نقاش

لماذا لا يعتذر المسؤولون العرب؟

سالمي بوزيان
تشتمل ثقافة الاعتذار في المجتمع على صيغ ودلالات وطقوس ووظائف أبرزها تحسين العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد عندما تتعرض للاختلال والتصدع، وقد حرصت غالبية دول العالم المتقدمة على إدراج أدب الاعتذار في مناهجها التربوية والتعليمية، وعلمت أطفالها كيف يعتذرون؟ ومتى؟ ولماذا؟. وقد ارتبط الاعتذار بفلسفة تهذيب السلوك الإنساني، ورسوخ منظومة القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية. ويأتى الاعتذار من الإحساس بالذنب، والإقرار بارتكاب الأخطاء، والفشل في القيام بالمهام والمسؤوليات، وانتهاك الأعراف واللوائح والقوانين، كما أنه له علاقة ببناء شخصية الفرد وتعويده على تحمل المسؤولية تجاه الرأي العام السائد في مجتمعه.
ويؤكد المنهج الإسلامي على ضرورة غرس هذا السلوك لأفراد المجتمع، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”، كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الوقوع في الخطأ حين قال لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه “ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا”، فالاعتذار خلق رفيع ينشأ مع الإنسان من طفولته، وتبنى عليه مراحل النمو والنضج اللاحقة للفرد وتغرس لديه قيم الصدق والشجاعة والثقة بالنفس واحترام الآخر، فالكل يخطئ ويصيب، وخير الناس من يعترف بخطئه، ويقر به، ويعتذر عنه باللغة المناسبة، ويعمل على إصلاحه.
هذا السلوك الإيجابي الاعتذار- عندما يسلكه المسؤول عندما يخطأ فإنه يعكس صحة المجتمع ونضجه ورقيه في التعامل مع القضايا المختلفة، لذلك فإنه من الضروري للمسؤولين أن يدركوا أن الرأي العام العربي يميز بين الاعتذار الصادق الإيجابي- الذي يعكس درجة كبيرة من الوعي والمسؤولية والقدرة على الاعتراف بارتكاب الأخطاء، وإنزال الضرر الاجتماعي والاقتصادي بالآخر، والاعتذار المزيف السلبي- الذي لا هدف منه إلا البحث عن طريق للخروج من المأزق والنجاة من العقاب.
وتعتبر ثقافة الاعتذار لدى كثير من المسؤولين العرب غريبة وبعيدة عن فكرهم وتصرفاتهم حيال القضايا الجدلية التي تستدعي منهم الشجاعة والاعتراف بالخطأ الذي يقعون فيه، وأن يعتذر في الوقت المناسب وباللغة المناسبة من منطلق مسؤوليته الاجتماعية نحو الرأي العام، ولكننا نرى قيمة الإعتذار تسود بيئة العمل السياسي في العالم الغربي، وتنعدم لدينا في عالمنا العربي منذ عقود طويلة، وقد يرجع ذلك إلى شعور بعض المسؤولين العرب بأن مجرد اعترافه بالخطأ واعتذاره هو انتقاص منه ومن حصيلة كبريائه وعزة نفسه، وهذا إدارك خاطئ يتنافى مع تعاليم ديننا السمحة وعاداتنا وأعرافنا وقيامنا الأصيلة الصلدة التي تربينا عليها وتعلمناها في المؤسسات التربوية.
ففي الدول الغربية تكثر مظاهر وصور ثقافة الاعتذار عند المسؤولين، وهناك شواهد عديدة منها: اعتذار الرئيس الفرنسي للموريتاني سليمان سيلا، خلال اتصال هاتفي لما تعرض له من اعتداء عنصري تسبّب فيه جمهور نادي تشيلسي الإنجليزي خلال مباراته مع نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، كما اعتذر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، عن غزو بلاده للعراق والإطاحة بالرئيس الراحل “صدام حسين”، قائلا ” أنه ارتكب خطأ عندما قرر مع الرئيس الأمريكي جورج بوش غزو العراق عام 2003، وذلك في أول اعتذار عن الحرب منذ 12 عاماً، أثناء مقابلة تليفزيونية مع قناة “سي إن إن” الأمريكية. وأقر بلير للمرة الأولى، أيضًا، بأن الحرب الأمريكية البريطانية على العراق كانت واحدة من أسباب ظهور تنظيم “داعش”.
وعلى مستوى المسؤولين الأمريكيين، اعتذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن اعتقال شرطة ولاية تكساس الطفل أحمد محمد 14 عامًا، ذا الأصول السودانية، بتهمة تصنيع قنبلة، التى اتضح بعد ذلك أنها ساعة منزلية الصنع، وغرد أوباما على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي تويتر: يجب علينا تشجيع المزيد من الأطفال مثلك على العمل، وهذا ما يجعل أمريكا بلدا عظيما، كما قام نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن بتقديم اعتذاره لدولة الإمارات العربية المتحدة على أية إيحاءات فهمت من تصريحات سابقة له بأن تكون الإمارات قد قامت بدعم نمو بعض التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وقد جاء هذا الاعتذار خلال اتصال هاتفي أجراه بايدن بالفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويبدو أن ثورات الربيع العربي كان لها عظيم الأثر على تغيير ثقافة تعامل المسؤولين مع الرأي العام عند ارتكابهم للخطأ، فثمة مؤشرات وتقارير إعلامية تناولت مواقف لبعض المسؤولين في العالم العربي قدموا فيها الاعتذار بشكل مباشر وغير مباشر وإن كانوا لم يشاركوا في هذه الأخطاء، ومن الأمثلة على ذلك: اعتذار الرئيس عبد الفتاح السيسي للفتاة التي اغتصبت في ميدان التحرير خلال زيارته لها في المستشفى، وقوله لها “متزعليش حقك علينا أنا آسف”، وقد سجل ذلك أول اعتذار من رئيس مصري وجهًا لوجه للسيدة، التي تعرضت للتحرش في ميدان التحرير، أثناء الاحتفال بوصوله إلى الحكم، وفي هذا الموقف قدم السيسي اعتذاره إلى نساء مصر خلال زيارته لضحية التحرش في ميدان التحرير في 11 جوان 2014، وقدم لها باقة ورد، ووعد بمحاسبة الجناة، وتنفيذ القانون بكل حزم، متعهدًا بألا يتكرر ذلك مرة أخرى، وطالب كل جندي بالدفاع عن عرض البلد، وطالب الأزهر والكنيسة بدراسة هذه القضية للوقوف على أسباب انتشار ظاهرة التحرش، وتحديد استراتيجية وطنية لمواجهتها، تسهم فيها المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والأمنية، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى، بما فيها المجتمع المدني.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك الأمر، فقد قدم الرئيس السيسي بتقديم اعتذاره للمحامين بعد واقعة ضرب أحد المحامين من جانب نائب مأمور قسم شرطة فارسكور بمحافظة دمياط المصرية، وهو بذلك قدم مثلا كقدوة للشعب في ثقافة الاعتذار عن حدوث الخطأ رغم أنه ليس مسؤولا عنه مسؤولية مباشرة، وأكد على دورهم في بناء الدول وتأسيس الديمقراطية داخل الوطن.
كما أُرغم المستشار محفوظ صابر، وزير العدل المصري، على تقديم استقالته لتصريحاته المثيرة للجدل بشأن عدم أحقية تعيين أبناء عمال النظافة في السلك القضائي، وذلك خلال لقائه في أحد البرامج التلفزيونية المصرية، الأمر الذي أغضب الرأي العام المصري واعتبره منافي للدستور والقانون وحقوق الإنسان، وطالبوا بإقالته.
الأمر نفسه فعله العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، بشكل غير مباشر، عندما أقال محمد بن عبد الرحمن الطبيشي، رئيس المراسم الملكية السعودي من منصبه بسبب صفعه لمصور خلال استقبال الملك سلمان للعاهل المغربي محمد السادس، وقد تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يظهر هذا السلوك السلبي. واستجابة للرأي العام السعودي، اتخذ الملك سلمان قرار الإقالة للمسؤول ليضع بذلك ثقافة جديدة وهي معاقبة المخطئ عندما يرتكب أي فعل أو سلوك سلبي لا يرضى عنه الرأي العام الداخلي.
ويبدو أن ثقافة الاعتذار تنتشر في العالم العربي يوما بعد يوم نتيجة ضغوط الرأي العام وقوته في المطالبة بمحاسبة من يرتكب أي إهانة أوخطأ، وذلك عبر تكنولوجيا وسائل الإعلام الجديد المتمثلة في المواقع الاجتماعية والإخبارية، والتي احتلت أهمية كبيرة لدى الرأي العام لمتابعة سلوكيات وتصرفات المسؤولين وتقييمها، ومن ثم المشاركة في اتخاذ القرار والحكم عليها، وهو ما حدث بالفعل في الأمثلة التي ذكرت سالفًا، فلولا الرأي العام الإلكتروني المصري والسعودي لما كان رد فعل المسؤولين بهذه الدرجة من التفاعلية مع اتجاهات الرأي العام نحو سلوكيات المسؤولين، وتبدو الأمنية مشروعة في أن يحذو كل مسؤول في الجزائر حذو المسؤولين في مصر والسعودية في تقدير الرأي العام والتجاوب معه والاعتذار عن السلوكيات والسياسات الخاطئة التي يقعون فيها.
رواه أحمد وابن ماجه وحسنه الألباني

مقالات ذات صلة

إغلاق