ميديا

التعاطي الإعلامي مع الربيع العربي أثبت أن لكل قناة أجندتها

_الكاتب و الإعلامي سفيان مقنين لـ"الحوار":

حاورته: سارة بانة

الجزء الأول

بين الكتابة والعمل الإعلامي شق طريقه نحو النجاح، حيث أثبت وجوده من خلال كفاءته، هو شاب جزائري دخل عالم الإعلام من خلال إذاعة ورقلة الجهوية، ليخوض بعدها عدة تحديات في المجال. ضيفنا أدلى بوجهة نظره حول قضايا عديدة، أبرزها سبب عدم نجاح الاستثمارات الإعلامية المتخصصة في السمعي البصري بالغرب الجزائري، بشكل كان متوقعا قبل فتح المجال للقطاع الخاص، كما تحدث أيضا عن الإعلام العربي عموما والربيع العربي خصوصا.

بداية حدثنا عن بداية دخولك مجال الإعلام؟

حين كنت صغيرا لم يكن مسموحا لي بمشاهدة التلفزة إلا سهرة الخميس، لأننا لا ندرس يوم الجمعة، أما في باقي أيام الأسبوع فقد كانت نهاية نشرة الثامنة هي موعد ذهابي إلى فراشي، لذلك كان النجوم بالنسبة لي هم مدني عامر ومحفوظ بلحفري وزهية بن عروس وغيرهم. العمل كصحفي كان حلمي منذ مرحلتي الابتدائية، وهكذا درست الصحافة المكتوبة بكلية الاعلام والاتصال وتخرجت سنة 2004 ،وخبرت التربصات الفاشلة في الجرائد والاشتغال بالتجارة، ثم أداء الخدمة الوطنية ثم البطالة، قبل أن يفتح لي القدر باب الدخول إلى التلفزيون الجزائري عبر محطة ورقلة الجهوية.
صادف دخولي لمحطة ورقلة الجهوية وجود الأستاذ أحمد بن صبان على رأسها، والذي تعلمت منه كثيرا بعد أن اشتركنا في إعداد برنامج تلفزيوني بعنوان “أنتم أيضا”، يقتفي آثار الناجحين الجزائريين ويقدم للمشاهد نماذج إيجابية استطاعت النجاح رغم أنها تعلمت في نفس مؤسساتنا وجامعاتنا وتربت في نفس مدننا ومجتمعاتنا، ونحاول من خلال استعراض تجربة حياتهم استخلاص عبر ودروس كي نحذو حذوهم، وقد مر معنا عبر البرنامج إلى يومنا هذا أكثر من مائة وعشرين شخصية من كل التخصصات والفئات والأعمار. وبعد أربع سنوات بورقلة، انتقلت إلى العمل بالعاصمة، أعترف أن ورقلة كانت مدرستي الأولى لكن المجتهد لا يبقى في المدرسة طيلة حياته.

هل وجودك بعيدا عن العاصمة سبب لك أي عوائق؟

كون عاصمة البلد تحمل نفس اسم البلد، لا يعني أن العاصمة هي الجزائر أو الجزائر هي العاصمة. صحيح أن الفرص فيها أكبر وأكثر، وقديما قالوا: لا مجد خارج العاصمة، لكن التطور التكنولوجي لوسائل الاعلام والاتصال جعل الفرص متاحة بالتساوي أمام الجميع، ويستطيع أي إنسان الوصول إلى العالمية انطلاقا من بيئته المحلية، والأمثلة موجودة في كل المجالات. شخصيا عملت بالعاصمة لمدة عامين، أين كانت لي أركان قارة في برنامج “صباح الخير”، كنت أتحدث فيها عن البيئة والثروات البحرية، وكانت تجربة ثرية استفدت منها كثيرا في تنمية معارفي في هذا الميدان، غير أنني حملت حقيبتي مرة أخرى نحو عاصمة الغرب وهران منذ ثلاث سنوات كي أخوض تجربة أخرى وأتعرف إلى منطقة أخرى من هذا الوطن الكبير، ويبدو أنني لم أتحمل زحام وضجيج عاصمة البلد التي وإن كانت تعطينا فرصة كي نلتقي مع جميع الناس، إلا أنها تحرمنا في أحيان كثيرة من اللقاء بأنفسنا. وحين اقتنعت أنني أشعر براحة في كل مرة أغادرها نحو مكان آخر، قررت المغادرة نهائيا ليس لسبب محدد ولكن ناس بكري يقولو: “إذا حلات قص”.

قبل فتح تجربة الإعلام الخاص، التعويل على الغرب وعلى وهران تحديدا كان كبيرا لتوفر الموارد البشرية، وحتى رؤوس الأموال، لماذا في رأيك لم تتم مشاريع إعلامية كبرى في الغرب رغم كل ما سبق ذكره؟

الموارد البشرية موجودة في مكان من البلد، لكن أولويات رؤوس الأموال ربما تفضل الاستثمار في ميادين أخرى أكثر ربحا، وأعتقد أن هذا السؤال يطرح بالدرجة الأولى على رجل الأعمال لا على رجل الإعلام.

بالحديث عن تجربة الإعلام الخاص، كيف تقيم المرحلة؟

تجربة الإعلام الخاص لا زالت فتية رغم أنها مكسب إضافي للمشهد الإعلامي الجزائري وخيار لا رجعة فيه على الأقل من الناحية التكنولوجية التي أصبحت تتيح لأي كان أن يفتح قناة يتابعها مئات الآلاف من الناس، وليس شرطا أن يكون صاحبها صحفيا أو دارسا للإعلام، بل يكفي أن يملك هاتفا نقالا ووصلة أنترنيت ويفتح قناته على اليوتوب أو السنابشات أو الانستغرام. بقي أن نؤكد على ضرورة أن يفهم القائمون على هذه القنوات والمشتغلون فيها من الزملاء حجم المسؤولية والخطورة في مقدار تأثيرهم على الرأي العام والمجتمع، فمهنة الصحفي أخطر من مهنة الطبيب، لأن وصفة الثاني قد تشفي شخصا أو قد تقتله، لكن وصفة الأول قد تحيي الناس جميعا أو تقتل الناس جميعا بشكل أو بآخر، ثم إن الاغتراف من النقاشات العامة الموجودة في وسائل التواصل الاجتماعي سلوك قد يزيد في نسب المشاهدة لكنه لا يقدم حلولا للمجتمع الذي تتوجه إليه وسائل الإعلام، فالمعالجة الإعلامية لبعض المظاهر والظواهر والأحداث يجب أن تحترم المستويات الثلاث لقراءة الظاهرة، حيث نتكلم مع المعنيين بالحدث، ثم نتيح المجال للمختصين الحقيقيين، وبعدها تأتي أيضا قراءة الصحفي، والتي من المهم أن تعطي إجابات وإيضاحات موضوعية، لا أن تطرح تساؤلات مفتوحة تغذي الغموض والتناقض.

لماذا لم نستطع الوصول إلى المنافسة العربية بنظرك؟

الحديث عن المنافسة العربية طويل وعريض، أولا حين يتم التحدث عن البعد العربي في أي مجال تتجه الأذهان مباشرة إلى دول المشرق والخليج بحكم تمركز الكتلة السكانية ورؤوس الأموال في الأولى والثانية، ثم لأنهم قبلتنا في كل ماهو عربي، وربما كان مرد ذلك إلى ارتباط القبلة الدينية جغرافيا بالمشرق مقارنة بموقعنا في المغرب، والدليل أننا نفهم كل لهجاتهم ولا يفهموننا حتى حين نتحدث بالفصحى. أعتقد أن علينا أن نتحدى أنفسنا قبل أن نفكر في تحدي ومنافسة الآخرين، فلدينا بلد بحجم قارة مع تنوع وثراء عميق في الطبيعة واللغة والعادات والتقاليد، فهل استطعنا أن نستوعب كل ذلك من الناحية الإعلامية؟، ثم إن لدينا جالية بالملايين في الخارج، وهذه الجالية بحاجة أيضا إلى من يخاطبها ويتحدث عنها ويهتم بها، فهل فكرنا في ذلك؟، ثم إن عددا متزايدا من أفراد هذه الجالية يتحدث الانجليزية والعربية في أحسن الأحوال، فهل أخذنا ذلك في الحسبان، ونحن الذين نكلم الأجنبي بالفرنسية مباشرة حتى لو لم يعرف من هذه اللغة كلمة واحدة. لقد أثبت التعاطي الإعلامي مع الربيع العربي، أن لكل قناة أجندتها الخاصة حتى لو كانت تدعي أنها منبر حر لجميع العرب. إن كان هناك شيء أغبطه في إخواننا العرب هو وفرة مؤسسات التكوين والتدريب المستمر للكوادر الإعلامية لديهم في الأردن ومصر والخليج، وهو ما أتمناه هنا لجميع الزملاء في كل وسائل الإعلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق