اخبار هامةنقاش

هل تختلف باقي الحركات الإسلامية عن الوهابية الداعشية؟

 

كنت أعتبر نفسي حصاة في سفح هذا الجبل الشامخ  وهو جبل الإخوان، وسرعان ما تبين لي وأنا ألامسه لأول مرة أنه جبل هلامي مصنوع من سكر وملح، حسب طيبة الناس وخبثهم، ويجب أن يُحفظ مما يُسبب له الاتساخ والذوبان.

ذاق البعض من حلاوة سكر ذلك الجبل الأبيض فاعتقدوا أن صخوره صلبة لأنهم لم يلامسوه، وذاق البعض من ملحه الأجاج فظنوا أن صخوره صلدة فخافوه، وما يفسر ثورتي على ذلك الجبل الهلامي هو أنني كنت ولا زلت أنظرإلى بعض الدعاة البارزين في التنظيم كشجرة طيبة مثمرة بناء على فطرتهم الطيبة والعوج الفكري أو الأيديولوجي الذي هم فيه إنما هو إرث الواقع وذلك مبلغهم من العلم الذي وصلوا اليه، وكل شجرة من تلك الشجرات القليلة محاطة بعدد كبير من أشجار الحسك والغرقد والشوك، فأثر ذلك المنبت على نضجها، وكل من يحاول الوصول إلى ثمارها عليه أن يدفع الثمن غاليا من دمه ولحمه وأن يعرض جسده وحتى وجهه لشتى التشوهات والجروح، وما يكاد الذاهب إليها يقطع بضعة أمتار بين الحسك والأشواك حتى تهيج أعصابه ويطيش لبه وعقله من لسعة القوارص والقوارض، فإذا هو يرمي تلك الشجرة بالحجارة وبكل ما في يديه، لأنه لا جدوى من الصدام مع ذلك المحيط المأفون.

في قسنطينة عرجت على المسجد الذي كان يقيم فيه أبوجرة الجمعة والدروس وذلك سنة 1989م وكان اليوم يوم جمعة لأستمع إلى الدرس والخطبتين ولأسترجع من عنده بعد الصلاة القصائد التي سلمتها له في مجاز الصفاء بولاية قالمة.

الشيخ أبوجرة تحدث في خطبته عن العلمانيين والشيوعيين وزحفهم تحت لواء الديمقراطية التي فتحت أبوابها على مصارعها، وكيف كشرواعن أنيابهم وراحوا يعلنون وجودهم ويدعون إلى أنفسهم وهم الذين عملوا منذ استقلال الجزائر في دوائر شتى على طمس الهوية الوطنية وإلحاق الجزائر بفرنسا، كما تنبأ وخطط ديغول، ومما أتذكره جيدا أنه قال:إن المعركة اليوم مع هؤلاء أكثر شراسة وأحمى وطيسا من ذي قبل، إنها معركة بين أبناء باديس وأبناء باريس.

هذا هو الشق السياسي الذي تذكرته من الدرس والخطبتين، وأما الاجتماعي فقد تحدث فيه للسكان بلسان التحذير من مغبة اقتناء البارابول الجماعي الذي كان موضة ذلك العصر عند الجزائريين، إذ كان سكان العمارات يقتنون صحنا كبيرا يشتركون في شرائه لمشاهدة القنوات الفرنسية التي لا منافس لها في ذلك الظرف وعلى رأسها قناتا آم6 و كنال+ التي أطلق عليها الإسلاميون اسم قناة إبليس، وما درينا أن الأموال العربية وعلى رأسها الخليجية بقيادة الوليد بن طلال ستسهم بعد سنوات في بث قنوات أكثر من الإبليسية، بحيث تبدو القنوات الفرنسية إلى جانب تحريضها على الفجور والدعوة إليه أكثر عفة وأخلاقا من تلك القنوات.

قال أبوجرة محذرا أولئك السكان ما فحواه: لقد اطلعت شخصيا على محتوى هذه القنوات فوجدت بعضها يروج للسحاق واللواط والزنا بعد منتصف الليل، وكل من سولت له نفسه أو أنفسهم وضع ذلك الصحن اللعين على سطح العمارة التي نسكنها فأنا أول من أصعد إليه لأحطمه، ومعي خيرة شباب هذا الحي، فما أتم هذه الجملة حتى تعالت التكبيرات في المسجد الله أكبر الله أكبر.

بعد سنوات علمت على لسان أحد المسئولين في رئاسة الجمهورية في تلك الفترة وهو متقاعد الآن أن هذا الهم والخطر”البارابوليان” لم يكن يشغل بال الإسلاميين وحدهم، بل الكثير من المسئولين في محيط الرئيس الشاذلي بن جديد، ومن بين الاقتراحات الموضوعة لوضع حد لذلك الغزو الإعلامي الفرنسي اللاأخلاقي التشويش الإلكتروني لقطع بث تلك القنوات في الجزائر، ويكلف يوميا كما قال مليون دولار، قال: فقلت لهم إن 365مليون دولار وهي ثمن تكلفة عام قادرة على بعث عدة قنوات وطنية ثقافية وترفيهية وتعليمية كبديل يهرع إليه المواطن الذي لا ينبغي أن نعلمه أخلاق النعام في هذا العالم المتطور، وإنما نعطيه البديل الذي يجد فيه راحة البال ونقاوة الضمير.

الأحداث كانت متسارعة والإعلام الفضائي المرئي كان أسرع، وكان الإسلاميون الأسرع من هذا وذاك إلى قبر مثل هذه الاقتراحات وهي في أرحام أدمغة الرجال الطيبين في السلطة عندما صمموا على إسقاط الرئيس ورجاله طبعا.

فلكل رئيس رجال، والحركة الإسلامية المتمثلة في الحزب المحظور المتغول بالجماهير في ذلك الظرف راح ينادي في الملايين أن لا قراءة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس.

لاحظوا يا أهل الفكر، إن فكرة التشويش على البث الفضائي ساذجة هي أيضا كسذاجة الكثير من الإسلاميين في مواجهة التحديات الإعلامية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تلح كلها على إيجاد التوازن بين المتناقضات، وإلا فالنقيض السلبي الذي تفرضه سياسة الآخر وحضارته ومعتقداته عبر تكنولوجياته هو الذي يصبح النقيض البديل، ولا يمكن صد الناس عنه بالوعظ والإرشاد أو بالمنع والحرمان المرفوقين بالتهديد والوعيد، أو بالبديل المهترئ الشبيه بتلك النكتة الشعبية حول مدفع كروش الذي صنعه بعض الساذجين في مواجهة مدافع الاستدمار.

النكتة هي أن مجموعة من الطيبين السذج في ريف من أرياف الجزائر الشماء التفوا حول فكرة أذكاهم وأعلمهم بالصناعة الحربية في صنع مدفع أطلقوا عليه اسم”مدفع كروش”، وهو عبارة عن أنبوب معدني ضخم وسميك يُحشى بقطع من الحديد والبارود، على أن يُسد بعد ذلك بإحكام من الخلف، ثم توجه فوهته إلى حيث يوجد العدو مع إضرام النيران فيها لتنبعث تلك القطع الحديدية حسب تصورهم في سرعة البرق كشظايا جهنمية، فتفتك بالعدو وتأتي على البنايات من الأساس.

وضعت الفكرة على محك التنفيذ والتف أولئك السذج الطيبون خلف المدفع وراح أحدهم يضرم النار في فوهته، فما هي بعد ذلك إلا شرارة فدوي فانفجار سقط على إثره أصحاب المدفع قتلى، إلا اثنين او ثلاثة عادوا الى وعيهم وهم جرحى بعد إغماء، فقال أحدهم وهو ينظر الى عدد القتلى الكثير من أصحابه : الله أكبر إذا كان مدفع كروش قد فعل بنا هذه الفعلة ففعلته بالعدو أكثر وأعظم وأخطر هناك، وما درى المسكين أن العدو في منأى عن خطر مدفعه المزعوم الذي فعل بأهله ما لم يستطع أن يفعله بهم الأعداء!!

أتخيل عباسي وبعض الطيبين معه على رأس ذلك المدفع السياسي الذي أسموه جبهة الإنقاذ، وقد انفجر عليهم ولا يزالون يعتقدون أنهم أحدثوا به”فرتكة” في جانب العدو وهو”النظام”وهم مصممون على صنع كروش 2وكروش 3وكروش4 إذا سمحت لهم الظروف.

وأتخيلهم على رأس مدفع كروش الثقافي إذ اتبعوا الفتاوى الخليجية الوهابية المتخلفة في تحريم الصور، فكانت جريدة المنقذ خالية من البداية من صور الآدميين والحيوان على السواء، ولكنهم للضرورة نشروا صورة الغلام قندوز الذي كان لا يتجاوز 14سنة في ذلك الظرف تحت عنوان فحواه: شرطة جبهة الإنقاذ تلقي القبض على أحد اللصوص، أما علي بن حاج فرشق السلطة عبر ذلك المدفع الكروشي بعدة طلقات أمضاها بقلمه تحت عنوان “الدمغة القوية في نسف عقيدة الديمقراطية” تلك الطلقات عفوا المقالات في أبعادها السياسية تعني إعطاء الضوء الأخضر والحجة الدامغة لأولئك العلمانيين والشيوعيين النافذين هنا وهناك أمام الغرب وعلى رأسه فرنسا، بأننا نحن الإسلاميين ظلاميون وديكتاتوريون ولذلك يجب وضع حد لنا ولو بالقوة، إذ كان الشعب إلى جانبنا في الانتخابات لأننا سننقلب على الديمقراطية والتعددية، ونحول نمط الحكم إلى ما كان عليه في عهد يزيد وأشباه يزيد، إذ ينتقل بالوصية من الآباء إلى الأبناء وما البيعة بعد ذلك إلا شكل من أشكال التهريج على الجماهير .

مقالات ذات صلة

إغلاق