وطني

الثقافة والأدب في خدمة المجتمع

ظهرت الواقعيّة في أوروبا، ودَعَتْ إلى تجنيد الفن والأدب من أجل خدمة المجتمع والواقع اليومي للناس.. ونتيجة لذلك اهتم الأدباء بتصوير الحياة الاجتماعية العاديّة، واهتمّوا بالتعبير على قضايا الطبقات الدنيا وقضايا وهموم العمال والمسحوقين والفقراء والكادحين.. ولذلك عني الأدب الواقعي بموضوعات مثل: الظّلم، والجوع، والفقر، والتشرد، والبؤس، والاقصاء، والاستغلال، والاستبداد، والتمييز العنصري، والطبقية، والـمرأة، و..وهي موضوعات أهـملها الكلاسيكيون من قبل، عندما قصروا اهتماماتـهم على النّخب العليا وعلى التّأنّق اللفظي والأسلوبي، وأهـملها الرومانسيون أيضا عندما قصروا اهتماماتـهم على الـمشاكل النفسيّة والعاطفيّة للأفراد، أكثر من اهتمامهم بقضايا الـمجتمع العامّة، فالواقعيّة جاءت لتؤسِّس لأدب اجتماعي لا فردي، وإلى أدب مضامين وقِـيَم لا أدب تقنيّات أسلوبيّة وأناقة لفظيّة.. ولذلك رفض الواقعيون ما ذهب إليه الكلاسيكيون من نخبوية ارستقراطيّة متعاليّة على الـمـجتمع، وما ذهب إليه الرومانسيون من ذاتية مفرطة، وانكفائيّة محبَطة ومتشائمة وهاربة من الواقع، كما رفضوا ما ذهب إليه أدعياء الفن للفن من إهمالٍ للقِـيَم والـمضامين لصالح التقنيّة الـمعماريّة والأسلوبيّة الشكليّة الـمنمّقة..

في الغرب مثَّل هذا الاتجاه فريق ٌكبيرٌ من الكتّاب الذين يـمكن اعتبارهم مناضلين من أجل قضايا مجتمعيّة، وقد استطاعوا أن يحدثوا تغييرات حقيقيّة في مـجتمعاتهم أكثر مما يفعل الـمناضلون السياسيّون، لأنّـم كانوا ملتزمين بصدق ووعي تجاه قضايا مجتمعاتـهم. ومن أشهر كتاب الواقعية الغربية في مختلف اتـجاهاتـها، على سبيل الـمثال لا الحصر: بلزاك، وإيـميل زولا، وغوستاف فلوبير، وشارلز ديكنز، وتولستوي،وماكسيم غوركي، ودوستويفيسكي وهـمنغواي وغيرهم كثير.. وقد عبّرتْ القصّةُ والروايةُ إلى جانب المسرح على الاتجاه الواقعي بصفة أكبر، وذلك لقدرة هذه الفنون أكثر على وصف واستيعاب ونقد واقع الناس اليوميّ، والتعبير على مشاكلهم وهمومهم وآلامهم وآمالهم وطموحاتهم وتطلعاتـهم الحقيقيّة..

أمّا عندنا في الجزائر فقد اقتصر هذا الاتـجاه عموما على ما يعرف بالواقعيّة الاشتراكية، لأنّ هناك واقعيّات أخرى على غرار الواقعيّة الانتقاديّة والواقعيّة الطبيعيّة.. وقد مثّل هذا الاتجاه غالبيّة الجيل الأول من الروائيين الذين تأثروا في عمومهم بالفكر اليساري، بتفاوت لا يسمح الـمجال بالتفصيل فيه، وقد نعود إليه في موضوع خاص.. غير أنّه يجدر التنويه إلى أنّ أغلبهم كان ملتزما تجاه أهمّ القضايا الاجتماعيّة التي كانت مطروحة يومها، ويكفي القارئ أن يعود إلى روايات الطاهر وطار أو عبد الحميد بن هدوقة، مثلا، ليدرك مدى حضور ما يعرف بـ”الالتزام” بالقضايا الوطنيّة عندهما..

في الأخير: هل يـمكننا أن نتساءل: ماذا تبقى من”الالتزام” الواقعيّ عند كتّاب الجزائر اليوم؟

هل مازلنا نـجد للـمثقفين والكتّاب الجزائريين _عبر كتاباتهم- حضورا قويّا في كل القضايا الوطنيّة الـمطروحة اليوم، مثل: خوصصة الـمؤسّسات، ومطالب النقابات الـعماليّة، وإضراب الأطباء والأساتذة، والمسألة اللغويّة، وغلاء الـمعيشة، وقضايا التعليم والصحّة، وحريّة التعبير، والحق في الاختلاف.. وغيرها؟ وهل يمكن الـحديث على مساهمة الـمثقفين بفعاليّة في عمليّة التغيير الاجتـماعي؟.. يعتبر مالك بن نبي كلَّ فكرة لا تُـغيّرُ الواقعَ، فكرةً ميّتةً ومنزوعةَ الفعاليّة، حتى ولو كانت فكرةً صحيحة في أصلها..ويعتبر غرامشي صاحبُ فكرة “الـمثقف العضوي” الشهيرة، كلَّ فكرة لا تتحولُ إلى واقعٍ، فكرةً باطلة..

مقالات ذات صلة

إغلاق