ميديا

الدكتور عز الدين معميش لـ”الحوار”:الإنسانية هي الخاسر الوحيد في العولمة

تحدث الدكتور عزالدين معميش، في الجزء الثاني من حواره معنا، عن قضية العولمة وتأثيرها في المجتمعات الاسلامية، مؤكدا أنه يمكننا أن نأخذ الجوانب الإيجابية منها والتي تخدم شعوبنا وترك ما لا ينفعنا منها، مؤكدا أن الإنسانية هي الخاسر الوحيد في العولمة، ولا بد من مواجهة هذا الواقع والانخراط فيه في المجال الإيجابي، أما الجانب السلبي فيمكن مجابهته عن طريق تحصين شبابنا مع توفير البدائل الضرورية، ووضع رؤية ثقافية محددة المعالم في التعليم والثقافة تعمل مع بعضها بدل التنافر وإلا ستأكلنا العولمة.

*قضية العولمة تشغل بال المثقفين بشقيها الإسلامي والعلماني، من أي زاوية يرى الدكتور معميش هذه القضية الجوهرية؟

العولمة ظاهرة أصبحت واقعا بعد أن كانت مجرد تنظير في مرحلة من المراحل. في نهاية الثمانينات أخذت بعدا كبيرا في مجال التنظير والتنبؤ، بسيطرة النموذج الأمريكي على العالم في الاقتصاد والثقافة والفكر، وصولا إلى كتاب فوكوياما ” نهاية التاريخ ” وصراع الحضارات، وسيطرة الحضارة الرأسمالية ودحر الحضارات الأخرى، خاصة الاسلامية والصينية، وكذلك تنبأ بتسيد النموذج الثقافي الأمريكي أو “الأمركة” في القيم والأخلاق. وللإشارة، فإن فكوياما كان يكتب لوزارة الخارجية الأمريكية ويتبع مراكز أبحاث تخدم وزارة الخارجية الأمريكية، فتحولت العولمة من مجرد تنظير إلى واقع حقيقي، والآن ينفذ عبر شركات وبرامج ثقافية والفضاء المفتوح ووسائل التكنولوجيا، ولا ينبغي الآن لنا كمسلمين وعرب أن نكون كالنعامة وندفن رؤوسنا في الرمل، بل يجب أن نواجه وأن ناخذ من الغرب الإيجابي ونرد السلبي، ونقوم بتوعية واسعة وكذلك امتلاك القدرات في مجال التكنولوجيا الرقمية حتى نحصن ثقافتنا ونحصن شبابنا، وكذلك نفتح المجال للتنافس الاقتصادي المبني على خدمات مصالح الوطن، وليس الشركات الكبرى أو أفراد معينين.

ويمكن أن نقول إنه من أهم الكتاب الذين عالجوا هذا الموضوع دافيد هارفي، في كتابه “الحداثة وما بعد الحداثة”، الذي تناول فيه أصول التنوع الثقافي في الألفية الثالثة، وتنبأ فيه بأن إرهاصات العولمة سلبية في ميدان القيم والأخلاق، وأطلق على ذلك وصف”المدن الأخطبوطية المتشابكة”، يكون فيها الإنسان مجرد رقم، أي أن وسائل الإنتاج كنتيجة للعولمة هي التي تسيطر على الإنسان ويصبح بلا قيمة، مؤكدا أن الإنسانية هي الخاسر الوحيد في العولمة، ولا بد من مواجهة هذا الواقع والانخراط فيه في المجال الإيجابي، أما الجانب السلبي فيمكن مجابهته بالتحصين، لأننا لن نستطيع أن نمنع عن جيل اليوم وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يمكننا إقناعهم بغلق أجهزتهم الذكية، ولكن لابد من تحصينهم للاستفادة من الإيجابي وإقناعهم بالقيم وضرب النماذج الفاسدة في المجتمعات الغربية، ونضرب مثالا بالتيارات النسوية التي ظهرت في الغرب التي تنادي بالإباحية والحرية المطلقة، واليوم ظهرت موجة جديدة في الغرب تسمى “ما بعد النسوية”، فيها مجموعة من النساء العملاقات في ميدان الفكر والثقافة، نادين بضرورة الرجوع المبادئ النسوية الأولى التي كانت في القرن التاسع عشر، والتي قامت على أساس إنصاف المرأة في مواجهة الرجل في المساواة والكرامة، وليس ما تنادي به الموجة الثالثة من النسوية، التي ركزت على ضرورة مواجهة الرجل، ومن هنا وجب علينا توعية الأجيال بالمظاهر السلبية التي تنادي بها بعض التيارات في الحضارة الغربية. أكيد سيكون هناك وعي، وعندما نملك الوعي سنتمكن من التحصين، مثلا يقول رجاء غارودي، في كتابه “مستقبل الحضارت” التي تنبأ فيه بسيطرة العولمة، لكنه قال إن هذه السيطرة لن تدوم، باعتبار أن الظواهر الثقافية متحولة وغير صلبة، وبالتالي ستزول.

وخلال مشاركتي في مؤتمرات الحضارات التي جمعت مختلف الأديان والأطياف من مسيحين ويهود وبوذيين، اتفق الجميع على حماية الأسرة من الظواهر السلبية كالمثلية، ووجدنا تجاوبا كبيرا من أتباع أديان مختلفة، فالقيم التي تحافظ على الأسرة تهم الأديان الأخرى كما تهمنا.

وكنت أقول دائما إن العولمة ليست كتلة واحدة، وليست سلبية مطلقا، بل جاءت بأمور إيجابية في المعرفة وبعض الجوانب الاقتصادية وحرية المنافسة وحرية السوق، حتى وإن سيطرت الشركات الكبرى، لكن على المستوى الفكري، وهذا لب تخصصنا، المظاهر السلبية هي التي سادت، وموجة ما بعد الحداثة أنكرت الحداثة، وقالت بأن الحداثة الغربية كرست لنفي الإنسان بدل إحياء سلطة الإنسان في مواجهة الكنيسة.

*ما موقع المفكرين العرب من هذا الصراع؟

دور العرب دور محوري، حتى وإن كان دور النخبة يبقى في التنظير، رغم أن هناك انفصال بين السلطة السياسية والسلطة العلمية والفكرية، على عكس الغرب الذي يتمتع بتكامل تام بين السلطة السياسية والمفكرين، وتكرس ذلك من خلال التكامل بين مراكز الأبحاث الخادمة للسطلة، فأي قرار سياسي لا يتخذ إلا بالرجوع إلى هذه المراكز الخبيرة، أما في العالم العربي نظرا للصراع الموجود الذي أثر على الاصطفاف الموحد لمواجهة العولمة، تبقى مشاريع رائدة يمكن أن يستفاد منها، ولا أقول كما قال الإنجليزي كرستوف ولوز، الذي نظر إلى المفكرين نظرة سلبية، وقال عنهم إنهم يتكلمون من برج عاجي، ويرى أن الذين صنعوا الحضارة الأوروبية ليس المفكرين والمثقفين، بل هي من صنع الحركات الاجتماعية والعمالية والساسة والإعلام، وعلى ذلك يجب أن يخرج المفكرون العرب من برجهم العاجي، وقد تحدث عن الاستراتيجية الثقافية التي تصبو إلى وضع رؤية ثقافية محددة المعالم في التعليم والثقافة، وتعمل مع بعضها بدل التنافر وإلا ستأكلنا العولمة.

الجيل الجديد الذي وجد نفسه أمام شبكة عنبكبوتية واسعة، يختلف كثيرا عن الأجيال السابقة، ولابد من التنسيق بين الدول الإسلامية للوصول إلى خطة لتحصين الشباب ووضعهم على السكة الصحيحة، مع العمل على توفير بنية اقتصادية وثقافية متجانسة ومتكاملة في المستوى الذي يمكننا من إعادة مجد الحضارة الإسلامية.

يتبع….

حاورته : سهام حواس

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق