اخبار هامةالحدثوطني

رئيس رابطة علماء الساحل “يوسف بلمهدي” لمجلة الحوار:

يؤكد رئيس رابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل “يوسف بلمهدي”، في حوار مطول مع مجلة “الحوار”، بأن مهام المنظمة تتلخص في بيان وشرح مبادئ الإسلام السمحة، التي تدعو إلى عدم التطرف، ولدحض الشبهات التي تتهم الإسلام أنه دين “دموي نشر بالسيف”. كما تعمل الرابطة -حسب محدثنا- عبر شركائها الفاعلين ميدانيا في محاربة التّطرف كظاهرة معزولة عن ظروف وملابسات نشوبها، وتوجّهها إلى جهة ما، سواء كانت من صنع “مخابر” أو نتاج فكر يشبه فكر المقابر. كما يتطرق يوسف بلمهدي في ذات اللقاء، إلى عديد القضايا الشائكة المتعلقة بمنطقة الساحل بما فيها الأزمة الليبية، وجنوب إفريقيا، وصراع رابطة العالم الإسلامي ضد الاتحاد العام للعلماء المسلمين.. محددا موقف الرابطة من كل تلك الملفات وقضايا أخرى..

ما دوافع إنشاء رابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل؟ وما المهام التي تضطلع بها المنظمة؟

نشأت رابطة علماء الساحل استجابة للحاجة الملحة لوجود مثل هذه المنظّمة، التي تجمع علماء مختصين في الشأن الديني، ودعاة وأئمة يمارسون الخطابة، ويوجّهونها إلى صالحها العام. فبدون شك، إذا نشب حريق ما في بيت ما، فالأمر يعني كل العقلاء في الجوار، وعليهم جميعا أن يتنادوا لإطفاء ذاك الحريق. وبدون شك، أن التّطرف ?كظاهرة- دون أن نعزلها عن ظروف وملابسات نشوبها وتوجّهها إلى جهة ما، سواء كانت من صنع “مخابر”، أو نتاج فكر يشبه فكر المقابر (الفكر الدموي وفكر الموت الذي لا يصنع الحياة)، -أقول- يستدعى لمحاربته تكاتف الجميع ، وهو ما جعل كوكبة من أهل العقل يعملون على إنشاء هذه الرابطة، والبحث عن طرق وأساليب العمل في هذا الاتّجاه.

هل أجريتم مراجعات لموقوفين في قضايا إرهابية؟

مهام الرابطة مختصرة في بعض النقاط، منها بيان وشرح مبادئ الإسلام السمحة، التي تدعو إلى عدم التطرف، ودحض الشبهات العالقة التي تتهم الإسلام أنه دين “دموي انتشر بالسيف”، وهو ما يسمى بتوظيف المصطلحات في غير محلها. وقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخوارج الذين يستعملون النص والدليل في غير موضعه، في مواضيع الجهاد، والولا،ء والحاكمية..

كما تضطلع الرابطة بمراجعة الناس ومناصحتهم في هذا المجال، خاصة أولئك الذين شطت بهم الأفكار. ولذلك، فللمنظمة تجربة سابقة في هذا المجال، حيث جلست إلى أشخاص حملوا السلاح، ونزلوا بمقتضى تلك المراجعات من الجبال، وهذا لم يحدث فقط الجزائر، بل في عديد الدول الإسلامية. حيث بدأت المراجعات في مصر مع الشيخ “محمد الغزالي” والشيخ “الشعراوي” رحمة الله عليهما، ثم تداعت هيئات كثيرة ومؤسسات علمية إلى فك هذا اللّبس الذي طال الكثير من إخواننا، وتجسد ذلك جليا مع قانون المصالحة الوطنية الذي أعاد الأمل إلى المجتمع، وقوى جانب التسامح، وأعاد إدماج هؤلاء الذين أخطأوا من أبنائنا، حيث صارت المصالحة نموذجا يحتذى به في بناء الكثير من السياسات.

هذا يعني أن للمصالحة الوطنية التي أرستها الجزائر لإطفاء فتيل الفتنة جانبا شرعيا؟

سيدنا عبد الله بن عباس ?رضي الله عنهما- حاور الخوارج، ورد منهم الكثير في قضية التحكيم، والآن أصبحت هناك مؤسسات تعنى بالمصالحة والمراجعة، على غرار السعودية التي أرست مؤسسة “المناصحة”، وهناك مؤسسة “المراجعة” أيضا، وهناك كذلك من كتب عن المراجعات الفكرية.. لأنه -وبدون شك- الفعل المتطرف يبدأ بفكرة، وهذه الفكرة ينبغي أن تقابلها فكرة أخرى تحاربها بطرق عقلانية، أساسها الحجة والبينة والموعظة الحسنة، ولهذا فمشروعنا هو في الأمن الفكري، من خلال تحصينه وحمايته بالحجة والإقناع. وكما قلت سابقا، الرابطة تعمل للصالح العام، وبدون شك، نجد في الميدان كل الشركاء الذين يعينوننا على مهمتنا، فمحاربة التطرف والعنف مهمة الجميع بدون استثناء.

“أصبح خطاب التطرف غالبا على خطاب علماء الأمة”، استنادا إلى آخر تصريح لمفوض الأمن والسلم للاتحاد الإفريقي، الذي تحدث منذ أيام عن 300 ألف “داعشي” في المنطقة، كما أصبح تجنيد الشباب عبر مواقع التواصل يهدد امن المنطقة، ما تعليقك؟

هناك أطراف تدعم كل فكر متطرف يسبب عدم استقرار مناطق محددة، فما كان أحد ليتصور أن يكون للفكر المتطرف كل هذا الانتشار، وأن يتحول إلى صناعة. و”التطور” في العمل التعبوي، وتجنيد الشباب أصبح يخضع لمخابر وخبرات وتقنيات عالية المستوى، وولأجل هذا، فالرابطة تعمل على مشروع قائم على التعاون مع من هم أكثر تطورا في توصيف الظاهرة تقنيا، ومحاربتها بالمقابل.

وفي هذا السياق، اتفقنا مؤخرا مع المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب، ومقره هنا في الجزائر، على تنظيم دورات وورشات، وتقديم خبرات لرصد الظاهرة. فمثلما يجلس الإمام عند أخيه الشرطي ويعطيه معلومات لا يعرفها عن أنواع المخدرات مثلا، ليتمكن الإمام من رفع درجة الوعي والحذر لدى المواطنين، نحاول في الرابطة أن نفعل نفس الشيء مع هذا المركز. حيث أصبح تطوير أدوات العمل التوعوي والتحسيسي ضرورة لابد منها، أمام تطور تقنيات التجنيد والتعبئة.

ومن هنا أقمنا ورشة إقليمية منذ أيام، بالتعاون مع المركز الافريقي للدراسات والبحوث حول التطرف (الارهاب) حضرتها كل الدول الممثلة للإقليم، وممثلين عنهم، وسفراء، بالتعاون مع وزارة الخارجية، وأيضا حضرها ممثل عن رئيس المجلس الإسلامي الأعلى.. وتناولنا موضوعا نحسبه كبد الحقيقة، ويتعلق بـ”التربية الدينية”، وكيفية تقديمها في المدارس التقليدية أو المدارس الحديثة.

طبعا هذا لا يعني أن البرامج الموجودة الآن لا تفي بالغرض، لكن نريد دائما أن نحسّنها أكثر، وندعمها أكثر، من حيث تقنيات توصيل الخطاب الديني، ما دمنا أمام تحدي الأنترنت التي تنشر الدمار بتقنيات حديثة وسريعة.

لا يخفى عليكم بأن الوضع في ليبيا هو الأكثر هشاشة أمنيا واجتماعيا لكنكم في الرابطة تركزون على الجنوب، لماذا؟

نحن نعمل على مستوى الإقليم ككل، ونأمل أن يكون هناك ممثل لليبيا في الرابطة، مع أننا نرى بأن مساعي الدبلوماسية الجزائرية استطاعت أن توضح الرؤيا هناك، حيث تعمل الجزائر على أن يجلس الإخوة الفرقاء المتصارعون في الميدان على طاولة الحوار، دون التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، حتى تبقى وحدة ليبيا قائمة، وهو مبدأ لم تحد عنه الجزائر يوما، وهو مبدأ الرابطة أيضا. فاستقرار الأوضاع في ليبيا، يضمن وصول خطابنا إلى المنطقة ككل، والتعاون يصبح شاملا.

 

 ما تعليقكم على خطاب أحد العلماء في الخليج الذي دعا إلى محاربة الإخوان في ليبيا، بل وجنح إلى تكفير الإباضيين؟

“متى يصح في الأذهان شيء ::: إذا احتاج النهار إلى دليل”. يعد التطرف تطرفا. ولا يهم مصدره، فلدينا أصول نحتكم إليها، وهي القرآن والسنة والإجماع، وحين تحدث كبار أهل العلم عن تكفير الخوارج قال علي رضي الله عنه “هم من الكفر فروا”.. فالتكفر ليس منهج المسلمين.

ولذلك نحن ننّزه أنفسنا وألسنتنا من الوقوع في هذه المغبة. فاختلاف الأمة العلمي والفقهي “رحمة”، وإجماعها “عصمة” من أن تقع في هذه المنزلقات. فالإسلام علمنا ألا نكره الجاني بل نكره الجناية، وأن لا نكره المجرم بقدر كرهنا للجريمة. وعليه فنحن نتحدث عن الفعل وليس الفاعل.

 

شهدنا مؤخرا حملة اتهامات ضد علماء الأمة على غرار الشيخ “القرضاوي” و”العودة” و”الصلابي” المتهمين بالإرهاب، ما موقف الرابطة من هذا؟

بلادنا نأت عن هذا الموضوع، وهي بعيدة عنه بمسافات، ونحن من حيث المبدأ يجب ألا نتخندق في هذا النوع من الأحكام الجزافية بالجملة، وفي رأينا أنه حين نأتي بحكم ينبغي أن تكون لدينا بينة لا جدال فيها. فالأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته، والقاضي يبحث دائما عن براءة الذمة، وأن يخطئ القاضي في العفو خير له أن يخطئ في الإدانة.

هل أنتم على تواصل مع أتباع الطريقة التيجانية لإحلال السلام غرب إفريقيا؟

الرابطة تبني بعدها الإفريقي على التصوّف منهجا وسلوكا، وعلى العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي. وقد التقينا بإخواننا في “التشاد”، أو ما يسمى بمجلس “التيجانيين”، وفي إفريقيا، كما التقينا بأتباع التيجانية والقادرية في تنزانيا، في إطار التعاون مع كل الفاعلين الذين يصنعون المشهد الفكري الثقافي الذي يمثل المرجعية الدينية للمنطقة، وانطلاقا من وزن أتباع الطرق الصوفية في المنطقة، فنحن نعمل دائما على ربط التعاون مع كل الأطراف الفاعلة في إحلال السلام في المنطقة.

تسمية الفضاء الذي تترأسونه محدد بإطار جغرافي، هو الساحل، لكن ما يحدث في أرض المقدس يزيح الحدود ويعيد ترتيب الأولويات، أليس كذلك؟

صادف اختتام الورشة الإقليمية التي نظمتها الجزائر صدور قرار الإدارة الأمريكية بخصوص القدس، حيث أصدرنا بيانا بشأن الورشة، حيث عّبر العلماء في الرابطة عن استنكارهم للقرار، ووقوفهم مع القضية الفلسطينية العادلة، واعتبروا قرار الولايات المتحدث الأمريكية أحادي الجهة لاغيا، ومخالفا للقوانين والأعراف والشرعية الدولية، التي تعطي للفلسطينيين حقهم في بلدهم، والذي لا يمكن أن يتنازل عنه أي مسلم، فكيف يمكن أن يتنازل عنه علماء الأمة ودعاتها؟

هناك صراع يدور بين بعض المؤسسات الإسلامية الدولية والإقليمية، لماذا هذا الشرخ؟

نحن نجمع كلمة الأمة، ونوحّدها على الخير ونربأ بأنفسنا أن نزيد من تمزيق الأمة. فالأمة ُمزقت وسُلط عليها الذئب والضبع، ونحن بحاجة إلى جمع الكلمة، وهو ما دعانا إليه الحق سبحانه وتعالى.

في رأيك، ما المسافة الواجب مراعاتها بين العالم والحاكم؟

ليس هناك من مسافة، ما عادا النصح بما تحمله الكلمة من دلالات عميقة، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم “الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم”، وعندما لا يجد الحاكم من ينصحه، سيجد من يخفي عليه الحقيقة ويدلس عليه، لكن العالم المتوازن يحتاج أن ينصح الحاكم، والنصح يجب أن يكون رشيدا رفيقا. فبعض الناس يعتبر أن اللين في الكلام يدخله في خندق “المداهنة” للحكام و”التزلف، وهذا كلام ليس صحيحا، حيث إننا بحاجة إلى مد الجسور بين العالم والحاكم لتصلح الدنيا فيصلح الدين أيضا، وهو منهج “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا ان لم نسمعها”. فما أحوجنا للعالم البصير، والمفكر القدير الذي يستطيع أن يصل بالكلمة الطيبة للحاكم كما للمحكوم.

وما رأيك في فوضى الكلام والفتوى على مواقع التواصل الاجتماعي؟

هناك منكر يحسن من كل الناس أن ينهي عنه، لكن يبقى أهل الاختصاص هم من توكل إليهم مهمة النصح. فاليوم يتحدث من لا يحسن شيئا في الدين عن الدماء، وأصبح الناس يستهينون بالحديث في الأعراض، والتشهير بسياسات الدول، وعليه فينبغي علينا الالتزام، وأن نترك لأهل الاختصاص ما هو لهم في كل التخصصات ومجالات الحياة.

نصيحة أستاذ يوسف بلمهدي للشباب؟

نصيحتي، أن يتمسك بدينه لأنه المعتصم، فالعالم الغربي اليوم يبحث عن التدين، بعدما جرّب الإباحية فوجدها ليست طريقا للسعادة، وبحث في الإلحاد فوجده ليس حلا. لتتجه اليوم المجتمعات الليبرالية إلى البحث في “التربية الدينية”. وعليه، فعيب علينا كمسلمين أن لا نكون قي مستوى هذا الدين الذي يرفع هامتنا إلى السماء. فالكثير من الغربيين يعترفون اليوم بأن الإسلام هو مخرج الإنسانية، ومنهم (من الغرب) حتى من كتب كتبا تقول إن محمدا هو “نبي هذا الزمان”. والكل يعلم اليوم أن كل غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم قتل فيها 1000 من الجانبين لا غير، فيما أسفرت الحرب العالمية الأولى والثانية والحروب المتتالية عن مقتل ملايين الناس عبر العالم، ونحن نتشرف أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم نبي هذه الأمة وقائدها.

بورتري عن الأستاذ الدكتور يوسف بلمهدي

 

حاروه: حسين لوني

مقالات ذات صلة

إغلاق