اخبار هامة

رسالة مفتوحة إلى “معالي” وزيرة الثقافة : فعلا الكرسي “يدوّخ” ؟ !

صباح الخير معالي الوزيرة.. أو لنقل مساء الخير.. في البداية، أقدّم لك اعترافين على الجاهز..دون ضغط أو سابق تحريض أو تخطيط.. الأول: أن حديث “المعالي” مثل الإتيان على سيرة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، يثير في داخلي (ككثير من أبناء هذا الوطن العربي المنكوب) حالة من الحساسية الزائدة، المصحوبة بتوتر شديد..حالة تجعل الواحد منّا يُقبل على مزيد من الاكتئاب والإحباط، لسبب بسيط جدا، وهو أن أصحاب المعالي والفخامة والجلالة والسمو لم يجلبوا لهذه الأوطان المتناحرة والشعوب الضائعة سوى مزيدا من الويلات والهزائم والانكسارات !! أما الاعتراف الثاني، فهو أنني، مثل كثير غيري أيضا، مازلت غير قادر على مقاومة قدرتكم العجيبة ومهارتكم الزائدة داخل هذا “السيستام”المترهّل، على خداع الشعب وتضليله، على تزييف الحقيقة وتنميقها..على تحريف الصورة وخلط أبعادها..وإلا كيف نفسر أنني طرت فرحا مثل غيري، حين سمعت اسم نادية شارابي، المخرجة والمنتجة السينمائية المحترمة، والأستاذة الجامعية المرموقة ضمن قوائم الوزراء الجدد؟ أعترف أن الفرح حينها كان أكبر من السؤال..وأن البهجة في ذلك الظرف الصعب تجاوزت كل تشكيك..لكن سرعان ما عاد التشكيك، واستعدت السؤال: تُرى ما الذي يجعل سيدة محترمة ومثقفة تقبل منصبا داخل حكومة لا تريد أن تتوب عن ارتكاب الخطايا !! ألهذه الدرجة أنتم بارعون في خداعنا؟ ألهذه الدرجة نحن فاشلون في فضحكم؟ ! معالي الوزيرة نادية لعبيدي (شارابي سابقا)..أكتب لأعبر لك عن صدمتي الشديدة، بعدما شاهدت إطلالتك قبل فترة ليست بالطويلة على شاشة التلفزيون العمومي، حينها رأيت أحد الزملاء الإعلاميين يجتهد في طرح الأسئلة عليك، مراوغا الجميع بما ذلك الرقيب الظاهر والمستتر داخل هذا الصندوق العجيب، (محكم الإغلاق في وجه الحقيقة والتغيير)..سألك عن الكتاب وقيمته، عن السينما وترديها، عن المسرح واغتياله، عن المثقف وحرمانه..سألك عن الجميع، لكنك تركت الجميع.. واستنزفت وقتك الطويل في الحديث عن فلسفة الرئيس وثقافة الرئيس وفطنة الرئيس وبراعة الرئيس وحكمة الرئيس وسعة صدر الرئيس ! ألهذا الحد يدوّخ الكرسي؟ ألهذه الدرجة تتمتعين بالسلطة وتشربين من كأس النفوذ؟ ليس المطلوب منك أن تتمردي على غريزة الاستمرار في المنصب، فلك أمر مستحيل ولا أن ترفضي إغراءاته، فذلك يبدو صعبا.. علما أننا فقدنا، منذ زمن طويل، الأمل برؤية مثقف متمرد في هذا البلد، لكن ليس من حقك مراوغة تاريخك النظيف” لتطلبي من الجميع محاسبتك بأثر رجعي على قرارات وتصريحات آنية، بينت للجميع أن الكل أمام الكرسي واحد، سواء تعلق الأمر بمثقف كبير أو بجاهل حقير ! معالي الوزيرة..هل تذكرين وهران ومهرجانها للفيلم العربي؟ هل تذكرين فيلم “النخيل الجريح”..الفيلم التونسي الذي شاركت في إنتاجه وأخرجه التونسي المتميز عبد اللطيف بن عمار، وشارك في بطولته الممثل المحترم حسان كشاش. يومها رأيت أمامي، سيدة مثقفة وامرأة محترمة، تؤمن بالحرية، تناضل في سبيل التغيير، تمجد الاختلاف، وتحارب للحصول على حقها في التعبير.. هل تذكرين “النخيل الجريح”؟ هل تذكرين “أنفته وكبريائه”..سمّو روحه وتحرّره؟ كان جريحا لكنه لم يمت..مصدوما لكنه لم ينكسر..عكسك اليوم تماما..فالمناصب في وطني تقتل يا معالي الوزيرة.. الكرسي في وطني “يمرمد مولاه” مثلما تقول العجائز في مدينتي.. تتوالى الأيام، وتكتب الصحف، وتتنافس التقارير..فضيحة في قسنطينة..تبديد أموال في عاصمة الثقافة العربية..كولسة واختلاس في أموال طبع الكتب، تحرشات بكرامة هذا المثقف وتلك الفنانة..رحيل بائس لمزيد من المبدعين والمبدعات..مهرجانات لا تقدم لمرتاديها سوى مزيدا من الجنون والمخدرات مع قتل الإنسانية داخلهم وإشباع الغريزة.. نادية لعبيدي غير مهتمة بالملايير الضائعة، تتباهى ببطاقة فنان لا تقدم ولا تؤخر شيئا في واقع متعفن، سيطر عليه المنتجون الخواص، وسطا عليه رجال أعمال لا يفقهون في الفن والثقافة والفكر شيئا؟ ! معالي الوزيرة..قد تكون نيتك سليمة..ورغبتك صادقة.. لكن ما نفع النوايا الصادقة في سلطة تمارس الحجر على الثقافة النظيفة والفكر الحر؟ ما نفع الرغبة الصادقة في مناخ يحارب النضال الشريف والإبداع المستمر؟ معالي الوزيرة..متى تعودين لمكانك الطبيعي؟ بيتك الأول والأخير.. متى تدركين أن لقب “المثقفة” أكبر بكثير من لقب “المعالي”؟ !

مقالات ذات صلة

إغلاق