعس، وعدم تحمّل المسؤوليّة، وتبرير التّأخّر في الإنجاز أو عدم الإتقان وتبرير الفشل..

أمّا عند الإنكليز وغيرهم من الشعوب المتحضِّرة، فإنّ ثقافتهم مبنيّة على الفاعليّة واحترام المواعيد والإتقان والبراغماتية بمفهومها الإيجابي الذي يعني حسن استغلال الفرص والسرعة في الإنجاز والفائدة والكسب.. ويستندون إلى أدبيات ترسّخ أهميّة الوقت، أنتجت مقولات كثيرة منها الأمثال القائلة: “الوقت مال” و “من لم يحترم موعده لا يـُحترم”..ولذلك يغدو إهدار الوقت عندهم إهداراً للـمال.. وإذا تعلّق الأمر بمسؤولٍ يُهدر الوقت، فإن نتائج ذلك تمس كلّ شرائح المجتمع التي تضيع منها الفرص، وتتضرّر جماعيّاً من تأخّر إنجاز الـمشاريع في مواعيدها، ومن هنا يعتبرون إهدار الوقت العام عقوبةً جماعيّة مسلّطة على المجتمع برمّته، وهو بـمثابة إهدار للمال العام، لأنّ “الوقت مال” في ثقافتهم!.. ولذلك تتحوّل مثل هذه الممارسات الخطيرة الـمتعلّقة بإهدار الوقت العام إلى قضية رأي عام لا يمكن تجاوزه أبدا.. في سياق هذه الثقافة يمكن فهـم موقف الوزير الـمستقيل، حينما قال أمام الـمجلس إنّه يشعر بالعار والخجل الشّديد.. لأنّه أهدر دقائق من “الوقت العام” الذي هو أفظع من إهدار “المال العام” في عرفـهم!.. ولأنه أصبح يشعر أنّه غير جدير بالاحترام، لأنّ منطق القوم جميعا هناك هو:  “من لـم يحترم موعده لا يـُحترم”!.. ومَن يُهْدِرُ “الوقت العام” ويَفْقِدُ الاحترامَ.. لا خيار أمامه في ثقافة الأمم الـمتحضّرة سوى “الاعتذار والاستقالة” لعلّه يُـنْـقِذُ جلدَه بأقل الأضرار..

في الأخير: ألا يـَحِقُّ لنا أن نتساءل ولو في أحلامنا: ماذا لو انتقلتْ إلينا عدوى هذه الثقافةِ التي تُقَدِّرُ الوقْتَ أكثر من الـمال؟ وماذا لو تـَخَلَّى المجتمعُ عن ثقافة “كل عطلة فيها خير”؟..هل سيشعر  يومها كثير من الـمسؤولين في بلدنا بالـخجل عندما يتأخرون في إنجاز الـمشاريع بسنوات دون أسباب موضوعيّة؟ أليس الوقتُ في ثقافتنا النّظريّة هو الحياة التي لا يمكن استدراكها؟ إنّه أهمّ من المال الذي يمكن استدراك تحصيله.. ويكون الأمر أخطر عندما يتعلّق بإهدار وقت الأمّة وطاقاتها في ما لا يعود عليها بالتّنميّة، ويؤدّي بها إلى التّخلف..

مقالات ذات صلة

إغلاق