نقاش

حبا في الجزائر

منتصر أوبترون

09 أكتوبر 1957، أعدم شفيق مزي بالمقصلة، وقد صرح أمام جلاديه “علّمنا مصالي أن الحرية تنتزع ولا تعطى. أنا مستعد لأن أموت من أجل أن يحيا وطني!”.

قبل الفجر، غادر مزي شفيق جناح المحكوم عليهم بالموت إلى الأبد..”أطلب منكم العفو.. صلوا من أجل روحي..الوداع يا إخواني”.

يتقدم مزي شفيق –محاطا بالحراس- تحت ثقل هذه الكتلة المسماة “سجن برباروس”، المتداخلة في هذه الليلة الخريفية. الإخوان الذين يملأون الزنازين يترقبون مروره، ويستمعون بألم إلى كلمات وداعه الأخيرة.. هذا الصوت المألوف الدافئ الذي تردده جدران السجن العملاقة، وينتهي في أعماق الأروقة اللامتناهية. وقع أقدامهم يُسمع من بعيد.. المساجين –واقفين في زنازينهم- يتلون الدعوات كالعادة، ويرتلون صلواتهم، وينتظرون بقلق اللحظة الأخيرة التي تضع حدا لحياة كرست لتحرير الوطن من نير الاستعمار.

هكذا كان الأمر منذ انطلاق الثورة.. المشاهد المرعبة والممزقة نفسها، تصبغ كل صباح أو فجر عشرات الآلاف من الوطنيين، عبر كل “باسيلات” الجزائر. شفيق مزي، مثل الكثير من الآخرين الذين دفعوا حياتهم فدية لقضية وطنية، صعد إلى منصة المقصلة بشجاعة مدهشة، بكبرياء وشرف مثاليين.

يوم اختاروا حزب الكفاح، أقسموا أمام الله بالمضي حتى النهاية، من أجل رفع شعبهم وإعطائه مكانة تحت الشمس، كانوا يعرفون أنه ليس هناك عائق يقف أمام حلمهم النبيل بقناعة وشجاعة وكبرياء. في فجر 09 أكتوبر 1957، صاح شفيق مزي لجلاديه وأيضا لإخوانه الذين كانوا يتابعون بتفان الإنجاز العملاق “لبعث” الوطني.

“مصالي علّمنا أن الحرية تنتزع ولا تعطى.. أنا مستعد للموت من أجل أن يحيا وطني”.

ولد شفيق مزي 29 مارس 1929بحيدرة، بجنان نفيسة الحروال، زوجة عبد القادر ملزي، بشارع لامادلين. منذ صغر سنه انخرط في حزب الشعب الجزائري، ولم يتوقف أبدا عن بذل نشاط كبير داخل المنظمة، مرورا بحركة كشفية أنشأها تحت اسم “فوج الكفاح”، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، المنظمة الخاصة، حتى الحركة الوطنية الجزائرية.

منذ اندلاع الثورة، نشط لتكوين مجموعات فدائيين (المتطوعين للموت) بالأبيار، المجموعة التي كان يقودها كان ينتمي إليها إخوته الثلاثة” صالح مزي، محمد وعلي. فدائيون آخرون تقاسموا المسؤولية نفسها، مثل “علي خيضر”، “عمار بريك”، “لونيس خوجة”، “موسى عمر”، “عيسى شادولي”، “رزقي مجيرة”، “علي ضياف”، “علي تومي”، “أحمد سليماني”، “لوناس ملوح”، “حمو قلتي”، “عبد القادر لعروسي”، “أحمد زغلي”.

نشاطات هذه المجموعة امتدت إلى الابيار، شارع لامادلين، حيدرة، كولون فوارول، شراقة، بن عكنون، بوزريعة، وكانت طليعة جيش التحرير الوطني، بسبب محاذاتها للجبال المحيطة، كانوا يسهرون على التنسيق والتموين بالسلاح والمؤونة، جمع الأموال والتجنيد لتقوية صفوف جيش التحرير الوطني. وبدا شفيق ملزي كمحارب لا يتعب ومنظر كبير. بعد أن ألقي عليهم القبض خلال عام 1955، حكم على الإخوة محمد وصالح وشفيق مزي، وكذا بريك عمار، بالموت من قبل المحكمة الدائمة للقوات المسلحة بالجزائر، يوم 14مارس 1954، وحكم على رفاق الكفاح الآخرين بالأشغال الشاقة أمام المحكمة.

الكل تبنى انتماءهم لفدائيي الحركة الوطنية الجزائرية وارتباطاتهم بجيش التحرير الوطني، وكل العمليات التي أدينوا بها، وعرفوا أنفسهم كطليعة جيش التحرير الوطني، وألحوا للمحكمة على كون عملياتهم تدخل في الإطار العام للكفاح المسلح ضد الاستعمار من أجل التحرير الوطني لبلادهم “تريدون رؤوسنا سيدي الرئيس؟ موافقون، مادام شعبنا سيسترد كرامته وأيضا حقه في الحياة بعدها، ومادام أن الشعب الجزائري كله سيعيش في وئام وسلم وأخوة”، هكذا قال المتهمون –الواحد تلو الآخر- لقضاة المحكمة، تساندهم المحامية نيكول دريفوس.

تم تخفيض الحكم بالموت على عمار بريك والإخوة مزي إلى مؤبد مع الأعمال الشاقة، ونفذ الإعدام في شفيق مزي يوم 09 أكتوبر1957 بسجن سركاجي بالجزائر. لقد اختار هذا الطريق من أجل الحرية والكرامة، دون حساب أو مطامع، فهو ليس بطلا عظيما ولا جنديا انتحاريا، لقد كان –ببساطة- رجلا حكيما، هادئا، ولكنه حازما. كان بإمكانه أن يعيش حياته بطريقة أخرى، في فلاحة أراضي أجداده المقيمين بفحص الجزائر منذ 4 قرون، بعيدا عن الحاجة، لكن.. كان له مثل أعلى.. هذا المثل -الذي ضحى من أجله بكل شيء وقدم حياته في سبيله- بدأ يظهر في الأفق، وبالفعل فإن دماء شفيق مزي وكل الشهداء الآخرين لم تنزف سدى، وبانتشارها على هذه الأرض الجريحة أنبت الأمل والسعادة وفرحة الحياة التي تقطفها في صباح ربيعي شبيبة حية تنشد الغد السعيد، لأنها لن تعرف إلى الأبد –مثل سابقاتها- مشاعر المآسي وإعدامات الفجر.

** ** **

هذه الوثيقة كتبها سنة 1957 السيد براهم ملزي، المدعو مزي، والد الشهيد، المولود عام 1898 بحيدرة. ويجب أن نعرف أن عائلة الفلاحين هذه –وجدها عبد العزيز العذراوي- قد دافعت دوما عن القيم العريقة المرتبطة بالأرض، مع زوجته بورصاص، المولودة بالقصبة، ساندوا أبناءهم في نشاطاتهم الوطنية، ابتداء من الكشافة، وكل ماهو مرتبط بتحرير الجزائر.

في هذه الملكية الواقعة على طريق لامادلين –أعالي حيدرة حاليا- عقدت اجتماعات سرية قبل اندلاع الثورة، ومن بين الشخصيات التي شاركت فيها نذكر: مصطفى بن بولعيد، بن مهيدي، حاج بلقاسم البيضاوي، بيطاط، ديدوش مراد، العربي التبسي، بوضياف..الخ. كما مر بها مصالي الحاج، الذي جاء ليقف على أخبار حزبه. هذا البستان، من فحص العاصمة القديم، كان ينتج أجود الإجاص (سانتاروزا) في المنطقة، إلى درجة أن براهم ملزي توج عام 1951 بلقب “فارس الاستحقاق الزراعي” من طرف وزير الفلاحة الفرنسي.

ويجب الاعتراف أن هذا التتويج كان يشكل أفضل حماية للوطنيين الذين يرتادون المكان، تحت غطاء عملاء زراعيين.

وعندما سمع “يوسف مزي” خبر إعدام أخيه بسركاجي والحكم بالموت على إخوته محمد وصالح وعلال –وكان أيامها يؤدي الخدمة العسكرية بفرنسا- فر مع مجموعة كبيرة من رفاقه من الثكنة، بعد أن استولوا على السلاح والذخيرة، وسقط في ميدان الشرف بعد بضعة أشهر على الحدود الغربية وعمره 24 سنة.

المجد لشهدائنا الأبرار الذين ماتوا حبا في الجزائر، وليُسمح لي أن أقول لأن هذه الوثيقة جديدة، تنتمي إلى الجزء الناقص من تاريخنا، لأن رجالا اختاروا أن يبقوا أوفياء للأب المؤسس والمشرف، مصالي الحاج، أب الثورة الجزائرية..

مقالات ذات صلة

إغلاق