نقاش

لماذا تخلفت الجزائر و تقدمت ماليزيا ؟

باحث في الدراسات الآسيوية/جامعة الجزائر

فاروق أبي سراج الذهب طيفور:

التعانق بين الإسلام والحركة السياسية

في ضوء المحددات السابقة، فإن الصورة المثالية لعلاقة الإسلام بالحركة السياسية عند مهاتير محمد هي صورة التعانق، والتي تعني: انطلاق الحركة السياسية فكرًا ومؤسسات وممارسة من مرجعية إسلامية تشكل السقف الحاكم للحركة السياسية.

وأبرز سمات هذه الصيغة من العلاقة   وفقا لمهاتير- وجود مرجعية عليا للحركة السياسية تتمثل بالقرآن والسنة الصحيحة ثم الإجماع والقياس، الاعتراف بدور ومكانة الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها التنزيلية، الاعتراف بغير المسلمين في المجتمع اعترافًا يرتب لهم حقوقهم وواجباتهم، سيادة القيم الإسلامية في الوجود السياسي، ويعطي هنا مهاتير قيمة العدل المرتبة العليا بين القيم السياسية متناغمًا بذلك مع عموم الفكر السياسي الإسلامي، وضوح مفهوم الأمة الواحدة في فكره ورفض كافة أشكال القطيعة مع هذا المفهوم من خلال التقسيمات الطائفية والفكرية، إلاّ أن هناك قيودًا عديدة يذكرها مهاتير تحد من إمكانية الوصول إلى الصيغة المتعانقة بين الإسلام والحركة السياسية، وأبرزها -على الرغم أن الإسلام هو الدين الرسمي في ماليزيا إلا أن نصف السكان تقريبًا من غير المسلمين – أن الحكومة فتحت الباب للعديد من المستثمرين الأجانب، وأغلبهم غير مسلمين، لم يتم إلى الآن تقديم الأحكام الإسلامية بصورة شاملة دقيقة، ويرى مهاتير أن تطبيق الشريعة ليس بالأمر الهين البسيط وتحتاج إلى جهد معرفي وفكري كبير يقوم على التعاون بين العلماء والمفكرين في شؤون الحياة المختلفة .

إن التعامل مع مقاصد الشريعة وقيمها ومن ذلك العدل يثير نقاشًا حول الحدود لدى مهاتير، إذ إنه يرى أن المجتمع الماليزي يتكون من غير مسلمين وهؤلاء لا تطبق عليهم الحدود كقطع اليد في السرقة، وبالتالي يبرز السؤال – في حال إقامة الحدود – حول مسألة العدل بأن تقطع يد المسلم ولا تقطع يد الكافر في نفس نوع السرقة في ذات المجتمع.

  • الإسلام والتعايش مع الحركة السياسية

تشكل هذه الصيغة جوهر الرؤية الواقعية لمهاتير محمد، والتي تحاول التوفيق بين الرؤية المثالية للإسلام وبين محددات الواقع الإسلامي بشكل عام والماليزي بشكل خاص، من خلال رؤية واقعية تستند على فهم محددات وشروط الواقع وإمكانياته، وتقوم هذه الرؤية على أن الواقع لم يشب بعد عن الطوق، ويصير مؤهلاً لتنزيل مناط الشرع عليه، بقدر ما يوفر مناطًا للتعايش معه، ومن أبرز سمات علاقة التعايش عند مهاتير: التسليم بقدر من التقبل المشترك من قبل الحركة للإسلام ومن قبل الإسلام للحركة، بما يسمح لكل منهما أن يتعايش مع الآخر، وهذه المعايشة تعني قدرًا أقل لفاعلية الإسلام وتأثيره على الحركة السياسية، ولتعامل الحركة وتعلقها به، إن مساحة التعايش تظل في اضطراب، ويبقى التعايش وصفًا طارئًا غير مستقر، لكن وجوده مرتبط بأحكام الضرورات الشرعية، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب.

 

  • الإسلام وتغيير الحركة السياسية:

ترتبط هذه الصيغة في فكر مهاتير بحرص الفعالية الإسلامية على عدم القبول بحالة الانفصام بين الإسلام والمجتمع والسعي الدائم إلى تغيير الواقع، كي يصل إلى مرحلة التعانق مع الإسلام، وهذا الأمر يتطلب تغييرًا على مستويين: الإسلامي العام، والماليزي الخاص.

أما دواعي التغيير على المستوى العام فأبرزها: أن الوصول إلى الإسلام لن يأتي من فوق؛ بل هو ثمرة تغيير ذاتي وجهد واضح من المسلمين في الوصول إلى الإسلام القادر على الإجابة عن أسئلة الواقع، تزايد حركات الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي والداعية إلى الموائمة بين الواقع وبين الإسلام من خلال مشاريع الأسلمة: أسلمة المعرفة، أسلمة المجتمع، أسلمة الحكم .. إلخ، وظهور العديد من المشاكل المستحدثة التي تتطلب جهدًا كبيرًا من علماء المسلمين للتعامل معها برؤية إسلامية، الأمر الذي يتطلب الاجتهاد والتجديد، وما آل إليه الواقع الإسلامي من تطاحن ومشاكل، الأمر الذي يستدعي من المسلمين العمل على تعزيز عناصر الوحدة والتكامل. ويدعو مهاتير المسلمين في هذا السياق النظر إلى الواقع الماليزي وحالة التعايش مع الإسلام وتجاوز الخلافات الثقافية الحادة.

أما دواعي التغيير في الواقع الماليزي فترتبط بالأزمات الأخيرة التي يشهدها المجتمع الماليزي، ومنها: تدهور قيمة العملة الوطنية، محاولة الدول المتقدمة استغلال الدول الأخرى، ويتهم مهاتير الدول الكبرى أنها وراء أزمة دول النمور الاقتصادية المعروفة، وتزايد ضغوط صندوق النقد الدولي لاتباع سياسة اقتصادية تتوافق مع مخططه الخطير، وممارسة الدول الكبرى سياسة استعمارية جديدة يستبدل فيها الاقتصاد بالسلاح، والاحتلال المعنوي بالاحتلال المادي، وهيمنة الدولار بهيمنة الجندي.

أما كون التغيير ضرورة شرعية في التعامل مع الأزمة الاقتصادية الماليزية الأخيرة؛ فإن مهاتير في سبيل بيانه لذلك يستحضر تجربة الرسول   صلى الله عليه وسلم- بالهجرة مثالاً على ضرورة أخذ الأسباب والتخطيط والعمل على مواجهة المشاكل التي تواجهها الدعوة.

  • الإسلام واستئصال الحركة السياسية:

هذه الصيغة تعبر عن عدم إمكانية الوصول إلى الصيغ السابقة المختلفة بين الإسلام والحركة السياسية، فلا يبقى أمام الإسلام إلاّ استئصال هذه الحركة – عندما تستعصي على التغيير-، والاستئصال يعني عند مهاتير: إنهاء الحركة والقضاء عليها بعد ثبات مفاسدها، والاستئصال يأتي عنده كبديل أخير في التعامل مع الحركات السياسية المختلفة.

ويرى مهاتير أن تصفية الحركة السياسية لا قيمة لها إذا لم تمتلك أدوات التصفية والقدرة عليها، والأمر الذي يجسد ذلك هو إنزال مرجعية الإسلام على الحركة في وضعها الواجب تصفيته، وفيمن يملك حق التصفية.

  • الإسلام والاستبراء من الحركة السياسية:

صيغة أخيرة أخرى يطرحها مهاتير في العلاقة بين الإسلام والوجود السياسي وما يرتبط به من حركات سياسية، وتتمثل هذه الصيغة بإعلان البراءة من حركات سياسية متعددة، ومن هذه الحركات:

الحركة التي تسم كل المسلمين والإسلام بالتطرف والإرهاب.

الحركة التي تساوي بين الإسلام والإرهاب وتستهتر بالإسلام، وتركز على النظر على أخطاء المسلمين والدعاة وتتحاشى النظر إلى أخطاء غيرهم.

  • حركات التطرف الديني، فالإسلام يرفض التطرف والجمود ويدعو إلى الاجتهاد والانفتاح.

– العولمة والتي يرى مهاتير أن وراءها الدول الغربية التي تهدف إلى الهيمنة والتسلط الغربي على دول الجنوب وتكريس تخلف العالم الإسلامي وتبعيته للغرب.

لكن ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق، أنّ أفكار وسلوك مهاتير ليس معصومًا من الخطأ، وبالتالي الحكم المطلق عليه يدخلنا في إطار التحيز المسبق، وهو مرفوض منهجيًا سواء من الناحية الشرعية أو السياسية، وهنا يجدر بنا في هذا السياق رصد وتحليل معالم الإيناع في تجربة الرجل وأفكاره، خاصة ما يرتبط منها بتوظيف الإسلام لخدمة مشروع التنمية والنهضة والتقدم الاقتصادي، وتجنب التورط بسياسات صندوق النقد الدولي، العملية والمرحلية والواقعية ..إلخ، وكذلك تجنب المنزلقات التي انزلق فيها ووضعت علامات استفهام على طبيعة رؤيته للإسلام من خلال المغالاة في الجانب العملي والعقلي على حساب الرؤية الاجتهادية المنضبطة، والتورط بأساليب السياسيين العلمانيين من الحيلة والتنافس وتصفية الخصوم، وهو ما أثير حول قضية أحد أقرب الناس إليه سابقًا أنور إبراهيم، والذي نقل عن مهاتير بعدها ندمه على ما فعل بحق إبراهيم.

 

سيف الدين عبد الفتاح وآخرون، الأفكار السياسية الآسيوية الكبرى في القرن العشرين، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2001، ص 215 -233.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق