الحدثالدبلوماسي

بن بلة..لينين الثورة الجزائرية وأيقونة ستبقى في ذاكرة الشعوب

المفكر التونسي الصافي سعيد لـ "الحوار":

يعتبر تلميذ حسنين هيكل أول من أطلق مصطلح “الربيع العربي” وذلك حين تطرق له في كتابه المعنون بـ “خريف العرب.. البئر والصومعة والجنرال” عام 2005.
ميكيافيلي تونس يتحدث لنا في هذا الحوار المطول عن تاريخ الجزائر وعلاقته بأيقونة الثورة الجزائرية الرئيس الراحل أحمد بن بلة, وعن أفكاره من خلال تطبيق مشروع التسيير الذاتي وبناء الإنسان الجديد في الجزائر. كذلك تحدث عن تضييع الفرص في بناء المغرب العربي الذي هو الآخر أضحى يواجه تهديدات على كل المستويات, خاصة في ظل الأزمات والصراعات التي يعيشها.

وفي نفس السياق أوضح أبو الواقعية في تونس الكثير من الجوانب والتحديات السياسية والثقافية المتعلقة بالأمة العربية كالإرهاب, العولمة والأساليب الجديدة التي تستخدمها القوى الإمبريالية للسيطرة والهيمنة على الدول.

في النهاية يختم الصافي حديثه عن القومية العربية فيؤكد “أن قوة العرب تكمن في وحدتهم”.

– دعنا نتكلم عن الصافي سعيد وهو في بداية مشواره, والذي انطلق من الجزائر “ما هي الفكرة التي استخلصتها عن هذا البلد طيلة السنوات التي قضيتها آنذاك؟
– الجزائر بلد كبير وهو في الحقيقة قارة بالنسبة لدول أخرى, له مقومات كبيرة وموقع استراتيجي مهم خاصة وأنه يقع على البحر الأبيض المتوسط, لقد قضيت سنوات الأولى في الجزائر وبالتحديد 1972_1975 ودرست في معهد الصحافة والعلوم السياسية وتخرجت منه, بدأت الكتابة في جريدة الشعب (مقالات.. مساهمات), ولا ننسى آنذاك أن الصحف في الجزائر كانت أكثر من الصحفيين.
لقد كانت الجزائر في فترة السبعينات دولة مهابة, يحكمها رئيس مهاب بالرغم من أنها حديثة الاستقلال, وهي البلد الوحيد الذي احتضن كل حركات التحرر في العالم، بالإضافة إلى النقابات السرية, كان يمتلك أفضل المدراس الفكرية وبكل توجهاتها, وباختصار كانت الجزائر منارة من منارات الكفاح ضد الإمبريالية.

* أصدرت كتابا عام 1981 منعته حرب لبنان من الصدور, الكتاب حول الرئيس بن بلة تحت عنوان “بن بلة يتكلم” وقلت بأن علاقتي ببن بلة كانت في سنوات المراهقة. حدثنا قليلا عن علاقتك ببن بلة؟

– بن بلة زعيم من زعماء الثورة الجزائرية نصفه هنا بـ(لينين), وهو أول رئيس دولة للجمهورية الجزائرية وهو رجل من الرجال الكبار في العالم الثالث مثله مثل كاسترو, تيتو, جمال عبد الناصر, غيفارا وغيرهم.
وبعد فترة قضاها في السجن غادر بن بلة سجنه إلى منفاه وهذا بعدما أصدر الرئيس الشاذلي بن جديد آنذاك حكما بإطلاقه، وقتها فضل بن بلة مغادرة الجزائر لمدة دامت 13 سنة, (من السجن إلى المنفى) تقربت وقتها من محاميته الفرنسية “مادلين” وكانت كأول خطوة قيل لي يوما إنه في باريس فسافرت إليه وطلبت مقابلته, والحقيقة أن من قربني إليه أكثر هو رفيقه العفيف الأخضر هذا الأخير ساعدني لكي أقنعه بكتابة مذكراته السياسية والثقافية وتحضيرها على شكل كتاب.
لقد تعرفت على الزعيم الليبي معمر القذافي عن طريق بن بلة وهو الذي جعل علاقتي بالقذافي تتحسن شيئا فشيئا خاصة بعد الزيارتين اللتين قادتني مع بن بلة وميشال رابتيس للرئيس الليبي.- هنا يتكلم محدثنا قليلا عن رفيق الثورة الجزائرية وصديق بن بلة (ميشال رابتيس) – ذلك البطل الذي كان يملك مصنعا سريا للسلاح في هولندا ويدعم به الثورة الجزائرية.
لقد حكى لي بن بلة عن كل شيء عن الثورة, وعن فترة حكمه, ليلة الانقلاب, أفكاره وتوجهاته وتطلعاته داخل السجن وخارجه, زواجه في السجن, الاشتراكية, وعن بدايات تطبيقه لمشروع التسيير الذاتي, لقد أراد بن بلة أن يصنع الإنسان الجديد في الجزائر.
إن بن بلة شخصية فذة وزعيما لا يشق له غبار، ذلك القومي العربي, كان له وزن في العالم وهو واحد من أكبر المثقفين, وواضح الرؤية وهو أيقونة عربية, ستبقى في ذاكرة كل من عرفوه.

* كيف تقيم لنا العلاقات الجزائرية التونسية في الوقت الراهن؟
– حاليا العلاقات بين البلدين أصفها بالسيئة, رغم ما يقال عنها وبدون مجاملة, وعلى كل المستويات, لدينا نقص في التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي, حتى فيما يخص الناحية الأمنية من حيث التعاون والتنسيق والتبادل المعلوماتي.
كان يمكن أن نعمل الكثير بيننا وبين الجزائر كبناء جامعات ومستشفيات ومركبات سياحية مشتركة ونؤمن الحدود أكثر وننمي المناطق المعزولة “تنمية مناطق الحدودية خاصة”، إلا أن غياب الإرادة السياسية ومحدودية التفكير وغياب الوضوح السياسي من الجانبين والبيروقراطية المستفحلة بين البلدين منعت كل شيء.
إن بلدان المغرب العربي ضيعت الكثير من الفرص على نفسها وعلى شعوبها.. وهي لا تعرف إلا كيف تأكل الزمن أكلا.

* هل يمكن لتونس بالتعاون مع الجزائر أن تلعب دورا كبيرا في إيجاد حلول للأزمة الليبية؟
– لا أعتقد ذلك, فكلاهما يلعب دورا معاكسا مع الآخر من خلال المواقف, ومختلفين في الرؤية, إن الأمن الليبي يهدد كل الأطراف، وليبيا مساحة كبيرة وشاسعة وممتدة على إفريقيا.
نحن نعرف جيدا أن كل الدول المجاورة لليبيا لديها تجربتها في مكافحة الإرهاب لكن هذه الدول لا تتعلم من بعضها البعض ولم يتعاونوا فيما بينهم, والملف الليبي كل مرة نجده في يد قوة مهيمنة, وهذا يعود لضعف الدور لدى الجزائر وتونس لأن كلاهما لا يمتلك استراتيجيات واضحة ولم يفهما أمنهما القومي من أين يبدأ وإلى أين ينتهي, إن ليبيا ثروة كبيرة مبذرة على الأرض تتلاعب بثرواتها دول امبريالية, وفي النهاية دول المغرب العربي هي الخاسرة.

* كنت محايدا في الكثير من تحليلاتك وآرائك حول ملف الصحراء الغربية. حسب رأيك ما هي الحلول التي تراها مناسبة لحل هذه القضية؟
– لحد الساعة لا أحد يفهم القضية الصحراوية (النخب الحاكمة), هو ملف منسي ومركون ولا يوجد من يهتم به، هناك علامات استفهام وغموض لا نعرف ما هي مآلاته ولا نعرف ماذا تريد الجزائر أو المغرب وهنا أصفه بالملف (طابو).
إن مشكل الصحراء هو مشكل عويص ومعقد وهو فتيل تفجير المغرب العربي, وهو مكلف لبناء هذا المغرب, وهي بؤرة توتر تدخل من خلالها فرنسا واسبانيا وأمريكا وغيرها وهذا لحرمان الجزائريين والمغاربة من اللقاء والعلم والتجارة والانفتاح وهنا يمكن القول إن لولا مشكلة الصحراء لكان المغرب العربي على وجه آخر.

* أشرت في فقرة من كتابك المعنون بـ “جيوبوليتك الدم التاريخ الأسير والجغرافيا المتصدعة” حول قضية الصحراء قلت بأنه من يريد أن يقفز نحو الأطلسي عليه أن يثبت لنا جدارته في المتوسط، هل يمكن أن توضح لنا أكثر هذه الفكرة؟

– لقد زرت من قبل الصحراء من الجهتين, إن هذه الصحراء تفتح على الأطلس والجزائر والمغرب يفتحان على المتوسط, بالرغم أن المغرب لديه منفذ صغير على الأطلس إلا أنه يريد أن يطور فيه, وهذا حسب رأيي هو صراع نفوذ بين البلدين أي صراع الجيوبوليتك – من سيكون الأقوى في المنطقة- لكن هذه المشكلة نستطيع أن نحلها حين نجلس مع بعض ونكف عن العناد, ونصبح معا أقوى.. أنا شخصيا لا أتفق مع الطرفين.. لأنني لا أؤمن بهذه الجغرافيا.. أنا مغاربي قومي عربي.

* ما الحل؟
– الحل واضح, يجب إنهاء هذا الصراع الذي أضحى بؤرة توتر وإعادة فتح الحدود وتعزيز العلاقات بين البلدين وتكثيف التجارة والتبادل العلمي وبناء مجمعات علمية والانفتاح على الآخر والخروج من العقد الأنانية والعصبية والابتعاد عن الإدعاءات وخاصة ذلك الفيروس القبلي القديم. إن دول المغرب العربي دول راكدة وما ينقصها هو العمل.
يكفي من الصراعات ولنتعلم من الآخرين (يتحدث عن التصالح بين الكوريتين).

* هل باستطاعة حاكم قرطاج أن يلعب دورا فعالا –وساطة- في القضية الصحراوية؟

– لا يستطيع ولا يمتلك الوقت لفعل ذلك, ولا يهتم بها, لا يوجد اثنان في تونس يفهمان قضية الصحراء الغربية هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن من يريد أن يقوم بدور الوساطة فعليه أن يكون قويا. وكما أشرت لك سابقا بأن هذا الملف منسي ومركون ومن يدخل فيه يضيع لأن خيوطه متشابكة والأطراف الثلاثة لا أحد فيهم يسمع للآخر.

* تمر تونس حاليا بوضع صعب جدا, ما هي قراءتك للوضع الحالي وعلى جميع المستويات؟

– قراءتي للمشهد الحالي سيئة, لأننا نعيش تحت طائلة الديون, والشعب التونسي لا يعرف حتى غدا ماذا يفعل, نعيش كل يوم بمفاجآت فيما يخص القصر والحكومة, أحزابنا كل يوم تتقاذف فيما بينها، برلماننا فاشل, وبالتالي وضعيتنا سيئة جدا بالرغم من أن الجزائر لا تعلم بذلك.

* في منشور غردت به مؤخرا حول العمليات الإرهابية والتي وصفتها بالجبانة قلت “بأن الإرهاب صناعة وبرمجة داخلية وخارجية… نحن لا نحتاج إلى ذكاء كبير لكي نعرف من هم الإرهابيون الحقيقيون”. ما المقصود من هذه العبارة؟
وهل يمكن أن نعتبرها رسالة موجهة لفئة معينة؟
– باختصار هذا النوع من الإرهاب لم أعد أصدقه, الإرهاب هو سياسة عنيفة, يترجمها السياسيون إلى حروب ولكن بالذخيرة الحية. وعليه فهو أداة بيد السياسيين تحركه متى تشاء سواء كان في العراق أو في تونس أو في أي مكان.
وفي بعض الأحيان من يستخدمه ينقلب عليه وأمريكا كنموذج في هذا المجال.

* حسب المؤشرات الأخيرة لاحظنا تقدما من خلال ترتيبك رفقة بعض الشخصيات السياسية والثقافية في الداخل. هل سيترشح الصافي سعيد للرئاسيات القادمة 2019 ؟
– لم أقرر بعد, ولم أحسم في هذا القرار حاليا, مازال أمامنا حوالي عام ونصف, ضف إلى ذلك الأوضاع غير مستكشفة وملغزة. كذلك يجب أن تكون هناك استعدادات مسبقة لهذه الخطوة. نحن فقط نرجو أن تقع الانتخابات في مواعيدها, وفي النهاية لكل حادث حديث.

* لنفترض أنك فزت بالرئاسيات المقبلة. ما هي أولى الخطوات التي ستعمل على تنفيذها تجاه دول الجوار عامة والجزائر خاصة؟

– هذا الحديث سابق لأوانه حاليا, قد تكون لديك مشاريع حالية تعمل من أجل تنفيذها, لكن حين تكون في مركز القرار قد تتغير الكثير من الأشياء.
أمتلك الكثير من المشاريع (أنظر كتابه بعنوان تونس.. كيف نبني المستقبل) لكن في النهاية كل هذا يحتاج إلى الوقت وخريطة طريق وحسابات يجب أن نضعها في الحسبان (نحدد من هم الأصدقاء والأعداء) والتنسيق مع الشركاء الداخليين والخارجيين, فتونس عبارة عن ورشة تبدأ من حيث تشاء.

* تعتبر من الشخصيات المعروفة التي تناضل وتدافع من أجل الحريات والديمقراطيات والقومية العربية, لكن تحارب الليبرالية والرأسمالية.
هل أنت علماني, قومي عربي, يساري, اشتراكي, إسلامي؟

– إن كل ما ذكرته سابقا لا يختلف عن الآخر, فقط إلا في الدول العربية نظرا لمستويات ذهنية محدود نفتقد للثقافة.
وهل القوميون العرب غير اشتراكيين أو الاشتراكيين غير علمانيين. وهل الإسلامي غير علماني، العلمانية هي الابنة الثانية للكنيسة وتعني الاعتراف بالعلم أي استخدم “العقل البشري” والتخلي عن الأسطورة والخرافة. أما العرب مازالوا لحد الساعة يعتقدون أن العلمانية كفر. إذا كانت العلمانية كفر..فأهلا بالكفر. إن الجهل هو الكفر الوحيد.
إن العولمة هي الاستعمار الجديد للعالم “الشكل الناعم” يتدخل عن طريق التجارة والغزو التكنولوجي والديمقراطية وحقوق الإنسان غيرها وهذه هي الرأسمالية الجديدة التي تبرز فيها بعض الجوانب الجيدة وأخرى سيئة وهذا ما يطلق عليها بالرأسمال الغازي أو حسب المفهوم المتداول “المتوحشة”.

* هل كانت الدول العربية حقا بحاجة للثورة؟
– الوطن العربي كان أفضل من وضعه الحالي والدول التي قامت بثورات كلها تخلفت. وحتى لا يفهم من كلامي شيء آخر, فالذين سبقوهم كانوا أفضل ولا من خلفوهم كانوا أفضل ممن سبقوهم, الثورات لا تكون بالترهات والأكاذيب،
الثورات العربية كلها فاشلة. صحيح أن العرب بحاجة إلى ثورة, لكن من يقود هذه الثورة وإلى أين يتجه بها وما هو المشروع الذي يحضره لما بعد الثورة. لم نلاحظ هذا الشيء في دولنا. الثورة هي عنوان التقدم. لكن دائما يجب أن نطرح سؤالنا كما طرحه الروس من قبل “هل سيكون وضعنا أفضل بعد الثورة؟ هل نحن قادرون على التحكم فيها, وهل أنت قادر على إخمادها والسيطرة عليها؟
وبالتالي فهي ثورات مشبوهة تدخلت فيها كل الأطراف, وتلاعبت بدماء الشعوب. والثورة يقودها قائد ثوري, لا يقوم بها المجهولون.

* لماذا وصفت النخب العربية بالكيتش أيام الثورات العربية؟
– بالطبع النخب العربية أصبحت غير صالحة لشيء, ظلت طريق شعوبها, ووصلت إلى أزقة مسدودة فاستدعت إلى من يكمل المهمة ‘التوكيل” سواء من الداخل أو الخارج.

* من هي الدولة العربية الحالية التي ترشحها لقيادة الأمة العربية؟
– العرب أمة شبه ميتة.. لم يعد لهم صوت لا إقليمي ولا دولي. ولا يوجد من يسمح للآخر بأن يتكلم باسمه. “قوتنا تكمن في وحدتنا”.

* ما تقييمك للإعلام الجزائري؟
– هو إعلام مثله مثل باقي وسائل الإعلام في المغرب العربي, يعاني من ناحية الجودة الورقية والاحترافية الفنية, إعلامنا ضعيف مقارنة بدول عربية صغيرة.
أعتقد أن الجزائر تمتلك الموارد البشرية والكفاءات والإمكانيات المادية لتطوير إعلامها لتصبح قوة إعلامية سوى على المستوى الإقليمي أو الدولي.

* كلمة أخيرة؟
– أشكرك وأشكر الطاقم الإعلامي لجريدة “الحوار” الجزائرية وأتمنى لكم كل التوفيق في مساركم الإعلامي. مزيدا من التقدم والرقي، تحياتي الخالصة لكل الشعب الجزائري.

حاوره: الطاهر سهايلية – بتونس العاصمة-

مقالات ذات صلة

إغلاق