الحدث

السياحة الروحية القوة الاقتصادية الناعمة للجزائر

حول السياحة الروحية.. اقتصاديون وباحثون في المعتقد الشعبي لـ"الحوار":

 

 

أزيد من 700 مليار دولار قيمة عائدات الأضرحة سنويا

 

إعداد: نصيرة سيد علي

 

قررت الحكومة في السنوات الأخيرة التوقف عن إنجاز العديد من المشاريع الكبرى نظرا لغياب السيولة النقدية نتيجة شح المخزون المالي للجزائر والاضطرابات المالية التي تتخبط فيها، وحتى تضمن عائدات تمويلية جديدة لتفادي الأزمة انتهجت العديد من السبل، منها اللجوء إلى الاستدانة من البنك المركزي وسياسة القرض السندي والتمويل غير التقليدي، كما دعت إلى التنويع الاقتصادي لضمان در الأموال خارج المحروقات، علما أن الجزائر بإمكانها الخروج من هذه الوضعية المالية الصعبة إذا أحسنت استغلال القطاع السياحي بكل أنواعه الذي تراهن عليه الحكومة باعتباره قطاعا منتجا، وفي مقدمته السياحة الروحية أو الدينية.

 

الأضرحة ودورها في إنعاش خزينة الدولة

أوضح الباحث في المعتقد الشعبي والتراث المقدس عمر بن عيشة في تصريحه لـ”الحوار” أن الجزائر بإمكانها استغلال الأماكن المقدسة كأقطاب سياحية، علما أن الجزائر تتوفر على 6 آلاف ضريح، ما لا يقل عن 80 مليار سنتيم، وأضافت الدراسة التي شملت 75 ألف ضريح عبر الوطن، والتي أنجزها الباحث الأستاذ عمر بن عيشة، أن رقم 6 آلاف يخص فقط الأضرحة الكبيرة والمعروفة عبر الوطن، لأن بعض الولايات نجد بها ما لا يقل عن 350 ضريح، تدر الملايير من الدينارات سنويا.

 

الاقتصاد غير المادي يذهب هباء منثورا

كشف بن عيشة أن هذه المبالغ هي ما يدخل صناديق الأضرحة، ولم تستغل في تمويل المشاريع الاقتصادية، ويمكن عدّها بشكل دقيق، وهي متأتية من أموال الصدقات والهبات التي يضعها زوار الأضرحة والأولياء في الصناديق، ويمكن للجان الضريح أن تحصيها، وتشمل أموال “الزردات” وقراءة القرآن في الجنائز، وغيرها أو ما يعرف بـ”الاقتصاد غير المادي”.

 

أزيد من 700 مليار دولار قيمة عائدات الأضرحة سنويا

تتراوح عائدات الأضرحة التي تحوي في رحمها أولياء الله الصالحين، التي تعج بها أرض الجزائر، أزيد من 700 مليار دولار، سنويا، وبحسب الباحث الأكاديمي عمر بن عيشة الذي كشف لـ “الحوار” فإن عائدات ضريح الولي الصالح سيدي لخضر بن خلوف الذي ينظم موسمه مرتين في السنة، تقدر بـ 80 مليار سنويا، والذي ينظم موسمين كل سنة، فيما بلغت عائدات الولي الصالح سيدي عبد الرحمن الثعالبي بالقصبة الجزائر السفلى ما يربو عن 4 مليار سنتيم سنويا، زيادة على 4 قناطير من مادة الشمع، و4 قناطير سنويا من الحنّة، فيما يحقق سيدي الرقاني ما قيمته 4 مليار سنتيم، سيدي بومدين الغوث 3 مليار سنتيم، سنويا، سيدي محمد الرقاني 3 مليار سنتيم، ضريح شيخ محمد أولحسين 2.5 مليار سنتيم، وسيدي محمد بن عودة 600 مليون، وسيدي عبيد 700 مليون، وسيدي محمد بوقبرين الكائن بحي بلكور بالجزائر العاصمة تصل إراداته سنويا بين 40 إلى 50 مليون سنتيم.

 

المزارات الروحية تغتنم فصل الصيف لإدرار الأرباح

أوضح الأستاذ عمر بن عيشة أن القائمين على الأضرحة يستغلون نهاية شهر ماي وتنتعش شهر جويلية وأوت، لتضاعف قيمة المبالغ المالية، واختيار هذه الأشهر لتنظيم مواسمها حسب ذات المتحدث ليس اعتباطيا، بل لعلمهم أن هذه الأشهر تصادف مواسم الأفراح والزواج والإعلان عن نتائج المسابقات ونهاية الموسم الدراسي، كما ترتفع هذه القيمة في الاحتفالات الخاصة بمواسم الزيارات التي تصادف فترة معينة في السنة.

 

الأموال المحصلة بالملايير في غياب قانون لتنظيمها

الجدير بالذكر أنه لا يوجد قانونٌ يحدد الجهة المسؤولة أو المخولة بإدارة عائدات هذه المعالم، ولا توجد رقابة صارمة ولم تصدر الدولة قانونا يحدد عمل ومهام والنشاطات التي تنظم في رحاب تلك الأضرحة عبر مواسمها، حيث من المفروض يقول بن عيشة أن تتقاسم كل من وزارة السياحة والثقافة والشؤون الدينية مسؤولية إدارتها، ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول مصير الملايير من عائدات المزارات والأضرحة، التي تبقى عرضة للنهب والسرقة، دون أن يستفيد منها أي قطاع في تطوير ما يُعرف بالسياحة الدينية أو الروحية.

وحسب ما استقيناه من الباحث عمر بن عيشة، أن الجزائر تكتنز في رحمها أزيد من 75 ألف ضريح ومزار، وتتركز بشكل كبير في الغرب الجزائري، والتي يتواجد بها 350 ضريح ومزار، حيث تلجأ بعض الأعراش يقول بن عيشة إلى تشييد قِباب ومزارات على الأجداد من الشخصيات التي تنتمى إليها، والتي تحول فيما بعد إلى مقاصد للزوار وأبناء المنطقة والعرش، حيث ظهر منذ الـ 39 سنة الأخيرة ما لا يقل عن 35 مزاراً وقبة جديدة، تضاف إلى تلك التي كانت موجودة، وبعضها مصنف في إطار التراث العالمي، مثل ركب أولاد سيدي الشيخ، وأخرى مطروحة للتصنيف مثل ركب سيدي امحمد بن عودة، وضريح الشيخ الرقاني الذي يستقبل ما لا يقل عن 70 ألف زائر في  الموسم الذي يقام في شهر ماي من كل عام.

 

 

على وزارة الشؤون الدينية إنشاء صندوق خاص لجمع أموال الأضرحة

ومن أجل الاستفادة من المبالغ الخيالية التي تجنى من الأضرحة في مختلف ربوع الوطن، والتي تحول عبر قنوات مجهولة، عوض استغلالها في التنمية الاقتصادية، يقترح الخبير المالي الدكتور بشير مصيطفى في تصريحه لـ “الحوار” العديد من المسائل وفي مقدمتها ضرورة تتبع قطاع الشؤون الدينية للأضرحة، تماما مثل جميع المؤسسات ذات الطابع الروحي وهو المسؤول عن جمع التبرعات والصدقات مثل المساجد. ونظرا لأن المبالغ مهمة وكبيرة فمن المناسب يقول مصيطفى إنشاء صندوق خاص تحت وصاية الشؤون الدينية مهمته تنظيم عملية تبرعات الأضرحة وجمعها  وإنفاقها في سبل الخير وفي صيانة الأضرحة وترمييها وتطويرها، وأضاف وبما أن هذه المبالغ غير محصاة الآن بسبب ضعف التنظيم فمن المناسب أن يتمتع هذا الصندوق بصلاحية إحصاء هذه المبالغ فضلا عن تحصيلها.

 

السياحة الروحية بإمكانها تغطية 30 ٪ من صادراتنا خارج المحروقات

ووصل مصيطفى يقول إن الجزائر تتمتع بـ 33 طريقة صوفية ويصل عدد أتباع هذه الطرق إلى 300 مليون مريد عبر العالم، ويمكن للجزائر استقطاب جزء مهم من هذا العدد لو تم تطوير الزوايا وأضرحة شيوخ الزوايا في شكل مركبات روحية كاملة التجهيز، بحيث يجد المريد القادم من الخارج شروط السياحة الروحية المناسبة وعلى سبيل المثال فإن استقطاب مليون مريد للطريقة التيجانية وحدها في السنة ومع كل سائح إمكانية إنفاق ألف أورو لأمكن دعم الاقتصاد الوطني بمليار أورو وهو ما يساوي كامل التصدير خارج المحروقات، وأما إذا ثم تحقيق وفود 10 مليون مريد فالمبلغ يرتفع إلى 10 مليار أورو أي إلى 30 بالمائة من صادراتنا من المحروقات، داعيا إلى إدخال السياحة الروحية ضمن برنامج عمل وزارة السياحة والصناعات التقليدية والشؤون الدينية معا، في إطار المخطط الوطني لتطوير السياحة.

 

السياحة الدينية خالقة للثروة

من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي بوزيان مهماه في تصريحه لـ “الحوار” أن السياحة الروحية أو الدينية تعد مدخلا جيدا لولوج باب صناعة السياحة وبناء معابر سلسة وذكية للاستثمار وخلق الثروة، فالجزائر التي تضم بين أضلعها الولي الصالح أبي مدين بن شعيب الإشبيلي المعروف بـ “سيدي بومدين الغوث” أحد أقطاب الحركة الصوفية، ومسجده “العباد” في تلمسان. كما تضم سيدي عبد الرحمن الثعالبي (الذي يمتد نسبه إلى محمد بن جعفر بن أبي طالب) القطب الغوث الجامع بين الشريعة والحقيقة، الولي الصالح والمربي الزاهد، ومسجده وضريحه بالقصبة. كما تحتضن أيضا القديس أوغسطين الجزائري في بعده الأمازيغي والفينيقي والمتوسطي والعالمي المسيحي، والذي يعتبر من بين أكبر فقهاء الديانة المسيحية وأعمقهم فلسفة وتبصرا إلى يومنا هذا، وكنيسته ”سانت أوغستين“ الضّاربة في أعماق التاريخ في مدينة عنابة الجزائرية، إضافة إلى “الكنائس الخمس”، والجزائر التي يتواجد بها مقر الخلافة العامة للزاوية التيجانية، هذه الحاضرة الروحية العامرة بـ “عين ماضي” 70 كلم شمال غرب مدينة الأغواط والتي تمثل مركز إشعاع فكري وروحي وقبلة للملايين من الأتباع والمريدين عبر العالم. كما لدى الجزائر مركز روحي يعدّ الأكبر في شمال إفريقيا، هو المركز العالمي للطريقة البلقايدية الهبرية والمتواجد بالعاصمة، وأيضا وجود مسجد كتشاوة بالجزائر العاصمة في بعده الحضاري العثماني، وهو اليوم إحدى جواهر الآثار الإسلامية في الجزائر وقطبا سياحيا يقصده المئات من الباحثين والزوار من أوروبا والعالم. ومن هذا المنظور يضيف مهماه من وجهة النظر الاقتصادية بأن الجزائر تتربع على منجم ليس من ذهب أو ماس فقط، بل منجم عالي القيمة وغير مستغل من الثروة السياحة الروحية التي تشمل مختلف معالم العمارة الإسلامية، والطرق الصوفية، والكنائس.

 

يمكن استغلال أموال 250 مليون مريد للطرق الصوفية

وأكد مهماه أن الجزائر مصنفة عالميا كوجهة صوفية منذ التاريخ ويلامس أتباع الطرق الصوفية الجزائرية سقف 250 مليون مريد عبر افريقيا والعالم، وحجم الجذب السياحي ذي الطابع الروحي، خاصة وأن الجزائر تحصي أزيد من 35 طريقة صوفية وأكثر من 900 زاوية لها أتباعها ومريدوها في الداخل والخارج، إضافة لمزارات الأولياء، و”الطرق الصوفية“ من شأنها أن تستقطب المريدين والأتباع من جميع بقاع العالم، خاصة إفريقيا ودول جنوب شرق آسيا، والزيارات والمناسبات التي تنظمها الزوايا تجمع سنويا ما يفوق 12 مليون زائر حسبما تشير إليه الإحصائيات الرسمية لوزارة السياحة حيث يتم فيها قراءة القران والذكر. وهؤلاء الأتباع والمريدون هم مفاتيح “القوة الاقتصادية الناعمة للجزائر” للتمكن من تعزيز عمقنا الإستراتيجي بإفريقيا، ولنتذكر دوما بأن الإسلام وقيمه السمحة انتشرت عن طريق التجارة والتجار.

 

أموال تذهب إلى غير مستحقيها

وعلى صعيد مماثل، قال الخبير الاقتصادي الدكتور ناصر سليمان في حديثه مع يومية “الحوار” إن زيارة الأضرحة في بعض مناطق الوطن وقصدها من طرف عدد كبير من المواطنين الذي يقدمون إليها من مسافات بعيدة هي عادة قديمة في تلك المناطق، هذه الظاهرة يصاحبها دفع للأموال للقائمين على ذلك الضريح من طرف الزوار، مما يجعل الحصيلة في النهاية معتبرة من الناحية المالية لأولئك القائمين وبالتالي مصدر رزق لهم بل ومصدراً للثراء الفاحش في كثير من الأحيان، وفيها إهدار لأموال ضخمة الوطن في حاجة إليها من جهة، والمواطن الذي يعاني من ضعف القدرة الشرائية وتزايد حالات الفقر تزيده إرهاقاً بالمصاريف من جهة أخرى، وكل هذا بسبب تفشي الجهل في بعض طبقات المجتمع، وعلى السلطات المحلية يقول سليمان في كل المناطق التي توجد فيها هذه الأضرحة وبالتعاون مع العائلة القائمة على حراستها، تحويل المنطقة إلى زوايا ومساجد قرآنية تُمارس فيها الأعمال الدينية المشروعة كتعليم القرآن والصلاة، فتصبح بعدها تلك الزيارات موجهة للزاوية وليست للضريح، والتبرعات التي يدفعها الناس تكون موجهة للإنفاق على الزاوية وتطويرها أو على المدرسة القرآنية، وليس لجيوب القائمين على الضريح.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق