نقاش

البعد الأمني للسياسة الخارجية الجزائرية باتجاه دول الربيع العربي منذ2011

محمد سنوسي:

أكاديمي وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

جامعة مستغانم

 

نوفمبر 2015

 

مقدمة :

   بعد مرور 4 سنوات على بداية مشهد جديد حلّ على العالم العربي، وهذا بعد خوض الشعوب العربية معركة التحرر من النظم الدكتاتورية والاستبدادية التي حكمت الدول العربية، في غالبية مرحلة ما بعد الاستقلال، هي موجة أقل ما يقال عنها أنها أظهرت حقيقة السلطات التي تحكم الدول العربية، وأزالت الستار عن مجازر هي مستمرة لحد الساعة في كل من مصر وسوريا واليمن وكذا ليبيا، مع ذكر تونس التي نجحت في توظيف أسس الانتقال السلطوي، وخوض تحول ديمقراطي أكثر سلاسة من سابقاتها من الدول العربية، التي أكدت على تفعيل المقاربة الأمنية دون غيرها، وذلك قصد الحفاظ على ما هو قائم.

تعتبر الجزائر فاعل محوري في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل خاصة بعد دورها في محاولة استتباب الأمن، ولعبها دور الوسيط السياسي والفاعل الدبلوماسي في أكثر من مناسبة سواء في أزمة مالي، والأشواط التي قطعتها الدبلوماسية الجزائرية في عملياتها للخروج بحلول ميدانية وسياسية للأزمة، وكذا الأزمة الليبية ودور الجزائر في الدعوة  لجلسات الحوار بين أطراف النزاع الليبي قصد بلوغ اتفاق جدي لأزمة السلطة والشرعية في الدولة، والتي أضح الانفلات الأمني والنزاع الداخلي يشكّل خطرا على الدولة الجزائرية، وهذا على إثر ما تعانيه حدودها على المستويات الثلاث الهجرة غير الشرعية، وتهريب الأسلحة والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

من جهتها، تعتبر الحدود التونسية محل اهتمام كبير في جدول أعمال الحكومة الجزائرية، وهذا من منظور أحداث سوسة وما سبقها من عمليات إرهابية أكدت عقبها السلطات الجزائرية أنها تأكد التعاون الأمني والعسكري بين الحكومتين الجزائرية والتونسية، ناهيك عن التوتر الدبلوماسي التي تشهده العلاقات الجزائرية – المغربية في العديد من المناسبات والتي تهدد بعصف المقومات التاريخية والسياسية التي تربط البلدين.

فهذه المتغيرات أدت إلى تشكيل سياسة خارجية جزائرية تتميّز بعمقها الأمني، خاصة اتجاه الدول العربية التي شهدت موجات التحول الديمقراطي، ولازالت تعرف أزمات داخلية وتعاني من تهديدات أمنية، وهذا تخوفا من اتساع رقعة الشطرنج لتضم الجزائر كدولة لازالت تحتمي بالشرعية الثورية كغطاء يضمن ديمومة السلطة السياسية القائمة دون غيرها، وكذلك تخوفا من أن تنطبق نظرية الألعاب على المشهد السياسي والاجتماعي الجزائري، وتكون تبعات سقوط أحجار دومينو وتسقط على إثرها سلطة سياسية لازالت تعايش تحدّيا كبيرا أمام ما تشهده الجزائر من تقشّف مالي وأزمات اجتماعية واقتصادية تعيشها البلاد، في ظل تناقص في حجم التأييد الشعبي والدعم الجماهيري للسياسة العامة للدولة، والتي باتت تعبّر عن انفراد بالسلطة والدخول في مرحلة انسداد سياسي ستشكل العديد من العوائق أمام النظام السياسي القائم ومؤسساته.

وهذا ما يدفعنا إلى المرور بالثابت والمتغيّر في السياسة الخارجية الجزائرية، والعمل على توصيف القدرات والموارد الأمنية المرصودة لضمان الحفاظ على الحدود الإقليمية للجزائر من جه، وكذا الحفاظ على الوضع السياسي القائم في الجزائر، في ظل المتغيّرات الداخلية والتي تعدّ استثنائية، تؤكّد التحوّل العميق التي تشهده السياسة العامة الجزائرية من مرحلة التصميم حتى التنفيذ والتي بدا من الواضح تبنيها المقاربة الأمنية بدرجة عالية. فما مدى تأثر السياسة الخارجية الجزائرية بمبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، وماهي انعكاساته على السياسة الداخلية الجزائرية في ظلّ التحولات الإقليمية والتهديدات الأمنية المتصاعدة ؟.

 

  • أولا : السياسة الخارجية ودورها في تجسيد المتغيّر الأمني

   يعتبر التغيير والتأثير الموقفي في السياسة الخارجية من السمات الجوهرية التي تميّزها عن باقي السياسات التي تتبعها الدولة، وهذا لتأثر النظام السياسي الدائم بالبيئة الخارجية ومتغيّرات النظام الدولي القائم، وكذا ما تفرزه التقلّبات الدائمة لبعض الوحدات السياسية على مستوى سياساتها الخارجية، وتلعب موازين القوى الإقليمية والدولية دورا عاما في تصميم ووضع سياسات تتأقلم مع الوضع القائم، بالتناسب مع قدرات النظام السياسي وحتى عوامل قوّته ودرجاتها، حيث انصرف تشارلز هيرمان إلى التمييز بين أربعة أشكال من التغيّر في السياسة الخارجية:

أ – التغير التكيفي: والذي يمثّل ذلك التحول في اهتمامات النظام السياسي اتجاه موضوع أو قضية معينة، مع بقاء واستمرار السياسة الخارجية في أهدافها والأدوات المستعملة في تحديدها.

ب – التغير البرنامجي: ويقصد بذلك التغير على مستوى أدوات السياسة الخارجية، واستبدال المعيار العسكري بالمعيار التفاوضي والسياسي، في سبيل تحقيق الأهداف المسطرة، وذلك مع الحفاظ على الأهداف.

ج – التغير في الأهداف: ويشير ذلك إلى وجود تغيير جذري في تحديد أهداف السياسة الخارجية الخاص بنظام سياسي ما، وهذا يتبعه تغيير على مستوى الأدوات والبرامج المتبعة.

د – التغير في توجهات السياسة الخارجية: وهو أكثر أشكال التغير تعقيدا وتأثيرا على السياسة الخارجية لأي نظام سياسي، وذلك لارتباطه بتغير التوجه العام للسياسة الخارجية وما ينجر عنه من تغير على مستوى الأدوات والأهداف والاستراتيجيات المتبعة في ذلك أيضا.

ومن ما سبق يتضح أن التغير في السياسة الخارجية يكون إما بشكل نسبي أو كلّي، وعادة ما يكون السبب في هذا التغير هو أمني بالدرجة الأولى خاصة إن كان الأمر متعلق بدولة لها حدود سياسية مع دول تشهد أزمات وتهديدات أمنية ناتجة عن غياب السلطة المركزية، كحالة الدولة الليبية مثلا، فهذا من شأنه تهديد أمن الدولة كالجزائر من جهة ويهدد أمن الفرد من الشعب الجزائري، فمن هذا المنطلق يكون رصد تحول مفهوم الأمن، وعلاقته بالسياسة الخارجية للدولة مهما قصد إعطاء تصور عام لسياسة الدفاع المتخذة من الطرف الجزائري، اتجاه دول الجوار ومحيط الجوار القريب لحدودها السياسية.

لاعتبارات قانونية وأخرى سياسية يتشكل لنا البعد السياسي في تكوين القيمة الأمنية في السياسة الخارجية، وذلك يتجلى في الحفاظ على مركزية الدولة باعتبارها وحدة مستقلة ذات سيادة كاملة على أراضيها كقيمة أمنية عليا مقارنة بباقي القيم الأخرى، وهذا ما جعل مفهوم الآن مرتبط بدلالات سياسية وأبعاد تعكس فلسفة الدولة في الحفاظ على أمنها، إذ تهدف الدولة إلى تعريفه واستعماله بالشكل الذي يتناسب وتوجهاتها ويحتوي أهدافا سياسية كبرى كحماية الكيان وصيانة المصالح الحيوية من التدخلات الخارجية، وحتى التهديدات الداخلية، أي أن الاقتراب للأمن هو صورة تعبيرية عن أهداف السياسة الخارجية، بالشكل الذي ينسجم مع الفلسفة النظرية التي تصنف الدراسات الأمنية ضمن الأجندة البحثية الرئيسة في دراسة السياسة الدولية، وهذا مع استمرار التصورات الناجعة للنظرة الواقعية المحددة للأمن كأولوية في سلّم السياسة العليا للدولة، حيث يعتبر الأمن القومي المدخل الرئيسي التي تتوقف عليه مخرجات السياسة الخارجية للدولة .

ومن هنا يتضح أن البعد الأمني هو مستوى من مستويات السياسة الخارجية، لكن عادة ما تكون المتغيرات الإقليمية والدولية سببا أساسيا في التحكم بدرجات البعد الأمني، فقد يكون هامشيا في العلاقات السياسية التعاونية أوفي نماذج التكامل الإقليمي، وهذا يتجلى في نموذج الاتحاد الأوروبي الذي يهيمن على السياسة الخارجية للدول الأعضاء البعد الاقتصادي أكثر مما هو أمني، على عكس النظم السياسية العربية التي تتخذ من المقاربة الأمنية هامش مناورة تتيح لها ضمان الأمن السيادي للدولة، وهذا وفق ما تترجمه معطيات نسب التسلح وما توفره الأنظمة العربية من موارد مالية قصد تدعيم القطاع العسكري وتحديثه.

وكان الغلاف المالي المجهز للاقتناء العسكري للدولة الجزائرية في 2011 يقدر بـ 6,8 مليار دولار أمريكي، ثمّ ارتفع ليصل 9,6 مليار دولار سنة 2012، ثم استقرّ بما يقدّر بـ11 مليار دولار سنويا سنة 2013، وهذا ما يؤكّد فرضية اهتمام صناع القرار على مستوى الحكومة الجزائرية بالمتغيّر الأمني، خاصة بعد أحداث عملية تيقنتورين التي استهدفت مجمع الغاز ” الحياة ” بتيقنتورين من طرف مجموعة إرهابية مطلع سنة 2013، والتي أكدت الخطر والتهديد الأمني التي تشكله الحدود الشرقية و الجنوبية  للدولة الجزائرية، و قد زادت نسبة التهديد بعد تهديد تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش” للدولة الجزائرية حكومة و شعبا في مقطع فيديو تحت عنوان” رسالة إلى أهل الجزائر”، عقبها هجمة على ثكنة عسكرية بمدينة عين الدفلى  خلّفت مقتل 09 عسكريين وجرحى، وبعدها تتالت الاشتباكات بين القوة العسكرية الجزائرية ومسلحين إرهابيين لازالت تعصف بحلم الأمن الدائم والسلام الأبدي بالشعب الجزائري.

  • ثانيا: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، حصانة دستورية لدول الجوار

   لقد رافق هذا المبدأ جدلا واسعا، من مؤيّد ومعارض له خاصة بعد التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ بدايات 2011، وبالخصوص مع انطلاق شرارات الثورة في تونس ومصر وليبيا و ظهور مواقف المجتمع الدولي ودول المنطقة، ومع ذلك استمر غياب الموقف الجزائري من هذه التطورات التي راحت تغيّر مستقبل المنطقة بشكل تام و كلّي، وعصفت بنظم سياسية كانت في الزمن القريب جزء لا يتجزأ من العلاقات السياسية التي كانت الجزائر طرفا فيها.

 

أ – التيار المؤيّد للمبدأ:

   اتضحت رجاحة مواقف الدبلوماسية الجزائرية، التي فسرت قبلا من بعض المتتبعين أنها مواقف سلبية تجاه ما يحدث في المنطقة العربية في ظل ما يسمى بـالربيع العربي، حيث ظلت الجزائر متمسكة بمبدئها القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع الحرص على تقريب وجها النظر بين الإخوة الفرقاء ودعم الحوار السياسي والدفع نحو الحلول السلمية رافضة بشكل قطعي التدخلات العسكرية من منطلق أنها تعمل على تفتيت الدول وتمس بسيادتها بما يعرض كل المنطقة إلى أخطار محدقة، وهو ذات الموقف في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن..

والتزمت الجزائر في كل المحافل العربية بتقديم تجربتها ومقاربتها بمكافحة ظاهرة الإرهاب، التي أصبحت عابرة للأوطان إيمانا منها انه لا تنمية اقتصادية في البلاد العربية دون استقرار أمني بالمنطقة.

وعكست تصريحات الرؤساء العرب الذين زاروا الجزائر عقب بروز تحولات سياسية في المنطقة، على غرار الرئيس التونسي باجي القائد السبسي، والمصري عبد الفتاح السيسي، والفلسطيني محمود عباس، والأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني، حول المواقف الجزائرية تجاه القضايا العربية، نجاح الدبلوماسية الجزائرية في طي الأزمات وحل الخلافات بطريقة سلمية، باعتبار أن العنف لا يوّلد إلا العنف.

حيث أنّ مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، قد ساهم بنسبية في بقاء العلاقات الثنائية والإستراتجية بين الجزائر و مختلف الدول التي شهدت موجات التحوّل الديمقراطي، وكذا تعرّضت نظمها السياسية إلى التطهير العنيف من ملامح الاستبداد والدكتاتورية بعد عقود من حكم نخب حاكمة اتصفت بالدوام ورسّخت مفهوم وراثية النظم الجمهورية، و بالحديث عن الموقف الحيادي أو كما سماه العديد موقف المتتبع للنظام السياسي الجزائري، واتهام العديد من المحللين والباحثين مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، ومطالبة الدولة الجزائرية في التخلّي عنه لما كان له من تغييب للدور الإقليمي للجزائر منذ 2011، و بقاء موقفها من الأطراف المتصارعة داخل دول الربيع العربي مبهما، في ظل اعتبارها دولة محورية في منطقة شمال إفريقيا، زيادة عن عمقها الإستراتيجي في منطقة الساحل، وهذا ما يؤكّد فرضية الانكفاء الذاتي التي تمارسه السياسة الخارجية الجزائرية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وانتفاضات التغيير وذلك لضمان الاستقرار الداخلي واستتباب الأمن، في ظل الأخطار الحدودية وتأثير الجوار القريب على الداخل الجزائري خاصة على مستوى الحدود الشرقية مع تونس و ليبيا، و تزايد المخاطر اللّا تماثلية و ذلك بتزايد نسب الهجرة  غير الشرعية من الجنوب وتحول الجزائر إلى نقطة عبور للضفة الشمالية للمتوسط، وتزايد تأثير الحركات المتطرفة والجهادية على الحدود الجزائرية، و تناميها والتخوف من انتقال عملياتها إلى المركز الجزائري، هذا إن احتسبنا عملية تيقنتورين كدليل على ولوج الجماعات الإرهابية من الحدود الليبية لتنفيذ هكذا عمليات، من شأنها تهديد الأمن القومي الجزائري.

مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول لاق استحسانا من طرف القوى الغربية على غرار الولايات المتحدة، وهذا من منطلق زيارة كيري للجزائر العام الماضي، أن الولايات المتحدة ستظل داعمة للجهود الجزائرية في مكافحة الإرهاب، خاصة وأن مبدأ عدم التدخل، ليس بالمبدأ المعطّل للتعاون الثنائي في هذا المجال خاصة في قضايا الساحل الإفريقي، فهو برأيي و بعد استقراء الواقع السياسي في المنطقة و موقع الجزائر الجوهري والمحوري في القضايا الأمنية، يعتبر حصانة لدول الجوار والدائرة الإقليمية من تدخل جزائري في شؤونهم الداخلية، و توجيه سياساتهم خاصة في خضم الظروف التي تعيشها معظم دول الجوار من توتر أمني وشرخ اجتماعي يسمح لأي طرف إقليمي باللعب على أوتاره، مما يجعل الجزائر كمركز لترسيخ الخيار التوافقي بين الفرقاء السياسيين والجماعات الميدانية، التي تعيش حالة اقتتال بسبب السلطة و شرعيتها و مرجعيتها في فترة ما بعد مرحلة الربيع العربي.

ب التيار المعارض للمبدأ:

   في الطرف الآخر ينادي متخصصون بالتنازل عن هذا المبدأ الذي حسب رأيهم شلّ حركة الدبلوماسية الجزائرية، ويهدد قدرة الجزائر على الحفاظ على امتيازها من كونها قوة الإقليمية، و كذا اتساع رقعتها الجيو سياسية، وترسيخ عمقها الإستراتيجي في المنطقة.
   و قدّ أكّد الدكتور جيوف بورتر، رئيس مكتب استشارة “ناركو”، في محاضرة ألقيت في المركز الدولي للصحافة على ضرورة تخلي الجزائر عن بعض المبادئ التي ظلّت تحكم سياستها الخارجية منذ مرحلة الاستقلال، وهذا للتطور الحاصل على مستوى المنظومة الدولية، وضرورة التفاعل مع المتغيّرات الجديدة التي حلّت بالمنطقة جرّاء التدخل الفرنسي في مالي وتدخل قوات الناتو في ليبيا، مما يجعل موقف الجزائر غير مجدي في التصدي إلى مخاطر الجوار القريب التي تهدد أمن وسلامة المواطن الجزائري، على الرغم من حياد السياسة الخارجية الجزائرية وتمسّكها بالعقيدة الأمنية الدفاعية في ظلّ تهديدات تقف على حدودها منذ أربعة سنوات.

ومهما أشادت الجزائر بجودة سياستها الخارجية، ومدى قوّة و متانة العلاقات الجزائرية – العربية، فإن التساؤلات التي صدرت عن الكثير من الدبلوماسيين العرب حول المواقف التي وصفت بالمعاكسة للتيار، والتي طرحت إشكال مستقبل العلاقات العربية مع الطرف الجزائري في حالة استمرار الغموض بشأن سياسته الخارجية، مع تسجيل ربط محوري للجزائر مع الدول الغربية يفيد انسجام المواقف خارج ما هو مصدّر له على شكل التوافق الاقتصادي، بينما نشهد تباعد مع المواقف العربية بداعي المخاوف على الداخل من مؤثرات خارجية في مقدّمتها الإرهاب و ما ينجرّ عنه من انحدار في المكانة الإقليمية للجزائر بصفتها محور الاستقرار في المنطقة.

   ممّا يجعل السياسة الخارجية الجزائرية عاجزة على التفاعل مع معطيات ومخرجات نظام عالمي معاصر و متغيّر بعقيدة أمنية تقليدية و ثابتة، ممّا يستوجب مراجعة القيم الدستورية والمبادئ التي أنشئت مع قيام الدولة الجزائرية، هذه المراجعة تجعل منها بمثابة إصلاحات تتيح للدولة الجزائرية توضيح مواقفها اتجاه القضايا الراهنة، وخاصة المتعلقة بالأحداث السياسية داخل الدول العربية المتضررة و المتأثرة بتبعات التحول السياسي، و هذا ما يمكن اعتباره مجارات الانفتاح الأمني والسياسي الذي تعرفه السياسة الدولية المعاصرة.

ثالثا: أثر التهديدات الأمنية على الخارطة الإدراكية لصانع القرار في الجزائر .

   إن المتتبع للأحداث التي رافقت ما يعرف بالربيع العربي، وما يعتبر انتفاضات الشعوب ضدّ النظم الاستبدادية، و يقارنها بحجم الاستقرار الأمني النسبي الذي تعيشه الجزائر على مدار العقد الأخير، سيصنّف هذه الأحداث في خانة الخطر الداهم بالنسبة للنظام السياسي الجزائري، وأنّ انعكاساته تشكل تهديدا حقيقيا على أمن وسلامة المواطن الجزائري، وكذلك تشكّل سوكا يهدد الوضع القائم في الجزائر، والذي تسعى السلطة الجزائرية إلى ضمان بقائه دون مواجهة مع الجبهة الداخلية، ومحاولة كسب السلم الاجتماعي بكلّ السبل، وهذا ما تجسّد على مدى اتجاهين:

أ توسيع نطاق السياسة العامة نحو الداخل:

   عرفت الجزائر في بدايات جانفي 2011 بما يعرف بموجات الغضب سميّت “بحركة الزيت والسكرّ”، و هذا نتاج لغلاء على مستوى المواد الأساسية التي يستهلكها المجتمع الجزائري، ومع تزامن هذه الموجة بموجات التحول و الغضب الشعبي في تونس، فإن السلطة السياسية في الجزائر لعبت على وتر الموارد المتاحة، أو ما عرف آنذاك بالبحبوحة المالية التي كانت سند النظام السياسي في ترويض الغضب الشعبي، وتصميم سياسات تنموية شاملة كان من أهمّها فتح مجال الاستثمار للشباب وبدعم مادّي من الدولة على أساس قروض طويلة المدى تساهم في ضبط معدلات البطالة، و كذا امتصاص غضب الشارع وذلك بعدّ ما ثبت جديّة الحراك في كل من تونس ومصر وما انجرّ عنهما، فكان على النظام السياسي الجزائري توظيف أدوات جديدة في تحليل الوضع المجتمعي وكيفية التعامل مع الخطر الأمني الذي يهدد أمن الإقليم من جهة، ويهدد السلطة السياسية في مرحلة تعالت أصوات منددة ضدّ سياسات الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والمطالبة بانتقال ديمقراطي سلس وسلمي دونما الاستمرار في الحكم لعهدة رابعة، من شأنها أن تهدد مصداقية وشرعية مؤسسات الدولة.

إن السبيل الاقتصادي ومتغيّر الموارد المادية الذي أخذت به الدولة الجزائرية في عملية تكثيف سياساتها التنموية منذ 2011، أثر سلبيا على ميزان المدفوعات وانعكس بصورة سلبية على الاقتصاد الوطني، وهذا نتيجة لا عقلانية الإنفاق العام على المشاريع التنموية، ممّا أدى إلى انخفاض احتياطي الصرف بمعدلات قياسية، حيث بلغ احتياطي الصرف في الجزائر سنة 2011: 182,22 دولار أمريكي مقارنة بسنة 2010 بقيمة 162,22 دولار أمريكي ,حيث أن هذه القيمة انحدرت لتصل في ديسمبر 2014 لما يقارب 178,938 دولار، ثمّ بلوغها 159,918 نهاية مارس 2015، و هذا ما أزم الوضع الاقتصادي الجزائري خاصة بعد طول عمر العجز في الميزانية العامة للدولة، و هذا ما يرجعه خبراء لسوء التسيير المالي و إنفاق غير رشيد قادته خلفيات سياسية.

وقد رافقت هذا السبيل الاقتصادي إصلاحات سياسية واسعة في جانفي 2012، مسّت مجالات وقوانين الأحزاب السياسية، الانتخابات، الإعلام وكذا قانون الجمعيات وشهدت هذه الإصلاحات توسيع نطاق المشاركة السياسية لطوائف المجتمع الجزائري، و توسيع هامش الحريات والمشارك السياسية للمرأة في المجالس المنتخبة، و فتح باب تأسيس الأحزاب السياسية دون تعقيد أو تماطل سلطوي، إلى غاية بلوغ عدد الأحزاب ما يفوق 70 حزبا في الانتخابات التشريعية لـ 10 ماي 2012، حيث اعتبرت هذه الإصلاحات بمثابة تمهيد لدستور توافقي  يتوافق والأسس الديمقراطية المعاصرة و يخرج الجزائر من متاهة الركود السياسي الذي تعيشه الجزائر، وتخطّي مرحلة سياسة أحادية التوجّه الممارسة من طرف السلطة, و إشراك باقي الفصائل السياسية و تشكيلات المجتمع المدني في رسم السياسة العامة للدولة , و هذا ما أدى إلى فتح المشاورات بين السلطة و الطرف الأخر من النظام السياسي الجزائري, تمهيدا لدستور بات خرافة سياسية بالنسبة للمجتمع الجزائر و ذلك لطول عمر التحضير له و كثرة الحجج السياسية التي رافقت ذلك .

ب التوجه نحو السياسة الأمنية في ظل التهديدات الحدودية:

  

     الجزائر بلد محوري، وكل ما يحدث إقليميا وفي دول الجوار على وجه التحديد ينعكس على الأمن القومي سلبا أو إيجابا، وعليه يمكن القول أن الجزائر محاصرة ببيئة متوترة، ولا يبدو في الأفق القريب أو المتوسط أن هناك مؤشرات استقرار في دول الجوار، وكل هذه الظروف تحتم وضع إستراتيجية أمنية لموجهة أية تهديدات محتملة، بحيث أنّ معدّل صفقات السلاح التي أبرمتها الجزائر والمشار إليها سابقا تؤكّد الحزام الأمني الذي بادرت به الجزائر منذ بداية التوتر على حدودها الشرقية والجنوبية، وهذا ما يعكس البعد الأمني في سياسات الجزائر الداخلية و الخارجية على أساس تكاملي دون إهمال الوضع السياسي و صراع السلطة والمعارضة، و أثره على الأمن القومي الجزائري.

تكريس تجربة مكافحة الإرهاب وترسيخ الأضرار التي لحقت بالجزائر دولة و شعبا و ترجمتها في العقيدة الأمنية للأجهزة الوطنية لرفع كفاءتها وفاعليتها، تتم عبر تدوين هذه التجربة حتى يتم نقلها واستيعابها والاستفادة من الدروس المستخلصة، وهذا موازاة مع عملية تحديث وتنمية للقدرات العسكرية واستحداث برامج التخطيط الاستراتيجي على مستوى وزارة الدفاع وكذا المؤسسات الأمنية الأخرى، مع تكثيف التعاون الأمني مع دول الجوار خاصة مع تونس ما قبل و بعد العدوان الإرهابي الذي ضرب الدولة التونسية وسياحتها في الصميم.

وقد عقب التهديد الأمني في تيقنتورين وكذا العدوان على دورية عسكرية في عين الدفلى بالجزائر، حملات عسكرية طالت جميع معاقل المشتبه بها و كذا تكثيف التعزيزات الأمنية على الحدود الجزائرية مع كل من ليبيا وتونس، تحسّبا لتهديد أمني جديد أو حتى من مسعى للقضاء على عمليات تهريب الأسلحة من ساحات المعارك الليبية نحو العمق الجزائري، مع التلويح بفرضية الخلايا النائمة من جماعات متطرفة داخل الجزائر.

وتعتبر المبادرات الجزائرية في حلّ الأزمات في المنطقة على غرار أزمة مالي و جعل الوساطة جزائرية ما بين الفرقاء المتقاتلين، و كذا المساعي الحثيثة التي تبادر بها الجزائر لحل الأزمة في ليبيا، مساعي أمنية التوجه بالأساس، و ذلك من منظور دفاعي ردعي بواجهة سياسية ومساعي دبلوماسية، وهذا بإشادة مبعوث الأمم المتحدة الممثل الخاص للأمين العام بيرناندينيو ليون على جهود الجزائر و لعبها دور محوري في السباق نحو الحل السياسي الذي يرضي جميع الأطراف المتنازعة في ليبيا.

خلاصة:

   رغم الإقرار بحزمة الإصلاحات السياسية سنة 2012 والسياسات التنموية الشاملة التي استهدفت الشباب الجزائري قصد استتباب الأمن الداخلي وضمان السلم الاجتماعي، وكذا التركيز على المقاربة الأمنية في التعامل مع الإنفلات الأمني المتتالي في عدد من بؤر التوتر في الداخل الجزائري، فإنّ الجزائر لازالت تعاني من هاجس أمني مرتبط بالتوتر الأمني على المستوى الإقليمي وتصعيد أعمال العنف في الجوار وغياب المؤسسات في ليبيا لضبط الحركات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الدولة ” داعش “.

من جهة أخرى، يلعب الركود السياسي في مرحلة ما بعد رئاسيات 2014 نوعا من التهديد على أمن الجزائر القومي وهذا لدرجة الانسداد السياسي مابين السلطة السياسية وقوى المعارضة، وقد لعبت الأزمة الاقتصادية التي رافقت انهيار أسعار البترول دورا هاما في تذبذب السياسة الجزائرية في الفترة الأخيرة، وذلك لسبب وحيد وهو أن العنصر الأساسي لدرء موجات الغضب السياسي التي أسقطت أنظمة الحكم في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية ، هو العنصر الماديّ ومدى تعامل السلطة السياسية في الجزائر مع الموارد في سبيل كسب نوع من الرضا الشعبوي يبقيها خارج سرب ما يسمى بالربيع العربي .

وعن السياسة الخارجية، فإنّ الجزائر لازالت تمارس سياسة الانكفاء الذاتي ومحاولة التعديل السلوكي بعيدا عن الخوض في شؤون الداخلية للدول مصدر الأزمات الأمنية، وهذا ما سيشكّل في حد ذاته خطرا على الواقع السياسي داخل النظام الجزائري وسيؤدّي إلى استيراد مشاكل اجتماعية في المستقبل تعجز عن حلّها المقاربات الأمنية المعمول بها من طرف النظام السياسي في مواجهة التوترات الاجتماعية الداخلية، وهذا ما سيؤدّي إلى زعزعت الاستقرار المرهون بالسلطة السياسية الحاكمة واندثار العلاقة الارتباطية التي روج لها رجالات النظام السياسي في الجزائر مابين السلم الداخلي والسلطة الحاكمة، حيث لا يظهر أي مؤشّر فعلي،  يسمح بالتنبّؤ بتغيير على مستوى السياسة الخارجية الجزائرية، أو حتى مراجعة مواقفها مع دول الجوار القريب ومناطق التوتر في الشرق الأوسط، وهذا ما يجعل من مخرجات السياسة الخارجية الجزائرية عبارة عن سلوك موقفي صامت، يتسم بالضبابية وعدم الوضوح، و يجعل من الدور الجزائري في المنطقة ثانوي مقارنة مع دول تعتبر ذات مركز هامشي بالنسبة للنزاعات الحاصلة.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق