ميديا

“هكذا قضيت أيامي بأمريكا”

بقلم الإعلامية ياسمين موسوس.

لا أدري ما الذي دفعني إلى اتخاذ ذلك القرار في نفس هذا التوقيت من العام الماضي.. لم يكن ينقصني شيء.. أو ربما سافرت بحثا عن المغامرة، كانت مجرد فكرة تسللت إلى ذهني في لحظة ضجر، ثم أضحت مشروعا حضرت له خطوة خطوة.. إلى أن وجدتني في واحدة من أكبر المدن وأسرعها من حيث وتيرة الحياة.. فجأة أصبحت لا أستغني عن كوب القهوة ذاك وأنا التي لا أعرف مذاقها من دون الحليب.. كانت تجربة ممتعة في كل تفاصيلها المثيرة أحيانا والقاسية في الأغلب على فتاة عشرينية اختارت أن تعيش وحيدة لأول مرة.. بمدينة “نيويورك”، تلك المدينة التي جعلتني أدرك كم كان دافئا حضن أمي وكم هو دافئ حضن الجزائر.. أمريكا ليست قارة أخرى إنما هي كوكب آخر، عبارة رددتها كثيرا ليس للتعبير عن غربتها فحسب وإنما حتى عن عظمتها، أو بمعنى أدق عظمة الفرد والشعوب المتعايشة على أرضها.. وربما كان ذلك الرجل ذو الملامح الآسيوية الذي صادفته أول وصولي إلى مطار جون أف كينيدي، والذي كلّف نفسه عناء الاتصال والسؤال عن طريقة الوصول إلى الفندق الذي حجزت به رغم أني رفضت استقلال سيارة الأجرة التي يقود، لأن المبلغ كان مرتفعا جدا بالنسبة لي، لم أكن لأدفع 80$ لقاء طاكسي.. ذاك الرجل الطيب لم يدّلنِ على الطريق فحسب، وإنما رسخ بابتسامته العريضة التي ودعني بها بعد أن ساعدني في حمل حقائبي إلى محطة “الصابواي” أن هذا البلد لم يصل إلى ما وصل إليه بمحض الصدفة، بل إن معلمة الجغرافيا في طور المتوسط لم تخطئ.. تلك الشعوب صنعت “الإنسان”.: “أريد أن أصنع من أمريكا بلدا عظيما مرة أخرى” أول جملة رصدتها أذناي لدى تشغيلي جهاز التلفاز بالفندق، كانت قناة “فوركس نيوز” تنقل مؤتمر الجمهوريين، وكانت تلك العبارة أكثر ما يردده مرشحهم للرئاسيات آنذاك دونالد ترامب.. أي “أبله” ينافس على رئاسة بلد يحكم العالم.. ذلك ثاني الدروس في مدينة يمكن أن يجتمع مشردوها بأشهر نجومها في ساحة واحدة “تيام سكوار”

.. التناقض
إنها مدينة متناقضة حدّ الجنون.. واحدة من أغلى المدن، لكن فيها أيضا من لا يشتغل ويوفر! بلد قائم على الضرائب، لكنه يضمن التعليم والعلاج وخدمات أخرى مجانية! وربما أكثر التناقضات التي لم أتوقع مصادفتها في دولة لا تخلو أفلامها السينمائية من مشاهد تظهر دهاء FBI أن قانونها ساذج.. نعم قانونها ساذج! هكذا يصفه الكثير من العرب الحاصلين على الإقامة الدائمة هناك، والذين تمكنوا من نقل “شكاير دراهم” إلى بلدانهم الأصلية، فقط لأنهم أدركوا “بخبث كبير” من أين تؤكل الكتف، لم أتوقع أن تكون تلك العجوز السبعينية إحدى هؤلاء “النصابين” عندما استقبلتني ببيتها ورحبت بي كل ذلك الترحيب.. لم يكن المكان مريحا، لكنه أهون من الفنادق التي غيرتها مرتين في ظرف أربعة أيام حتى لا أقضي على ميزانيتي من أول أسبوع لي هناك، بدأت التعرف بحذر على “عرف” الإيجار (غير المصرح به) تحديدا لدى العرب.. لم أكن أدري أن “النية” مثل الدينار الجزائري عملة لا تصرف خارج حدودها.. تتزاحم كثير من التفاصيل بذاكرتي وأنا أطل من شباك بيتنا الواسع (على الأقل أكثر اتساعا من بيوت نيويورك) المطل على البحر الأبيض المتوسط الذي يحمل من ذكرياتي ما لا يحمله المحيط الأطلسي بشساعته.. وأعود تحديدا إلى تلك اللحظة التي اضطررت فيها إلى مغادرة رقعتي الصغيرة هناك والتي حولتها صاحبة البيت من قاعة للأكل إلى غرفة نوم لتحصل على مصدر دخل آخر يرضي جشعها.. يومها خرجت في حدود الثالثة صباحا (التاسعة بتوقيت الجزائر) لإجراء مكالمة مع الزملاء أنقل فيها تفاصيل الحملة الانتخابية للرئاسيات الأمريكية من مبنى عمارة بأحد شوارع بروكلين…! مرت المكالمة على خي،ر ولَم يسمع أحد غيري العجوز عينيات وهي تلجمني بأقبح المسبات لأني أزعجت نومها.
.. يتبع

مقالات ذات صلة

إغلاق