نقاش

العلمانيون بين الجهل بالإسلام والعداء مع الإسلاميين

الحلقة10

قد يتساءل قائل ومن حقه أن يتساءل، كيف لمثل هذه الروايات التي يقولون بصحتها وهي بالفعل مناقضة للمنطق والصواب وللقرآن الكريم ذاته أن تمر أمام أرنبة أنوف علمائنا الأفاضل منذ قرون فلا ينتبهون إليها بل يزكونها ويباركونها وتتلقاها الأمة جيلا بعد جيل بالقبول كمسلمات يكفرون كل من لم يؤمن بها؟

والجواب هو أن هذا القبول لم يأخذ مكانه كمسلمات إلا بعد أن رسخت في مخيخ الإنسان فكرة المقدس فيه، فلا يلتفت إلى عقله وهو يتلقى ذلك ولا إلى مجرد الشك في أنها قد تكون من الأكاذيب، ومما قلته للكاتب والشيخ أبوجرة سلطاني وهو يؤلف تفسيرا للقرآن الكريم أن يتحاشى فكرة المقدس في الأحاديث النبوية حتى لا يقع بدون علم في الإساءة إلى النبي نفسه عبر الإساءة إليه بكثير من الأحاديث، التي أدخلوا بعضها في تفسير القرآن الكريم.

إن كل المسلمين مطالبون بأن يقفوا اليوم أمام مظلومية النبي في تراث المسلمين قبل أن تصبح أفلاما في أوربا وقبل أن يطلع عليها غيرنا ويحولها إلى صور كاريكاتورية يثور لها المسلمون الذين لا يدرون بأن كل ذلك هو عين بضاعتهم التي ردت إليهم في قوالب أخرى غير القوالب التي يقدسونها ويقرأونها للبركة في رمضان ويتقربون بها إلى الله.

خذ مثلا الحديث رقم 2599في صحيح مسلم الذي يمتنع فيه النبي صلى الله عليه وآله عن الدعاء على المشركين ويقول إنما بعثت رحمة ولم أُبعث عذابا….ثم إبك يا أبا جرة كما أنا بكيت وأنت تعاين مباشرة الحديث رقم 2600 الذي يقول”دخل رجلان على رسول الله فحدثاه وأغضباه فلعنهما وسبهما”يا سبحان الله النبي يمتنع عن الدعاء على المشركين ولكنه يسب رجلين دخلا عليه هل هذا معقول؟، علما أن هذين الرجلين مسلمان وليس بمشركين وتحت أي باب وضعوا هذا الحديث؟وضعوه تحت عنوان”باب من سبه الرسول أو لعنه وهو ليس أهلا لذلك”بما معناه على التقريب، فهل هذا يتفق مع قوله تعالى “وإنك لعلى خلق عظيم” وأخشى ما أخشاه أن يفسر أبوجرة سورة “عبس وتولى” بأنها نزلت تعاتب الرسول كما وضعها بنو أمية وبنو العباس الحاقدون عليه ليبرئوا صاحب الفعلة الحقيقي من هذا العبوس، وماذا يفعل أبوجرة مع”واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي”، ومع الوعيد الشديد لكل من يطرد مؤمنا حبا وطمعا في غني غير مسلم “فتطردهم فتكون من الظالمين”، ومع ما صح من أحاديث تصف الرسول بأنه ما رؤي إلا متبسما صلى الله عليه و سلم.

وحين ناقشت يوما أحد المهوسين بتقديس المدنس باسم المقدس، بأن الذي عبس هو فلان وليس النبي الكريم، قال لي أستغفر الله العظيم، من هذا الكلام فلان يعبس؟، فقلت له استغفر الله العظيم لك بل أطالبك بتجديد التوبة لأنك تنسب الفعل القبيح إلى النبي وتراه صوابا وحين نسبته أنا بأنه ليس من فعل النبي بل فعله فلان قلت استغفر الله فمن هو المعصوم فلان أم النبي عليه السلام؟وتفطن الرجل للبهدلة العقلية التي هو فيها ولم يجد ما يقوله سوى قول الله ورسوله أعلم.

إن الخروج من هذا الإشكال”المقدس” ومن الخلاف بين المسلمين حول ما يسمونه مقدسا من الأحاديث النبوية يكمن في أن

1 – يجتمع المسلمون على ما هو مشترك عندهم من هذه الأحاديث، وما هو عامل مشترك بين المسلمين على جميع نحلهم ومذاهبهم يتجاوز 60 في المائة، وهذا الذي يجتمعون عليه يجب أن لا يكون مناقضا ومتعارضا مع كتاب الله.

2 – ما تعارض مع كتاب الله يجب أن يضعوه تحت الأقدام سواء رواه البخاري ومسلم أو غيرهما من السنة أو رواه الكليني والمجلسي وغيرهما من الشيعة، فما عارض القرآن أمرنا الرسول صلى الله عليه وآله نفسه بضربه بعرض الحائط.

3 – ما انفرد به كل فريق ولم يتعارض مع كتاب الله، فذاك هو الاختلاف المقبول الذي نفوض الأمر فيه إلى الله.

مقالات ذات صلة

إغلاق