ميديا

هكذا وثقت مأساة اللاجئين “الروهينجا” في مخيمات بنغلاديش

كان من الجدير كمتلقية أن أشكك في كل ما يحصل بعدما أثبتت لنا الأيام في أكثر من مرة قدرة فبركة جهات معينة للأخبار والصور وعدم نقل الأحداث بمصداقية لإثارة قضية ما أو طمس أخرى خدمة لمصالح ما, لذلك ظلت قضية “الروهينجا” وحروب “بورما” محل جدل بالنسبة لي، أن أنطلق في رحلة بحث عن الحقيقة من خلال وسائل الإعلام لم يكن كافيا لجعلي أصدق أو أكذب، خاصة بعد انتشار الأخبار عن طريق تيارين إعلاميين مختلفين تماما, أحدهما تبنى التكذيب على رأسهم إعلامي مصري يروي في مقال له بأنه زار بورما بنفسه ولم يلحظ أي عداء ضد أي طائفة, مقاله لم يكن يعقل كونه يصور المشكلة على أنها تافهة ويروي أحداثا لشخص كانت رحلته في كوكب زمردة وليس مكانا عرف بعدم الاستقرار قرابة العشرين سنة, أما التيار الآخر اكتفى بإعادة نقل المشاهد المؤلمة التي يصعب معرفة في عصر الصورة مصدرها, لذلك وبالوسائل المتوفرة لدي كانت العودة إلى قراءة المعطيات التاريخية والجغرافية الوسيلة الأكثر مصداقية والتي من خلالها نستطيع أن ننتبه من الوهلة الأولى أن سكان ميانمار ضحايا جغرافيا بالدرجة الأولى نظرا لأهمية الموقع الجيوسياسي الذي يعتبر نقطة تقاطع مصالح مختلفة لدول متنافسة, كما أن الثروات التي تحتوي عليها المنطقة كفيلة بأن تجعلها مستهدفة, في نفس الوقت القراءات التي كانت تؤكد بالأدلة أن هناك جهة تحاول أن تقود المسلمين إلى حرب بالوكالة لم يكن من السهل تجاهلها, لذلك استهلاك الموضوع كان يجب أن يؤخذ بحذر خاصة بعد الانزلاقات الأمنية التي تعرضت لها المنطقة,  ولكن تظل كل هذه القراءات غير منصفة أو كفيلة لتشكل رؤية صحيحة تمكننا من التصرف أو تبني القضية لأنه في النهاية إن صحت المأساة سيكون كل رقم من أعداد البشر التي تم تعذيبها وقتلها هو نهاية لحياة وعبء على انتمائنا الإنساني, لذلك استمرار ارتفاع الأرقام بدون التصرف ولو بالمساهمة والنضال الإعلامي لرفع النداءات الإنسانية سيشعرنا بالخزي.

الخطوة الموالية بالنسبة لي كان جدواها البحث عن مصدر موثوق عاين الحدث عن قرب, ومن باب الصدفة جاءت مبادرة من مركز الملك سلمان للإغاثات والأعمال الإنسانية  للذهاب إلى قلب الحدث وتوثيق أحداث اللاجئين في حدود بنغلادش بعد توصيل مساعدات من المركز, حيث رشح لها اسم زميل وصديق من مصر أمير البنا (مدير تصوير وإضاءة  يشتغل حاليا مع قنوات عربية عديدة  منها العربية والأم بي سي) حيث كان ضمن فريق العمل ووثق بنفسه الأحداث ليكون بالنسبة لي شاهد عيان على مأساة لا إنسانية مروعة وعلى قصص يصعب تخيلها لرحلات جماعية  ومغامرات خطرة قام بها اللاجئون فرارا بجلودهم من هول العذاب سنتطرق لها في حوارنا هذا.

 

*  بداية كيف جاءت هذه المبادرة وما هي الأسباب والدوافع التي جعلتكم تأخذون هذه الخطوة؟

– هي مبادرة جاءت بناء عن  توجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله ورعاه  لنقل المساعدات للروهينجا عن طريق مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية, وفعلا تم إرسال مئة طن من المساعدات للروهينجا وهم المنكوبون واللاجئون المقيمون في بنغلادش التي تم نقلها عن طريق طيارة خاصة للمملكة واستلمتها منظمة “آي أو أم وهي منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة” على أرض الواقع “بنغلادش” لإكمال مهمة نقلها للاجئين بعدما قمنا بتصوير وتوثيق كل التفاصيل في المطار لنصل نحن بعدها لمنطقة اسمها “كوكس بزار” وهي منطقة على ساحل بنغلادش, منطقة ساحلية أقمنا فيها مدة عشرة أيام, تم بها معاينة وموازنة  للوضع العام حيث قمنا بتمييز المواقع وتحديد إمكانيات التحرك وأيضا التأكد من الوضع الأمني, تمت هذه المهمة بالتعاون مع المنظمة الدولية, التحدي الأكبر بالنسبة لنا كان يكمن في كيفية الوصول إلى أماكن اللاجئين وإيصال المساعدات والذي لم يكن هينا بالمطلق, كانوا يشغلون مناطق تملؤها خيم من خوس مغطاة ببلاستيك لمنع تسرب الأمطار كون المنطقة ممطرة دائما والرطوبة جدا عالية، أي مناخ متعب هو الآخر, تم تحديد كل شيء في أول يوم وبعد المباشرة بالمهمة تفاجأنا بوصول أعداد هائلة من اللاجئين في الفترة التي مكثنا فيها حيث وصلت إلى 500 ألف لاجئ, مما كان يدفعنا إلى المراقبة المستمرة للوضع والتفحص والتدقيق عن قرب لإيجاد طريقة لتوزيع المساعدات وأيضا توثيق الأحداث لأن هذه الأخيرة كانت من برنامج مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية, كانت أيضا هناك محاولة لفهم الحدث عن طريق محاورة اللاجئين, كنا نريد أن نعرف ما الذي حصل؟ وكيف وصل هؤلاء الأفراد إلى هذه الوضعية الخطرة والمزرية؟  وكيف استطاعوا الوصول إلى الأماكن الآمنة مثل كالي باري “مخيم” مخيمات “كوكس بزار” والمدن القريبة من” كوس بزار”؟ وكيف استطاعوا أن ينجوا بأنفسهم بعدما اجتازوا رحلة خطرة من ميانمار إلى حدود بنغلادش؟

 

* ما هي المناطق التي وصلوا إليها وما هي التي استطعتم  أنتم الوصول لها ؟

– استطاعوا هم الوصول إلى مكان آمن على حدود بنغلادش, حدود ساحلية, هناك  كانت أول دفعات للاجئين, هي منطقة زراعية تمكنهم من الجلوس تحت الأشجار كمحاولة لحماية أنفسهم من التعرض للأذى مرة أخرى بعد وصولهم للحكومة البنغلادشية. طبعا يستحيل الدخول لميانمار بسبب خطورة الوضع وانعدام التواصل مع حكومة بورما, لقد تم تحديد لنا أماكن آمنة مع المنظمات لاستقبال كل اللاجئين من ميانمار من الروهينجا إلى غاية وصولهم لـ”كوكس بزار” أو المدينة الساحلية التي يمكث فيها المنكوبون الروهينجا.

 

* يمكن أن نقول إن حكومة بنغلادش هي من سهلت للمنكوبين عملية  اللجوء؟

– نعم الحكومة البنغلادشية استقبلت وفتحت الحدود لكي تمكنهم من التواجد في منطقة آمنة ولكنها كانت عاجزة عن  توفير الغذاء  والدواء باعتبارها دولة صغيرة عدد سكانها مليون ومئة وتسعة آلاف نسمة تقريبا مع ارتفاع  نسبة الفقر فيها, لذلك قامت برفع صوتها للمنظمات الدولية والأمم المتحدة كنداء على عدم قدرتها لتوفير الضروريات  لهؤلاء اللاجئين من مسكن وملبس وغذاء وأدوية كما طالبت بتدخل الدول الإسلامية وغيرها لإنقاذ الوضع.

 

* الموضوع كان يشكل خطرا على الجميع وحتى أنتم كممثلي المنظمة, ما هي الاحتياطات الأمنية التي قمتم بها قبل الشروع في المهمة؟

– المركز كان متواصلا مع السفارة السعودية والتي بدورها تواصلت مع الحكومة ببنغلادش حيث بلغت أنه سيتم وصول ممثلي المركز في وقت محدد للمهمة المذكورة سابقا لتقوم الحكومة البنغلادشية بتوفير سبل الأمن كما كان لها دور مهم جدا في حماية الفريق لإيصال المساعدات للروهينجا.

 

* بعد الوصول اتضح المشهد أكثر أمامكم, حدثنا أكثر عن أول ما لفت انتباهكم وعن هذا المشهد المأساوي بشكل عام؟

– كانت هناك حالة مزرية للغاية لأشخاص يعانون معاناة شديدة, لم يكن هناك لا غذاء ولا مياه صالحة للشرب, لقد استخدموا المياه الجوفية وهي مياه مضرة بالصحة, المكان سيء جدا, خيم لا تحتوي على دور المياه, خيم من البلاستيك بدون أسرة، كانوا ينامون على الأرض جميعا منتهكة كل خصوصياتهم, المنظمات أقامت عددا قليلا من دور المياه المشتركة مقارنة بالعدد الهائل للاجئين, لم يكونوا يملكون أي أدوات صالحة للطعام والتغذية, مأساة كبيرة  وضع مريب,  مشهد مليء بالبشر الذين تعرضوا إلى حوادث مريعة من قطع أيادٍ وبتر أعضاء, هناك أمور يصعب أن أتحدث عنها على غرار الطقس السيء والحار الذي يحول بينهم وبين ارتداء الملابس, وحتى هم لم يكن يتوفر لهم أردية لأنهم فروا بجلدهم غير مكترثين بممتلكاتهم وأشيائهم.

 

* ما هي أكثر القصص التي رسخت في ذاكرتك ولا يمكن أن تنساها؟

– هناك قصة سمعتها من اللاجئين, كانت لشخص وصل من ثلاثة أيام معه سبعة أطفال هرب بهم بطريقة مأساوية, قاموا هناك بربط أبنائه وقتل زوجته أمام مرأى عيونه, لكي يستطيع في الأخير الفرار مع أبنائه, مشهد قاس جدا, وأيضا كانت هناك فتاة عمرها أقل من أربعة عشرة سنة مع رضيع, قاموا بحرق زوجها ففرت مع طفلها وبعد رحلة شاقة وصلت للمكان الآمن أخيرا, ولأنها بجسد طفلة لم تكن قادرة على إرضاع الطفل الذي ظل يصرخ.

 

* من خلال روايات المتضررين, ما الذي يحصل وما هي أسباب هذه الفتنة التي أدت إلى هذه الكارثة اللاإنسانية؟

– أكثر شيء يمكن أن نستنتجه فتنة طائفية واضطهاد كبير من جهة البوذيين وحكومة بورما, لكن لا نملك الحقيقة كاملة لأننا لم نعاين الواقع, نظل نستدل بكلام المتضررين وفي نفس الوقت لا يمكن أن نجزم بمدى صحة هذا الكلام أو خطئه كتشخيص للأسباب.

 

* من خلال اقترابكم من الحدث ومعاينتكم له, ما هي أكثر الدول التي ساهمت في تقديم الإغاثات للروهينجا؟

– المملكة العربية السعودية دعمت القضية بمبلغ يقدر بـ15 مليون دولار لتمويل مشاريع مختلفة بالتعاون مع منظمات عالمية  كان دورها فعالا في الحالات الإنسانية، فمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية استجاب بسرعة بالتعاون مع المنظمات العالمية وقام بإرسال المعونات, فاللاجئين بحاجة إلى أشياء كثيرة, كبيوت أو كغرف الشينكو لحفظ خصوصيتهم على الأقل   تحميهم من انتهاك حرمة الأفراد, هم يعيشون بدون أي حماية للخصوصية, كما لا توجد أماكن صحية تحميهم من الأمراض, يجب أن تكون هناك على الأقل في المخيمات مراكز صحية للكشف الفوري, أيضا الغذاء غير كاف, هم بحاجة أيضا لمياه ولقنوات الصرف الصحي, هم يعيشون في وضع لا يليق بالبشر, أماكن لا تصلح لكي يعيش فيها الأطفال والأسر.

 

* ما هي أهم الرسائل التي يمكن أن نوجهها للرأي العام ؟

– أهم الرسائل التي كانوا يتمنون إيصالها هي التفات العالم لقضيتهم, هم يبحثون على حل لأزمة استمرت عشرين سنة, يا ليت  لو يتدخل العالم لحل هذه الأزمة, هؤلاء الناس ضحايا تشردوا وتركوا كل ما يملكون بحثا عن الأمان, وهم الآن يعيشون في خيم لا يوجد بها أي شيء, الأطفال بصراحة وضعهم مأساوي, لا يملكون أدنى الحقوق, لا مدارس ولا حتى مستشفيات تحميهم. نتمنى أن يتدخل العالم ويساعد الروهينجا من أجل حل أزمتهم.

حاورته: سارة بانة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق