اخبار هامةرمضانيات

قراءة في منهج العنف وعقيدة الدم

ثقافة الكهوف والمغارات

أوالموت القادم من قبور التّاريخ:

الحلقة 05

بقلم: لخضر رابحي

فأووا إلى الكهف:

نشأت حركة (الخوارج )على أطراف المدن وهوامش القرى في مناطق معزولة ونائية وشديدة الفقر قبل الإسلام وبعده “كان أكثرهم من عرب البادية وقليل منهم من كان من عرب القرى، وهؤلاء كانوا في فقر شديد قبل الإسلام، ولمّا جاء الإسلام لم تزد حالهم الماديّة حسنا لأنّهم استمرّوا في باديتهم وصعوبة الحياة فيها” (تاريخ المذاهب الإسلامية 68) ويرجع الباحثون سبب ما كانوا عليه من القسوة والغلظة إلى بيئتهم وظروف معيشتهم فالإنسان ابن بيئته: “لقد كانت المعيشة التي يعيشونها في بيدائهم (الصحراء)دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف إذ النّفس صورة لما تألف” (أبو زهرة /تاريخ المذاهب الإسلامية 59)

وكانوا مع فقرهم وحاجتهم الشّديدة أهل جهل لم يجلسوا بين يدي الصّحابة في العموم ولا بين يدي الفقهاء والعلماء في عصر التّابعين وما بعدهم

وكونهم كانوا في غالبهم من (الرّبعيين ) شكّلوا عصبية ومجتمعا منغلقا داخل نسيج الجماعة الإسلامية النّاشئة وكما قال (ابن خلدون ): “العصبية إنّما تكون من الالتحام بالنّسب أو ما في معناه” (المقدّمة 128) فالخوارج جمعهم النّسب والفقر والغضب ومحورية الثّورة ضدّ الحكّام الظّلمة الذين كانوا كلّهم بالنّسبة إليهم من قريش (مُضر) خصومهم التّقليديين من أيّام الجاهلية.

وقد ترك (الخوارج ) قديما صلاة الجماعة والجمعة بحجّة وجوب هجر الظّالمين وعدم موالاتهم كما قال( ابن تيميّة ) رحمه اللّه، وتركوا بعد ذلك حتى الجهاد مع حكّام المسلمين وصنعوا من العزلة أسلوبا للحفاظ على عقائدهم ومفاهيمهم ورآهم، وكانت نواتهم الأولى تتشكّل كلّ مرّة بعيدة عن أعين النّاس وفي مناطق معزولة وفي كهوف بعيدة، حتى نتجت عنهم أفكار الكهوف ومفاهيم المغارات التي جعلتهم في حالة عزلة وانفصال عن الواقع زمنا طويلا.

فلم يكونوا يحسنون السّياسة ولا الإدارة بل فقط القتال والحروب، فقد كانوا كما وصفهم المؤرّخون أهل شجاعة نادرة لا يخافون الموت ولا يهابون المواجهة وأهل البداوة كما قال (ابن خلدون ):”أقرب إلى الشّجاعة من أهل الحضر” (المقدّمة 125)

ومع هذه الحالة من العزلة وحياة المغارات ظهرت لهم آراء سياسيّة ناضجة كما يرى الشّيخ (أبو زهرة ) رحمه الله، ومنها قولهم بانتخاب الحاكم من جميع المسلمين دون استثناء ووجوب عزله متى سقط عنه شرط العدل، وآراء فيها تحدٍّ وجرأة ومنها جواز تولّي المرأة الإمامة الكبرى وحقّقوا ذلك ميدانيا عندما ولّوا عليهم (غزالة ) وخطبت على منبر(الكوفة)

ورأوا أنّ الحاكم ليس شرطا أن يكون من قريش بل يجوز أن يكون عبدا أسودَ أخذا بظاهر الحديث: “ولو تولّى عليكم عبد حبشي”.

لكن بالنّظر إلى تاريخهم ووقائعهم تبدو هذه الآراء ردّ فعل ضدّ الحكم القائم ونكاية فيه أكثر منها قناعات مؤصّلة ذات بعد ومغزى بدليل ما حصل بينهم في التّولية.

ثقافة المغارات في عصرالعمارات:

وفي عصرنا الحديث ظهرت جماعة ( الهجرة والتّكفير )(سنة 1969) في صعيد (مصر)ومؤسسها (مصطفى شكري )(1942-1978) من ريف أسيوط ( دعا إلى هجرالمجتمع وعدم الصّلاة في مساجد ضرار باعتبارها مساجد جاهلية (الفرق والجماعات الدّينيّة ص  403 إلى410 د/سعيد مراد ).

بل دعا إلى هجر الجامعات والمدارس وأوّل الحديث خطأ: “نحن أمّة أمّيّة لا تقرأ ولا تحسب” (البخاري رقم 1913) واعتبرها مؤسّسات للطّاغوت وللتّرويج لفكره.

ورفضت جماعة (الهجرة والتّكفير) التّفاعل مع المجتمع الذي اعتبرته كافرا وجاهليّا!

“وحثّت أعضاءها ومجتمعات المسلمين التّحرّك إلى أجزاء منعزلة من العالم الإسلاميّ لم تمسّها أيدي التّحديث، مثل أجزاء من اليمن وليبيا وشبه جزيرة العرب والسّودان والسّعي للتّطهير الرّوحيّ وتأسيس مجتمع المؤمنين المماثل لذلك المجتمع الذي أسّسه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ” (التّيّارات الإسلاميّة في مصر/ وليد محمود عبد النّاصر 31).

وظهرت في مصر (جماعة العزلة الشّرعية ) كما دعا (سيّد قطب ) رحمه اللّه إلى العزلة الشّعورية ودعا (بو يعلي ) في الجزائر إلى فكرة الاعتزال وبناء مجتمع مسلم بعيدا عن أنظار الطّواغيت الذين عطّلوا الشّريعة وأفسدوا المجتمع.

ويدعو منظّر الجهاد المعاصر(أبو محمّد المقدسي ) إلى هجر المدارس والجامعات: “ونبغض مدارس الطّواغيت وندعو إلى اجتنابها” (هذه عقيدتنا 30) وله كتاب بعنوان: (إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس).

وتتقاطع الحركات السّلفية التّقليدية مع هذه الفهوم ففي سنة 1958 أصدر الملك سعود بن عبد العزيز مرسوما بتعليم البنات، فعارضه الشّيوخ وألّبوا عليه النّاس كما وجد صعوبة في إدخال الهاتف إلى المملكة باعتباره بدعة.

يتبع….

مقالات ذات صلة

إغلاق