نقاش

لماذا تخلفت الجزائر وتقدمت ماليزيا ؟

لماذا المقارنة بين الجزائر وماليزيا ؟

الحلقة 03

وتقوم عملية المقارنة بين الجزائر وماليزيا لأسباب إيديولوجية وإنمائية وتفاعلية، فكما هو معلوم، تنتمي الجزائر إلى الدائرة الإسلامية   العربية القومية، وقد عدت في سبعينيات القرن الماضي، المتزامنة مع تقدم اليابان الاقتصادي والتكنولوجي، البلد الأكثر تقدما في الوطن العربي، إذ علت صيحات قومية رأت في الجزائر يابان إفريقيا.

واختيارنا للجزائر لا يعني أنها حالة متقدمة على باقي الأقطار العربية والإسلامية الأخرى، مثل مصر التي سبقت تجربتها الاشتراكية تجربة الجزائر، أما ماليزيا فتنتمي إلى الدائرة الإسلامية الملاوية الآسيوية الكونفوشيوسية، الأمر الذي أهلها لأن تكون البلد الأكثر تقدما بمساعدة يابانية .

كما أن ماليزيا تنتمي أيضا إلى ذلك الجزء من العالم الإسلامي الذي كانت فيه للقضايا الاقتصادية الغلبة على جميع النواحي الإيديولوجية الأخرى، تأسيا باليابان التي ركزت جهدها الإنمائي على البعد الاقتصادي.

الشكل (8) منطقة العالم الإسلامي المشتركة بين الجزائر وماليزيا.

 

 

 

 

والمقارنة من جهة أخرى لا تتم على مستوى الانجازات في حد ذاتها، بل تتخذ من طبيعة الأداء التنموي والبناء الاقتصادي امتحانا لطبيعة الإنجاز والاستمرار، كما نهدف من المقارنة لإجراء امتحان للتنمية الاقتصادية داخل الدائرتين القومية والإسلامية: ماذا قدمت القومية العربية لاقتصاد العالم العربي والإسلامي عن طريق التجربة الجزائرية ؟ وماذا أضاف الإسلام إلى الاقتصاد الآسيوي الكونفوشيوسي عن طريق التجربة الماليزية ؟.

إن مثل هذه الأسئلة تضطرنا إلى دراسة التجربة الجزائرية في إطار الاتجاهين الإنمائيين الذين سلكتهما: الاتجاه شرقا نحو الاتحاد السوفياتي، والاتجاه قوميا (ممارسة الأداء الاقتصادي الجزائري في إطاره القومي الوحدوي).

أما التجربة الماليزية فسندرسها في إطار الاتجاهين الذين سلكتهما، الاتجاه شرقا نحو اليابان، والاتجاه إسلاميا (ممارسة التنمية الاقتصادية في إطارها الإسلامي).

ومن جهة أخرى، فهنالك قاسم مشترك بين التجربة الجزائرية والماليزية، يدخل ذلك في السياق التاريخي للجزائر وماليزيا، حيث تجمع الأحداث على أن القرن التاسع عشر تميز بتصاعد وتيرة الحملة الاستعمارية على العالم الإسلامي، وتزايد حدتها في القرن العشرين، حيث برزت في ظل هذا الوضع الحرج حركات تحريرية تطالب بالاستقلال، وما إن تحققت المطالب الشرعية للعالم الإسلامي في شكل استقلال، حتى كان للوسائل العسكرية والدبلوماسية يد طولى في تحويله إلى واقع ملموس، حتى تعمقت الخلافات بين المستعمر السابق والدول المستقلة.

وبات نتيجة لهذا الفعل المتناقض، كل ما يعرضه الغرب ويفرضه يصب في خانة القابلية للاستعمار الجديد، ونتيجة لذلك يمكن تقسيم العالم الإسلامي إلى قسمين :

القسم الأول اتخذ من الليبرالية سبيلا إلى التنمية الاقتصادية، وهو ما انعكس سلبا على كبرى شرائح قطاعاته الاجتماعية المحافظة، التي اعتبرت طريق العنف والإرهاب والتطرف برنامجا شاملا للحد من التفكيك القيمي داخل المجتمعات الإسلامية.

بينما اتخذ القسم الثاني من العالم الإسلامي الذي تنتمي إليه الجزائر، من الاشتراكية طريقا نحو التنمية الاقتصادية، وبدا أكثر تفاؤلا في مد الجسور مع الاتحاد السوفياتي بوصفه مركزا متقدما آنذاك، ومع أوروبا الشرقية باعتبارها أطرافا تابعة.

هذا القسم من العالم الإسلامي الذي تتزعمه الجزائر، رأى في الخيار الاشتراكي حلا اقتصاديا نهائيا قد تعلق بجسر غير متجانس وأطرافه على قدر عظيم من الهشاشة والضعف، وهو ما أدى إلى سقوط هذا القسم، بعد الانفتاح السياسي والإصلاح الاقتصادي، في هوة سحيقة مليئة بأشكال التخلف والعنف والإرهاب، وقد دفعت الجزائر الثمن غاليا عندما غلبت الانتماء والايدولوجيا على القيم والعقلانية.

أما ماليزيا فقد غلبت القضايا الاقتصادية على النواحي الإيديولوجية الأخرى، وغالبا ما اتخذت هذه الأولوية الاقتصادية طريقا نحو التعاون ورأب الصدع وإزالة الحواجز غير المبررة بين الغرب والعالم الإسلامي، ضمن هذه الرؤية تمكنت ماليزيا في القسم الثاني من العالم الإسلامي من النجاح إلى حد بعيد، في مد الجسور مع الغرب وإزالة معظم الحواجز السياسية والاقتصادية والثقافية، التي فرضتها الايدولوجيا أثناء الحرب الباردة، لأن ماليزيا لم تنخرط في هذه اللعبة الساخنة في آسيا، بل قلدت اليابان التي استغلت الحرب الباردة لبناء اقتصادها بقيمها التاريخية وموردها البشري بعيدا عن الاقتراض، والتجربة الانمائية للدول التي شاركت إيديولوجيا في الحرب الباردة قامت على الاقتراض، ولما انتهت الحرب، ظهرت سوءتها كما حدث لتجربة الجزائر، بخلاف ماليزيا التي ظهرت بعد الحرب الباردة أكثر فاعلية وقوة ().

يتبع….

 

ناصر يوسف، دينامية التجربة اليابانية في التنمية المركبة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2011، ص 204.

مقالات ذات صلة

إغلاق