ميديا

تم اعتقالنا في مالي لأننا كنا بدون وثائق

الكاتب الصحفي نجم الدين سيدي عثمان لـ "الحوار":

الجزء الثاني
حاورته: سارة بانة

مع كلماته يمكنك أن تسافر , هذا ما كانت تنقله لك كل عبارة من عباراته , في الجزء الثاني من الحوار حدثنا ضيفنا عن تفاصيل ليلة مختلفة في مالي, حيث تم اعتقالهم هناك , لننتقل معه بعدها الى رحلة مختلفة تماما , والتي أثمرت كتاب “كنت في برازيل”.

 

* يقال إن التكافل الاجتماعي أحد أهم أسباب راحة البال لدى الكثير من الشعوب الإفريقية.. إلى مدى تتفق، وما هو اكثر بلد لاحظت فعلا فيه الظاهرة؟

النزعة الجماعاتية تسيطر على الفردانية في إفريقيا، خصوصا في البلدان الصغرى، باستثناء الكبرى منها على غرار جنوب إفريقيا والكونغو الديمقراطية والكاميرون ونيجيريا، كثير من الدول الأخرى تنتشر فيها ثقافة التعاون والمشاركة والتقاسم، من خلال مجتمعات بسيطة هناك سلطة فيها للكبير، وما تزال تسيّر بطريقة المجتمعات البدائية، وقد لاحظت التعاون والتكافل في مالاوي وليزوتو بشكل واضح وجلي، لولا ذلك لضاع النّاس، خصوصا في مالاوي التي تعتبر أحد أفقر بلدان العالم.

 ماذا عن المعتقدات والديانات؟

تنتشر المسيحية كالإسلام في إفريقيا، في نيجيريا مثلا هناك 80 مليون مسلم، لكنهم ليسوا أكثرية مقارنة بالمسيحيين، وفي الكاميرون هناك مثلا 40 بالمئة مسيحيون ونصفهم مسيحيون و40 بالمائة أخرى هم أتباع ديانات تقليدية، ومن هذه الديانات التقليدية (الفودو) في البينين، حيث يؤمن ملايين من الأشخاص بهذه الديانة التي تعتمد على السحر والشعوذة وترتكز على الخرافة وتصدق بخلود الروح وإمكانية عودة الميت بعد وفاته، وكذلك قدرات أخرى بفضل ديانتهم المزعومة التي سمحت للبعض منهم أن يصبحوا أثرياء، وفي بعض الاحتفالات يتم إلباس بعض الأشخاص ملابس من القش وتخفى ملامحهم ثم يتجولون في الشوارع، على أساس أنهم موتى عادوا إلى الحياة، فيتجنب كل واحد منهم أن يلمسوه مخافة اللعنة، هذه أمور تزدهر في مجتمعات جاهلة يغيب فيها العقل.

 ماذا عن المطبخ الإفريقي؟

المطبخ الإفريقي فيه خياران، إما أكل الشوارع الذي يعتمد على أكلات شعبية وبسيطة بعيدا عن شروط الحفظ والصحة العامة، أو الأكل في الأماكن الراقية مثل الفنادق والمطاعم الفخمة، لذا من الصعب بالنسبة لي الحديث عن مطعم إفريق،ي وأنا أتناول كل ما هو معروف من أكلات، فالأكل الإفريقي غير مضمون ولا يُنصح به.

  تعرضت أيضا إلى الاعتقال في إحدى الدول الافريقية.. حدثنا أكثر عن تفاصيل الحادثة؟

الأفارقة ليس لهم عداء للغريب ولا للأجنبي، هم شعب مسالم، وما حصل في مالي كان مجرد حادث عارض، فقد تم اعتقالنا ليلا لأننا بلا وثائق، وطلب منّا رشوة فلم نسلمها،وبقينا في حاجز الأمن لوقت معتبر، ولما ادعينا أننا بصدد الاتصال بالسفير تم إطلاق سراحنا، وفي مالي أيضا كان هناك حادث طريف حيث ركبنا شاحنة عسكرية، وعوض أن يتوجه صاحبها للملعب توجه بنا إلى ثكنة عسكرية، وهناك طلب مالا لملء الخزان، وحصل على ما أراده قبل أن يأخذنا للملعب، عموما لم تحصل أحداث خطيرة معي في إفريقيا، لأن الشعوب الإفريقية مسالمة جدًا.

 نمر إلى رحلة أخرى أثمرت كتاب “كنت في البرازيل” والذي شاركت به في المعرض الأخير.. حدثنا عن العمل أكثر؟

كتاب “كنت في البرازيل” محاولة للقبض على لحظة تاريخية، ومقاسمتها مع الراغبين في عيشها، كتاب يرصد المختلف والمتفرد في البرازيل، وقد بذلت جهدا إضافة إلى السفر في البحث في تاريخ البلد وثقافته ومورثوه وعاداته وكل شيء، حتى تكتمل الصورة فيكون طبقًا غنيا للقارئ الذي تجاوب بشكل مميز مع الكتاب وحظي بمبيعات جيدة في صالون الكتاب، رغم أنني أتمنى أن يصل إلى الجميع.

  ما الذي يتميز به هذا الشعب؟

الشعب البرازيلي شعب طيب للغاية، ومسالم إلى درجة كبيرة، يقولون عن أنفسهم نحن بلهاء أمام الغرباء نتصرف كما لو كنا أمام أصدقاء فقدناهم في زحمة الحياة، شعب متسامح يضرب به الأمريكان المثل في الاحتفاء بالغرباء، يمكن أن يقاسموك أكلهم في الحافلة وفي الشارع، يبادرون إلى مساعدتك رغم أنهم لا يتكلمون سوى اللغة البرتغالية، وهذا العائق الأكبر الذي واجهته هناك، من الشائع أن الشعب البرازيلي خطير، لكن هذا غير صحيح، في بلد من 200 مليون نسمة، يفترض أن يكون عدد الجرائم أكثر مما هو في الجزائر بخمس مرات عندما نقسم الجرائم على عدد السكان، وهذا هو المقياس بالنسبة للأكاديميين الذين يبحثون في الجريمة، ومع ذلك هناك فعلا مناطق غير آمنة، وقد زرت سالفادور وشعرت أن هذه المدينة غير آمنة.

 بعد هذه الرحلات.. ألم تفكر في الاستقرار خارج الجزائر؟

لم أفكر في الاستقرار خارج الجزائر، ورفضت انتهاز بعض الفرص التي أتيحت لي للهجرة إلى الخليج قبل بضع سنوات، لكنني مؤخرا فكرت في الأمر، هناك ظروف تدفعنا قهرًا لذلك، قيمة الإنسان كإنسان تراجعت كثيرا في الجزائر، فقدنا قيمنا الاجتماعية، تآكلت حقوقنا ولم يعد المواطن يشعر بأهميته، بأنه مقدّر في بلده، ومع ذلك لعل القادم أحسن.

  ما هي خلاصة تجربتك مع السفر؟

السفر يُشعر الإنسان بأنه مجرد قزم في عالم متسارع، يدفع الإنسان لمكاشفة عيوبه ومحاولة التصالح معها، الإنسان عدو ما يجهله، فيسمح إدراك ما يتاح له بعينين صغيريتن رؤية العالم والاقتراب من الناس والإنسانية، السفر نحتني وغيّر نظرتي للحياة وجعلني أكثر إيجابية، وكذلك علمني أن أتسامح أكثر وأؤمن بالاختلاف، فتلك مشيئة الله وقدرته وإرادته، كما له فوائد أخرى لا تعد ولا تحصى.

  ما هو أكثر بلد وجدت شبها بينه وبين الجزائر؟

تونس بلد يشبهنا بعض الشيء، والشعب المغربي أراه أقرب إلينا من حيث الصفات، لكن لا يوجد بلد يشبه الجزائر التي لا تشبه إلا نفسها، وهي حالة متفردة لأنني لا أظن أن هناك بلدًا في العالم يملك الصحراء والرمل والجبال والقرى والمدن والتنوع الثقافي والعرقي مثلما هو بلدنا، للأسف لا نعرف كيف نروج لأنفسنا ولا نجيد استغلال هذا الجمال، وحتى جمال بلدنا تطلعنا عليه من خلال وثائقي فرنسي “الجزائر من عل”.

  كيف تنظر اليوم إلى واقع الجزائر مقارنة بالبلدان الأخرى؟

الجزائر تستحق أفضل من وضعها الراهن بالنظر إلى إمكاناتها، دون أن نقارنها بقطر أو الإمارات ولا بالدول الأوروبية، هناك طاقات معطلة وبطالة متفشية، نحن بحاجة أولا إلى إعادة قيمة الإنسان الجزائري الذي كان قبل عقود قليلة له قيمة في الخارج، واعتبارية في الداخل، وعملة محترمة وبلد مهاب دبلوماسيًا، الشباب بحاجة إلى أن يشعر أنه جزء من هذا البلد بأهميته واعتبارتيه، وأن لا يبقى مقصى على الهامش، تصدر منه سلوكات غاضبة وثائرة أحيانا، نحن بحاجة إلى استقطاب الشباب وجعلهم يشعرون بالانتماء، لأن الشاب الجزائري فعلا طاقة معطلة في بلد المسؤولين فيه في واد والشعب في واد آخر.

مقالات ذات صلة

إغلاق