اخبار هامةالحدث

المقاولة.. وقود الاقتصاد الوطني

حول دورها في الحياة الاقتصادية...اقتصاديون لـ "الحوار":

 

أجمع اقتصاديون على ضرورة إيلاء الأهمية للمؤسسات المصغرة لأهميتها في منطوق الاقتصاد الراهن، نظرا لما توفره من إيرادات مالية للخزينة العمومية، والسؤال المطروح هنا، هل الدولة وفرت الظروف للشباب للانطلاق في مشاريعهم الإنمائية وتطوير الفكر المقاولاتي في الجزائر؟، وما هي الأسباب التي جعلت الفكر المقاولاتي بعيدا عن دورها المحاوري في المنظومة الاقتصادية خاصة وأن المرحلة الاقتصادية الحالية التي تمر بها البلاد منذ تراجع عائدات الجباية البترولية منذ 2014 تقتضي الإسراع في تعزيز مثل هذه المؤسسات باعتبارها العمود الفقري في المنظمات الاقتصادية العالمية.

 

  • نشاط المقاولاتية في الجزائر يقل بـ 8 مرات عن المعدل العالمي

وفي السياق أوضح الاقتصادي الدكتور بوزيان مهماه أن تعضيد الروح المقاولاتية في أوساط الشباب بات من الضرورة بمكان، هذه الروح التي ستسهم في بناء نسيج وطني مستدام ومتنامٍ من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تبقى تتسم بالتردد والخوف والإحجام مما يستدعي حقاً تعديلاً في زاوية النظر إلى كل المساعي الرامية إلى بناء المؤسسات وتشجيع المقاولاتية، خاصة وأن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ببلادنا لا يزال ضعيفا ويقل بثماني مرات عن المعدل العالمي المرجعي.

 

  • يجب عدم حصر نشاط المقاولاتية في قطاع معين

ففي إطار سياسة الدولة الجزائرية لدعم المقاولاتية في أوساط الشباب، قال مهام بوزيان إنه وبالرغم من كل الإعانات المالية المقدمة من قروض دون فائدة والمساعدات (تخفيض نسبة الفائدة) والإعانات الجبائية وشبه الجبائية، ووسائل الدعم الممنوحة على تنوعها لإنشاء وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مجالات (الصناعة، الأشغال العمومية، الفلاحة، الخدمات، الحرف) فإن تطوير الفكر المقاولاتي كمنظور وكممارسة بالجزائر لا يزال بحاجة ماسة أولا إلى توسعة في مجالات النشاط ليشمل توجهات جديدة كالصناعات البيئية والرقمية والطاقات المتجددة والصناعات التحويلية، بالإضافة إلى تعزيز المجالات التقليدية المعروفة في كل دول العالم (النشاط الاقتصادي مثل الفلاحة على الخصوص والصيد البحري واستخراج الثروات المعدنية، والبناء والأشغال العمومية، والخدمات كالنقل والفندقة والتجارة).

وأيضا (مقاولات الحبوب، ومقاولات مشتقات الحليب، ومقاولات الحوامض، ومقاولات صناعة الأدوية مقاولات النسيج.

 

  • ضرورة إنشاء هيئة عليا منسقة للفعل المؤسساتي

ومن أجل تشجيع المقاولاتية، أكد مهماه أن ذلك يتعين على مقرري السياسات العمومية إنشاء هيئة عليا منسّقة للجهد الوطني في هذا المجال يكون من مهامها التسهيل والمرافقة والتنسيق والضبط، وخير مثال على ذلك ما قامت به وزارة الشباب الناشئة في سنة 2014 بمبادرتها إلى تنظيم “الندوة الاقتصادية والاجتماعية للشباب” ووضع مخرجاتها على مستوى الوزارة الأولى والسهر على تنفيذها من قبل كل القطاعات الوزارية والمتابعة المباشرة لذلك، وقد عُقدت هذه الندوة الوطنية الأولى بمشاركة ومساهمة وحضور كل القطاعات الوزارية ذات الصلة بتطوير المقاولاتية في أوساط الشباب، وقد مثّلت آنذاك نجاحا باهرا للجهد الوطني، وكان من المفترض أن يستمر الأداء بنفس الحيوية والطموح، لكنه للأسف توقف المسار في نصف الطريق، لذلك، يرى مهماه أن البلد في حاجة إلى روح هذه الندوة الاقتصادية والاجتماعية للشباب بغية تنسيق الجهد الوطني وتحقيق الدعائم المؤسساتية الخلاّقة لاقتصاد متنوع وقيمة مضافة مرجوة.

 

  • لابد من إيجاد منظومة للارتقاء بالمؤسسات المستحدثة

يرى الدكتور مهماه أن الخطوة الأولى لنجاح الفعل المقاولاتي تكمن في مرافقة المشاريع المقاولاتية، حتى ترتقي إلى منظومة تستوعب جهد كل قطاعات التكوين والتحضير لعالم الشغل (التكوين المهني، والتعليم العالي، ومؤسسات التكوين الخاصة)، وتصب كلها ضمن منظور بناء اقتصاد متنوع في آفاق 2025، وتنخرط كل المشاريع المقاولاتية ضمن السلاسل الاقتصادية والصناعية (بحيث يكون مُنتج هذه المؤسسة هو من المدخلات لصناعة أخرى أو مادة أساسية تدخل ضمن تطوير صناعة أو مؤسسة ناشئة) وهكذا نتجاوز معضلة تشتت الجهد وضمور المؤسسات ثم اللجوء للمورد الأجنبي.

 

  • إنتاج سلسلة من النشاطات طبقا لدالة الزمن

ومن حيث خدمات التكوين والمساعدة على دراسة السوق الموجودة حاليا، قال مهماه إنها ستبقى دون الآمال المعقودة ولا تعكس حقائق المعطيات الفعلية للسوق، مما يجعلها وثائق إدارية توضع في ملفات بغرض الحصول على تمويل من البنوك، كما أنها لا ترتقي إلى مستوى توفير عناصر الحياة والاستدامة للمؤسسة الناشئة.

وفي اعتقادي أن المنظور ينبغي أن يجري تعجيله بخصوص التطوير المقاولاتي من خلال بناء “منظومة الحاجات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد” وفقا لنظرة استشرافية تستوعب معطيات التحول وعناصر قيادة هذا التحول وتطويعه، مما يُنتج لنا سلسلة من المشاريع ذات الأولوية تبعا لدالة الزمن ويمكن استيعابها ضمن صيرورة اقتصادية وطنية تُحشد لها كل منظومات التكوين والتمهين والتشغيل وأيضا الموارد المالية والمادية والمؤسساتية الكفيلة بترجمتها إلى مؤسسات صغيرة ومتوسطة.

 

  • تفعيل أنماط التمويل بما ينسجم مع نموذج الاقتصاد الجديد

هذا ودعا الدكتور مهماه إلى الإسراع لتجاوز حالة التشظي في المهام والتعدد في المؤسسات والمرافق والأجهزة المرافقة الغارقة في البيروقراطية من خلال تفعيل أنماط التمويل بما ينسجم مع النموذج الوطني الجديد للنمو الاقتصادي بما يتيح تأمينا للعملية وتوزيعا أفضل للمخاطر وتقييماً موضوعيا وحقيقيا للقدرات المالية المطلوبة لبناء المؤسسات أو توسعتها أو عصرنتها أو تنويع نطاق نشاطها الإنتاجي. وتبقى المعضلة الأم أمام تعضيد الروح المقاولاتية وهي سيطرة المؤسسة ذات “الطابع العائلي” في نسيج المؤسسات الجزائرية التابعة للقطاع الخاص، الأمر الذي يحول بينها وبين “الإبداع” وإدخال نماذج أكثر تطورا في سيرورة أعمالها مستمدة من “منتجات التطوير والبحث العلمي” مما يعيقها عن مواكبة تطور السوق، والأخطر من ذلك كله أنه يعرضها للزوال، علما أن جملة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر تبقى مرتبطة بالمؤسس (روح الأب وإرثه) لذا فهي تعاني حاليا من التقدم في السن لشريحة كبيرة من أصحابها.

 

  • كل الظروف مهيئة للانطلاق

من جهته، أوضح الاقتصادي والمختص في المقاولاتية الدكتور هارون عمر أن الدولة الجزائرية وفرت الظروف اللازمة للشباب من أجل إطلاق مشاريعهم الخاصة، واقع يؤكد الأموال المرصودة والتسهيلات الجبائية والإجرائية التي تقدمها مختلف الهيئات لكن السؤال الذي لم نطرحه على أنفسنا هو هل الشباب الجزائري يملك توجها مقاولاتيا وله نظرة لإنشاء مشاريعه الخاصة أم أنه يراهن دائما على الوظيفة والأجر الثابت.

 

  • التراكمات التاريخية تؤكد توجه الجزائري لاحتراف التجارة والفلاحة

وفي السياق، أكد هارون أن التراكمات من الأسباب التي جعلت الشاب الجزائري لا يفكر في إنشاء مصنع مثلا، فالتراكمات التاريخية بينت أن نشاط الجزائري عبر العصور لم يكن في حياته مصنعا أو منشئا للمؤسسات والثروة بل كان تاجرا وفلاحا وهو ما يجعل اندماجه في السياسة المقاولاتية أمرا صعبا يقترب من المستحيل.

 

  • منح القروض مرهون بتنظيم أيام تحسيسية

هذا وأشار هارون إلى أن الحملات التحسيسية ومنح الأموال للشباب غير كاف لإدماجهم في هذا السياق، وأضاف يقول يحضرني كلام مالك بن نبي في كتابه المسلم في عالم الاقتصاد حين يقول “أي فن اجتماعي أو مبدأ اقتصادي لا يمكن أن يكون صادقا إلا إذا وجد في وضع لا يتعارض فيه مع عناصر المعادلة الشخصية السائدة في الوسط الذي يراد تطبيقه فيه”، وعناصر معادلة شخصية الجزائري لا تملك مقومات مقاولاتية لهذا وجب أن نتحول من الحملات التحسيسية التي تقودها مختلف الهيئات إلى التكوين المتخصص في المجال المقاولاتي وهو أمر ناديت به في كل مداخلاتي خلال الملتقيات الوطنية وكان آخرها في جامعة خميس مليانة أو في اللقاء المباشرة مع المسؤولين، بل أضيف بوجوب تطوير برنامج تدريبي خاص بالجزائر يفرض على الشاب الراغب ولوج عالم المقاولاتية دخوله لمدة تتراوح ما بين 3 إلى 6 أشهر وهي مرحلة عادة ما يتطلبها الملف للمرور بمختلف مراحله، أما أن نقدم المال والتسهيلات لوحدها فهذا لن يخلق لنا مقاولات ولا مؤسسات صغيرة ومتوسطة بل سيكون أداة لخسارة الأموال.

نصيرة سيد علي

مقالات ذات صلة

إغلاق