الحدث

لهذا السبب أوقف “باستور” عملية شراء العقارب

سكان الجنوب يعيشون ويلات “العقارب”
حجم الإنجاب لدى العقارب يصل إلى 100عقرب في المرة الواحدة
بعض الأنواع من العقارب يمكن أن تعيش 25 عاما
100 إلى 200 شخص يموتون بلدغات العقارب سنويا
تسجيل 54653 ألف لسعة عقرب في 2017
سم العقرب يدخل في تحضير أدوية معالجة السرطان والمخ والروماتيزم

شهدت في الآونة الأخيرة مواقع التواصل الاجتماعي والشارع الجزائري موجة من السخط والغضب جراء وفاة الدكتورة الجامعية “عائشة عويسات” بلدغة عقرب، ويروي أهل الفقيدة أنها بقيت في مصلحة الإنعاش لمدة عشرة أيام بسبب تأثر قلبها وعدم وجود طبيب مختص في المستشفى الموجودة فيه، وما زاد الأمر حدة تصريحات وزير الصحة مختار حسبلاوي في مؤتمر صحافي مفاده أن العقرب حيوان يلدغ دفاعا عن النفس، فقد رأى نشطاء أن هذا يعد ابتعادا عن الموضوع والمتمثل في معاناة سكان الجنوب من هذا الحيوان الخطير.
وفي السياق أوفدت وزارة الصحة لجنة خبراء لدراسة نوعية العقارب بولاية ورقلة للإجابة على أسئلة متعددة من بينها، التطورات الجينية لهذا الحيوان، وتشكيلة السم المتواجد بداخله، وقد صرح بعض المسؤولين أن المقاومة هي السلاح الفعال لمقاومة لسعات العقارب وذلك من خلال إبعاد النفايات المنزلية عن الأحياء السكنية وتوفير الإنارة العمومية وتزفيت الطرقات والأرصفة بالإضافة إلى تشجيع عمليات الجمع من طرف الجمعيات للتخفيض من تكاثر هذا الحيوان، وعند النظر إلى آراء النشطاء تجد أن مشكل السخط أكبر من اعتباره موسميا فسكان الجنوب يعيشون هذه المعاناة منذ زمن، وكانت للحوار جولة حاولنا فيها التعرف على هذا الحيوان وسلوكه مع الإنسان وكيفية تعامل سكان الجنوب معه ومع استراتيجيات الدولة المتبعة للوقاية منه.

ماهو العقرب؟

العقرب، مخلوق سام قاتل، من أقدم المخلوقات الحية على وجه الأرض، وهو نوع من الحيوانات اللافقارية التي تنتمي إلى طائفة العنكبوتيات، لها ثمانية أقدام، تتكون من الرأس والصدر كقطعة واحدة، وله أربعة أزواج من الأرجل تنتهي بذيل مقرض صغير جدا، أما الذيل فيتكون من خمس حلقات ينتهي بلحمة، وهي الإبرة التي تلسع بها، يقدر عدد أنواعها بحوالي 2000 نوع في العالم، معظمها سامة وتختلف درجة الخطورة حسب النوع، وتتكاثر العقارب بتجاوز جنسي خاص بين الذكور والإناث يدوم حسب ما ذكر المختصون لمدة 10 دقائق، العقرب الأم بحاجة إلى عدة أشهر أو حتى أكثر من سنة حتى يكتمل حملها ويحين موعد وضعها، ويقدر حجم الإنجاب حسب الأنواع، إذ يصل إلى 100 عقرب في المرة، وبعد الوضع تتسلق الأحداث ظهر العقرب الأم كمرحلة أولى إلى أن يمر الأسبوع الرابع، يصل العقرب للنضج الجنسي في غضون 6 أشهر إلى 6 سنوات، حيث يتضاعف حجمها من 4 إلى 7 مرات أكثر.
بعض الأنواع يمكن أن تعيش إلى ما يصل لـ 25 عاماً، تتغذى العقارب على العناكب والسحالي الصغيرة والخنافس بكل أنواعها، وإن لم تجد ما ذكر تتغذى بأنواع أخرى من العقارب، أما عن حواسها فهي لا ترى ولا تسمع ولا تشم، إلا أنها تعتمد على ذبذبات واهتزازات لمعرفة فريستها، تختار العقارب المناطق الحارة موطنا لها، كما تتسلل إلى داخل الشقوق والجحور بحثا عن الرطوبة، وتصنف إلى ثلاث (العقرب الشيطاني ذو الذيل المخطط، العقرب الأسود، العقرب الشيطاني النحيل) والأكثر خطورة هو العقرب الأسود، وهي عقارب تعيش منفردة تخرج في النهار وتنام في الليل وسمها يقتل العشرات من الناس ويعزى في لسعها للإنسان أنها عندما تحمي نفسها من الخطر يتركب السم من إنزيمات ومركبات بعضها تسبب الآلام المبرحة للملسوع، ومركبات أخرى تؤثر على الجهاز العصبي، حيث تخدر الجسم وتسبب لهُ الاضطراب في التنفس وهبوط في القلب، وتبلغ الآلام والاضطرابات أشدها بعد مرور ساعة تقريباً من اللسعة.

توزع العقرب في الجزائر
تنتشر العقرب في الجزائر بشكل كبير باعتبارها دولة تغلب على مساحتها الصحراء، وتتوزع العقارب على ثلاث مناطق، المنطقة الأولى المتصفة بالحمراء، وتشمل الولايات (بسكرة، الجلفة، ورقلة، الوادي، مسيلة، أدرار) والمنطقة الثانية فمتكونة من (تمنراست، تيارت، المدية، البيض، النعامة، غرداية) ثم المنطقة الثالثة التي تقل فيها نسبة وجود العقارب فتضم كل من (بجاية، بشار، البويرة، تبسة، تلمسان، سطيف، معسكر، اليزي، برج بوعريريج، تيسمسيلت، خنشلة، تيبازة، عين الدفلى)، ولكل منطقة من هذه المناطق معاناتها الخاصة، إذ تختلف الأنواع ولكن أشدها خطورة تلك التي نجدها في ورقلة، خاصة في منطقة “لقراف” بالحجيرة، وهو نوع عالمي من حيث التصنيف، وكذلك عقرب تيوت بولاية النعامة التي تجاوز عمرها أكثر من 500سنة، والذي أصبح مقصدا لعلماء من المكسيك لدراسة هذا النوع، هذا وقد اكتشف نوع جديد من العقارب بمنطقة “تيلولين” بولاية أدرار وهو نوع “اندراكتونيساستر” وهو أحد أخطر العقارب ويتميز بوجود ذيلين بدل الواحد، ويعتبر سمه الأكثر فتكا بالإنسان. وتتصدر الجزائر مقدمة المراتب في التسمم العقربي، اذ تشير الإحصائيات إلى وجود إصابات بلدغات العقارب من 25 ألف إلى 50 شخصا في 28 ولاية، أما الوفيات فيصل عددها من 100 إلى 200 شخص في السنة، غالبا ما يكونون من الأطفال والشيوخ لضعف مناعتهم، وقد أحصى معهد باستور 54653 ألف لسعة عقرب تسببت في وفاة 58 حالة خلال سنة 2017، إذ سجلت بسكرة 6 وفيات، والبيض 3 وفيات، وورقلة 7 وفيات، وتمنراست 10 وفيات، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن عدد اللسعات في تزايد لا في تناقص، ويروي سكان هذه المناطق وخاصة النائية منهم أن هذه المخلوقات خطيرة ويزداد خطرها في حالة هبوب الرياح وسقوط الأمطار، وفي هذه الحالة تزرع بيضها في كل الأمكنة التي تعبرها ويساعدها في ذلك الرياح والأمطار.

لسعـة العقرب

تتسبب معظم لدغات العقارب في حدوث العلامات والأعراض الموضعية فقط، مثل الشعور بالألم والحرارة في مكان اللدغ. قد تكون هذه الأعراض في بعض الأحيان شديدة جدًا، حتى إذا كان المصاب لا يلاحظ الاحمرار أو التورم، وهناك أعراض تنتج عن سريان السم مثل: صعوبة في التنفس، ارتعاش العضلات أو تهيجها، حركات في الرأس والرقبة والعين غير مألوفة، ترويل، التعرق، الغثيان والقيء، ارتفاع ضغط الدم (فرط ضغط الدم)، معدل ضربات القلب المتسارع (تسرع القلب) أو ضربات القلب غير المنتظمة (اضطراب نظم القلب)، التململ أو الاستثارية أو البكاء الذي لا يطاق (لدى الأطفال)، على الأرجح يموت كبار السن للغاية وصغار السن للغاية من لدغات العقرب السامة غير المعالجة. عادةً ما يكون السبب فشل القلب أو الجهاز التنفسي الذي يحدث بعد بضع ساعات من اللدغة، بعد توجه المصاب إلى أحد المصالح الاستشفائية يتم حقنه بمصل SAS ويبقى تحت المراقبة دون شرب الماء، أو تناول أي غذاء حتى يخرج السم من جسمه.

تعايش سكان الجنوب مع العقرب

يعتبر العقرب أقدم مخلوق على وجه الأرض سيان مع الإنسان، ولهذا فسكان الولايات الجنوبية قد اعتادوا نسبيا على التعامل معه، ولهم أساليبهم الخاصة في القضاء عليه أو الحذر منه، لا بل وقد أصبحت هناك مهن خاصة بهم فقط مثل “صيد العقارب” وتصل بهم حتى للعب بها، كون المناطق نائية لا تصلها الألعاب التي تصل إلى المدن والعاصمة، حتى أصبح الأطفال يلعبون بالعقارب، وفي اتصال للحوار بأحد سكان منطقة “أم لقراد” بجنوب ولاية بسكرة وفي حدود ولاية الوادي، أكد لنا أن العقرب هي خوف من الموت أصبح الناس يألفونه ومتعودين عليه، ففي فصل الصيف يصبح الموت تحت رجليك دائما، إن لم تكن حذرا سيقبل عليك، وأحيانا إن لم تقبل عليه أنت أقبل عليك هو، فالخطر دائم ويزداد في بعض الأحيان، المتمثل في هبوب الرياح وسقوط الأمطار لأن الأمر يكون خطير جدا إذا هبت الرياح على المجمعات السكانية، فيتوجب على السكان حينها الاحتياط وإغلاق كل المنافذ المؤدية إلى داخل المسكن، وإن كانت مناطق خارج المدينة ونزلت بها الأمطار فستكون مملكة فعلية للعقارب، إذ تظهر بشكل مجنون جدا، فيتوجب عدم الذهاب لتلك المنطقة أو البقاء في سيارات مغلقة تماما.
ومن بين طرق الوقاية المنزلية من العقارب تربية حيوان القنفذ وهي طريقة منتشرة جدا في المناطق الريفية والنائية وتعطي نتائج جد ملموسة باعتباره يلتهم الزواحف والحشرات السامة بأنواعها بما فيها العقرب والأفعى، وعادة ما يضعونه في بقعة محدودة لتفادي مخاطره كونه من فصيلة الشوكيات.
وفي حالات وقوع اللدغ فإن لسكان المنطقة عدة أساليب في علاجها، منها ما هو ناجع بتأكيد من الأطباء ومنها ما هو ليس كذلك، وأولها بعد جرح مكان اللسعة وإخراج الدم منها توضع (الحجرة السوداء) على الجرح لتمتص السم وتترك إلى أن تسقط لوحدها من الجرح، وسقوطها من على الجرح هو دليل على خروج كل السم من جسم الملسوع، ثم توضع تلك الحجرة في كأس حليب ليذهب السم منها ثم ترمى، وكذا هناك طرق أخرى مثل “اللبيخة” بأعشاب مثل الرمد، والدقفت، أما عن الطرق التي لا تثبت نجاعتها فهي استعمال غاز البوتان لتجميد السم، لأن السم يستعيد حركته ما أن تزداد حرارته… وهناك طريقة أخرى والتي يشتكي منها الأطباء ويقولون إنها السبب الأساسي في موت الكثيرين، لكن سكان المنطقة يؤكدون صحتها، وباتصال للحوار مع ب.ع صرح لنا أن هناك أسماء مشهورة لرقاة لسع العقارب، وتتم عملية الرقية بعد توفر النية والإيمان، بقراءة آيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كوب ماء، ثم يقدم للمصاب فيشربه، لينتفي مفعول السم، والأمر غريب كون النصائح الطبية تمنع شرب الماء إلا أنهم يؤكدون وعن تجاربهم الخاصة أن هذه الرقية تجعل المصاب يتعافى في ظرف ساعة واحدة.

استراتيجيات الدولة في محاربة خطر العقارب

تتحدث وسائل الإعلام التلفزيونية والخاصة بمعهد باستور بأنه نظرا لخطورة العقرب، وبالمقابل أن سم العقرب نفسه يصنع منه المصل المعالج لحالات التسمم العقربي، فقد أطلق المعهد حملة جمع العقارب من الولايات الجنوبية، وهذا العرض لفائدة الشباب البطال الراغب في الحصول على مصروف من الصيد، وقد أكدت أن مبلغ العقرب 50دج، هذا وقد صرح عضو اللجنة الوطنية للوقاية من لسعات العقارب بوزارة الصحة محمد رضا سعيداني أن المعهد يستقبل سنويا 50 ألف عقرب، وهذا عدد كاف لإنتاج الأمصال للتكفل بالمواطنين المصابين في المناطق المتضررة، وقد أكد نفس المصدر أنه لا يوجد أي عقار آخر من شأنه علاج التسمم العقربي أو من شأنه أن يساعد على التخلص من هذا الحيوان الخطير، داعيا إلى القيام بحملات تحسيسية عن خطر هذه اللسعات وكيفية القيام بالإسعافات الأولية بعد الإصابة، منبها أن معهد باستور قد سجل هذه السنة أزيد من ألف و 58 حالة إصابة، وأن المعهد وزع27 ألف جرعة مصل وتعتبر كافية، ما أثار دهشتنا واستياء بعض الأطباء، إذ أن إحصاء 58 حالة لا يتناسب مع 27 ألف جرعة، وفي اتصال لنا مع أحد صيادي العقارب بمنطقة “سطيل” صرح لنا أنه في السنة الماضية قد سلم لمعهد باستور 5650 عقرب وكان ثمنها 15 دينارا فقط، بينما هذه السنة لم تجر أي عملية بيع مع المعهد كون المعهد توقف عن الشراء متحججا بالتقشف وعجز الميزانية عن شراء العقارب من صياديها، وكذا قال لنا صياد آخر من منطقة البيض عند اتصال “الحوار” به إن مهنة صيد العقارب هي أصعب المهن إلا أنها لا تؤتي أكلها، إذ تشكل خطرا كبيرا على حياة المقبلين على هذا النشاط، فهو معرض في أي لحظة للخطأ الذي يكلفه حياته مقابل ثمن زهيد جدا، إلا أنه يراها واجبه من عدة نواح من بينها نفع الغير بإيجاد حل لصنع المصل، ومن ناحية أخرى هي تعتبر مهنة متوارثة عندهم من الأجداد ويستعرض قدراته على إيجاد العقارب بمهارة تامة، وحتى حفيده الذي كان حاضرا، إذ قال أنا من سيصطادها أمامكم، وأخذ يقلب في الحجارة، ويقترب من الجدران وهو يحمل سلكا يسمى(السقاية) ثم سحبها من بين طيات حجر وأخذ يلاعبها بمهارة، ويصرح ذات المتحدث أنه جمع قرابة 12 ألف عقرب هذه السنة، معربا عن رغبته في تسليمها إلى معهد باستور مجانيا كونهم أوقفوا مبادرة الشراء، إلا أنه عجز عن توصيلها إلى المعهد باعتبار المسافة بعيدة بين العاصمة والمنطقة المتواجد فيها، وهنا يحضر سؤال هام جدا إذا كانت أغلب الولايات التي يتوزع فيها هذا الحيوان هي في الجنوب، وبتقدير المسافات الكبرى وقلة المواصلات وصعوبتها فلماذا لا يوجد مركز متخصص أو على الأقل فرع عن هذا المعهد لإنتاج المصل المعالج للسعات العقارب، فلنتخيل فقط الصياد الذي يملك 12ألف عقرب لو يحدث شيئا خارجا عن تحكمه وتهرب له هذه الكمية في مجمع سكني كهذا، هنا لن تكون الإصابات قليلة، بل ستقع كارثة لا يحمد عقباها، خاصة مع مشكل قلة المستشفيات في الجنوب وعدم احتوائها على أطباء من اختصاصات كثيرة، إلى جانب استحالة فكرة إنارة كل الجنوب، فالمساحة واسعة جدا والبدو أوسع، ناهيك عن فوائد سم العقارب الأخرى، إذ يدخل في تحضير العديد من الأدوية، أهمها علاج سرطان المخ والروماتيزم وأمراض المعدة وأنواع عديدة من المضادات الحيوية. ووجود مركز ثابت أفضل وأنجع من إرسال وفود فصلية تأتي بعد كل إصابة أو كل حالة تموت من تسمم عقربي ثم ينسى الأمر، فالعقرب موجود مذ وجد الإنسان وليس فقط مذ توفيت الدكتورة عائشة، والنظافة والإنارة العمومية وتزفيت الطرقات ليس مسؤولية المواطن الذي يتعرض للموت في أي لحظة.

إعداد: أمينة سماتي

مقالات ذات صلة

إغلاق