وطني

يـَـوْمِــيَّاتْ حَـــرَّاڤْ

على هامشِ أيّامٍ ثقافيّةٍ في إحدى المدن الأوروبيّة الساحليّة، التقيتُ شابّاً من (الـحَـرَّاڤَةِ) ينحدر من مدينةٍ بشرق الجزائر..حدّثني قائلا: أَوَّلَ ما وصلنا إلـى الشّاطئ وجَدْنا مَنْ يَـنْـتَظِرُنا ليأخذَنا إلى العمل في الـمزارع..اشترط علينا صاحبُ الـمزرعة ألَّا نـَخْرُجَ أبداً من مُـحيط الـمزرعة بحجة أنّ الشُّرطةَ تترصَّدُ حركاتِنا، وإذا تمَّ القبضُ علينا فسوف نُقَادُ إلـى السّجن، وبعدها يتمّ إرجاعُنا إلى أوطاننا، الأمر الذي سيُعرِّضُ صاحبَ الـمزرعة إلى عقوبات ماليَّةٍ كبيرة..ولذلك أخذ يُشدِّدُ علينا إلى درجة أن جعلَنا نـُمسي ونُصبِحُ على هاجس وحيد، هو الرُّعْبُ من الوقوع في أيْدي الشرطة..بعد ذلك قال لنا سوف أُجَرِّبُكُم لـمدّة زمنيّة، مَنْ يُـثبِت منكم جَدارتَه في العمل الجادّ أُوَظِّفهُ في مزرعتي، وراح يوهمُنا أنّه سوف يستغني عن بعضنا، مـما جعل الواحدَ منّا يعمل بكل قواه لينقذَ نفسه من السجن ويَفُوزَ بالوظيفة، ولذلك احتدّ التنافسُ بين أفراد المجموعة كثيرا، وتصاعدتْ وتيرةُ الجُهْدِ المبذول يوما بعد آخر، كلُّ ذلك يحدثُ بالتزامن مع الضغط النفسي الرهيب الذي يمارسه صاحب المزرعة عن طريق ما يحكيه لنا كلّ يَوْمٍ من مُغامراتٍ حدثتْ له مع الشرطة التي جاءتْ تبحثُ عن العمالة غير الشرعيّة، لكنّه استطاع بفطنته وذكائه أن يُضلِّلـَهم، ويُبْعدَهم عن مزرعته ليجعلَ كلَّ ذلك حافزا لنا على التنافس في العمل أكثر، ويُبقي الجميعَ في حالة طوارئ قصوى، في ظل سياسة الجزرة والعصا، والترغيب والترهيب، إلى أن تَعوّدْنا على أقصى وتيرةٍ من العـمل الشّاقّ.. عندها قال لنا: لقد رضيتُ على جهودكم، أوافق على توظيفكم جميعا، بشرط أن تستمرّوا على هذه الوتيرة من العمل.. بقي الجميعُ على قدَرٍ عالٍ جدا من اليقظة والـعمل الدّؤوب، الـمبيتُ في الـمزرعة، الأحلامُ في الـمزرعة، الذكرياتُ الـحزينة العابرة إلـى ما وراء البحر برائحة الـمزرعة، تـَمرُّ الأيَّامُ والشُّهور رهيبةً بين أسوار الـمزرعة، بينما تستمر سياسة الجزرة والعصا، فيبدأ صاحب الـمزرعة بالـحديث عن إمكانيّة تسويّة الوضعيّة القانونيّة لـمـن يـجتهد أكثر في العمل، وأنّه مُستَعِدٌّ أن يدفع من ماله وجاهه مقابل ذلك عندها يلوح من سـماء الـمزرعة خيطٌ جديدٌ للأمل فيؤجّج الـمنافسة، ويصبح الأمرُ قضيّةَ حياة أو موت،  يرتفعُ سقْفُ التّحدّي ويُطيلُ صاحبُ الـمزرعة حبْلَ الأملِ لسنوات قاسيّةٍ ثقيلةٍ من الانتظار بعدها يقوم بتسويّة وضعيّة جـميع أفراد الـمجموعة، بعد أن تم تـحويلُ كلِّ واحدٍ منهم إلى إنسان جديد جبّار ويكون قد قام بعـملٍ وطنيٍّ هامّ، تُكافِـئُهُ عليه سلطاتُ بلادِه،لأنـَّهُ رَوَّضَ لـها الأُسُودَ، وَأَكْسَبَها عُـمّالا من طراز نادر، في الفاعليّة والتحمّل والانضباط وطول النَّفَس والكفاءة العاليّة جدا على الإنتاج.

في الأخير: أَلـَمْ يَكُنْ مُـمْكِناً أن نَصْنَعَ من أبنائنا الذين يَرْمُون بأنفسهم في البحر بسبب الفراغ والإحباط، نماذجَ جبّارةً في الفاعليّة والعـمل والانضباط تصنعُ الثروةَ عندنا، بدلاً من أن تفعلَ بهم ذلك الدُّوَلُ الأجنبيَّةُ، وتَسْتَـنْـزِفَ طاقاتهم في ظروفٍ قاسيّة بأبـخس الأثـمان؟ مُـخْطِئٌ من يَظُنُّ أنّ هؤلاء الشّبَاب يغامرون بحياتـهم عَبَثاً لو وجدوا البيئةَ الـمناسِبَةَ للعيشِ الكريـمِ في وَطَنـِهم، وعلى الذين يُريدون أنْ يـُجَـرِّمُوا الحَـرْڤَةَ، أنْ يـُجَـرِّمُوا أَيْضاً أَسْبَابـَها التي يَعرِفُها الجميع.

مقالات ذات صلة

إغلاق