اخبار هامةثقافة

الجماهير تودع فنان الشعب

لاتزال العاصمة تلبس الحداد، تتوشّح السواد، تبكي ابنها وأباها، تبكي شيخها الفنان الزاهد، المتصوف العابد، تنوح “اعمر الزاهي”، الذي كان ولم يعد، تنوح حبيب البسطاء، أب اليتامى، معيل الفقراء، ذاك الفقير الغني، الرجل العاصي المستعصي الذي انحنت له جمهورية من مريدين ولم ينحن يوما، ذاك الذي أضاء من عتمة الظل، ذاك الذي عاش عمره عن الإعلام في حل، ذاك الذي أعطى فنه وشبابه وعمره، عاش ما كسب مات ولم يترك سوى وصية واحدة غناها “الوحداني” و استجاب لها آلاف ممن حفظوا الوصية التي قال فيها.

استوصو عني دخيلكم يا جماعة   عند خروج الروح تحضرو يا خواني

اجمعو عندي و عظمو الحق ساعة وادعو بالرحمة وصبرو من بكاني

اشهدو فيا شهدت الخير نفعة       قولو كــان هنا زاهي الفــــــــــولاني

 

  • حي الرونفالي وحديقة مارينغو يبكون اعميمر

كان هنا “اعمر آيت زاهي”، كان ولم يعد، ليترك فراغا سيظل يبكيه حي “الرونفالي”، وحديقة “مارينغو”، و باب الوادي والعاصمة، لتبكيه الكامنجا والموندول، الطار، لتبكيه قعدات الشعبي والناس الأخيار. ليبكيه الزمان والمكان، ليبكيه الشيوخ والشبان.

تحول حي الرونفالي منذ الساعات الأولى لإعلان خبر وفاة الشيخ عمر الزاهي مساء الأربعاء الفارط إلى محجّ لمئات بل آلاف من المواطنين القادمين من كل ولايات الوطن على أمل أن يكون الخبر إشاعة كتلك التي قتلته قبل موته بأيام، غير أن القدر قال كلمته هذه المرة، “الزاهي مات”، “عميمر فارق الحياة”، عبارة لم يسمع سواها في مقاهي العاصمة وشوارعها وأزقتها، التي لبست الحداد على آخر شيوخ الشعبي، وأي شيخ كان. باستقامة وحلاوة وشموخ شجر البان، المقنين الزين الذي ملك قلب فلان وفلان. حشود من المشيعين الذين أبوا إلى مرافقة الزاهي إلى موثواه الأخير بمقبرة القطار حيث أوصى أن يدفن جثمانه بين البسطاء الذين كبر بينهم وعاش ومات ودفن.

 

كبر يتيما.. عاش رحيما ومات حليما

ولد أعمر الزاهي، واسمه الحقيقي أعمر آيت زاي، عام 1941، وبدأ مسيرته الفنية نهاية الستينيات، وعلى مدار عقود بقي صوته يصدح في الساحة الوطنية الجزائرية، ليقرر إيقاف مسيرته في إحياء الحفلات العامة عام 1987 التي شكلت آخر ظهور له عندما أحيى حفلا بقاعة ابن خلدون بالجزائر العاصمة، مكتفيا بعد ذلك بحفلات خاصة صغيرة.

قدّم الراحل سلسلة طويلة من الأغاني التي سكنت وجدان المستمع الجزائري منها “الخاتم” و”مريومة” و”يالوشامط وطب الصلاة على محمد” و”يالمقنين الزين”و “لالة باني” و”انا عندي قلب”.. كما كان يجيد العزف على العديد من الآلات الموسيقية مثل القيثارة والمندول.

اختار الزاهي الانزواء والابتعاد عن الأضواء بعد أن راكم رصيدا فنيا مميزا جعله يلقب بأسطورة أغنية الشعبية. وكان الزاهي قد نقل إلى المستشفى في سبتمبر الماضي بالعاصمة الجزائر، وتقرر سفره للعلاج بالخارج إلا أن القدر لم يمهله بل وتحالف مع إرادته وموقفه المستعصي على المسؤولين.

ولأنه كان بسيطا شعبيا اختار بل أوصى ان يكون موته كذلك وكم كانت ميته جميلة على بساطتها. كم كان رحيله مهيبا ونعشه يخرج من بين احضان الشعب ويمر بين شوارع الشعب ويدفن في مقبرة الشعب.

 

  • عاش ما كسب مات ما خلى“..

لا يختلف اثنان على أن الشهرة التي اكتسبها الزاهي والشعبية الكبيرة التي حظي بها والاحترام الفائق الذي يكنه له عشاق الشعبي وغيرهم من افراد الشعب الجزائري مصدرها اعمر الانسان الذي عرف بزهده وتواضعه وحبه للفقراء والمحتاجين والنأي بنفسه عن قرع أبواب المسؤولين والتودد اليهم حتى اصبح بخصاله تلك اسطورة تمشي على قدمين، اعمر الزاهي الذي ابتعد عن الاعلام بارادته وانصرف عن مكاتب المسؤولين رغم محاولاتهم الحثيثة لاعادته الى مظلتهم لكن هيهات ان يرضخ الزاهي وهيهات ان يحيد عن موقف تبناه يوما، اختار الزاهي صفوف الشعب ولم تغره الاضواء لكنه وضع ثقته في الشعب ولا شيء غير الشعب، موقف جعل الزاهي اليوم يرحل دون أي يخلف أي وثائق ولا مراجع تؤرخ له سواء اغانيه والحفلات التي قدمها على مدار خمسين سنة. وهو ما جعله اليوم يتحول الى لغز اكثر غموضا من اللغز الذي عاشه على مدار سنوات عمره.

  • الشناوةيرثون الزاهي عبر مواقع التواصل الاجتماعي

ارتبط اسم عميد أغنية الشعبي “اعمر الزاهي”، بعميد كرة القدم الجزائرية “ملودية الجزائرية”، التي كان يتباهى أنصارها” الشناوة” بانتساب الراحل اعمر الزاهي إليهم، ليتحول سبب فخرهم الى سبب للحزن الذي اكتسح مواقع التواصل الاجتماعي منذ يومين، بعدما تحول الى فضاء لتعداد مناقب الراحل اعمر الزاهي وخصاله، خاصة من قبل أنصار مولودية الجزائر، حيث أثنى عشاقه من الفايسبوكيين على تواضعه وبساطته التي تجلت من خلال نمط حياته وطريقة لباسه وهو الذي كان يكفر بالبروتوكلات والبدلات و ربطات العنق وابتعاده عن أضواء الإعلام والمؤسسات العمومية.

كما أبدى”اشناوة” حزنهم بخصوص اِلمعاناة الطويلة التي عاشها الزاهي منذ طفولته وهو الذي عاش يتيما فقيرا، وحتى وهو عميد من أعمدة الفن الجزائري، لكنه لم يبح يوما بأوجاعه ويستغلّ شعبيته الجارفة لِنيل مآرب دنيوية.

للإشارة، فإن بعض أفراد أسرة نادي مولودية الجزائر كانوا يزورون مسكن اعمرالزاهي بعد كل تتويج يحرزه الفريق الكروي، ويلتقطون معه صورا وهو يحمل الكأس أو اللقب.

 

____________________

أجمع مثقفون.. سياسيون.. إعلاميون وفنانون على أن رحيل الفنان اعمر الزاهي يعتبر خسارة للفن والثقافة الجزائرية التي تحتاج في الوقت الراهن إلى رجل من وزنه وأجمعوا على خصال الرجل الذي رفض قرع أبواب المسؤولين وفضل العزلة ولم ينسق وراء الشهرة.

  • الروائي واسيني الأعرج:

الفنان عمر الزاهي يغادرنا في زمن صعب

بهذه الكلمات نعى الروائي واسيني الاعرج الفنان عمر الزاهي رحمه الله “لقد أنهكه المرض والنسيان كما كل الذين سبقوه. وغدا سيحتلون الصدارة في المقبرة. رحم الله فنان الشعب البسيط والطيب، اعمر الزاهي. قلبي يذهب هذا المساء نحو أهله وأقاربه، الذين تعرفت على جزء منهم عن قرب وأحببتهم من كل قلبي، ونحو كل الناس الذين أحبوه بقوة…رحمك الله شيخنا الكبير”.

 

الشاعر سليمان جوادي:

رفض قرع أبواب المسؤولين فتحول إلى أسطورة

قال الشاعر سليمان جوادي “المستمع لمدونة الفنان الراحل عمر الزاهي والمتتبع لحياته الفنية لا يجد فيها ما يمكن أن يميزه عن أبناء جيله من مطربي الشعبي أو يجعله متفوقا عليهم رغم تشبثه وتمسكه بالأصيل والجيد من هذا التراث العاصمي ومحاولة المحافظة عليه لحنا و أداء”. مضيفا “غير أن الشهرة التي اكتسبها هذا الفنان والشعبية الكبيرة التي حظي بها والاحترام الفائق الذي يكنه له عشاق الشعبي وغيرهم من أفراد الشعب الجزائري فإن مصدرها عمر الزاهي الإنسان الذي عرف بزهده وتواضعه وحبه للفقراء والمحتاجين والنأي بنفسه عن قرع أبواب المسؤولين والتودد إليهم حتى أنه غدا بخصاله هذه أسطورة تمشي على قدمين ..رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون”.

___________________

أصدقاء اعمر الزاهي يثنون على خصاله:

  • عبد القادر شاعو :

ساهم في توسيع أغنية الشعبي

أعرب فنان الشعبي عبد القادر شاعو عن أسفه لرحيل هذا الفنان “الكبير” معتبرا أنه ارتقى بإبداعه لمستوى “الباحث” خصوصا وأنه “ساهم بقوة” في توسيع شعبية أغنية الشعبي عبر كل الجزائر.

وقال شاعو الذي ينتمي إلى نفس جيل الفقيد من فناني الشعبي- أن “استلهام الزاهي من مختلف المقطوعات الغربية والموسيقى العالمية قد صنع أسلوبه الخاص” في موسيقى الشعبي.

 

  • عبد الرحمن القبي:

كان إنسانا استثنائيا

وعدد من جهته فنان الشعبي عبد الرحمن القبي -الذي تأثر جدا لرحيل الزاهي- خصاله “الإنسانية الكبرى” معتبرا إياه “إنسانا استثنائيا” و”فنانا كبيرا” مضيفا أن رحيله “خسارة كبيرة” لموسيقى الشعبي والثقافة الجزائرية.

 

  • عزيوز رايس:

كان رائدا في أغنية الشعبي

وتأسف المغني عزيوز رايس, صديق مقرب لاعمر الزاهي, لفقدان هكذا فنان يعتبر “مرجعية ورائدا” في فن الشعبي وأيضا “صديق تجاوزت صداقته الثلاثين عاما وكذلك أخ”.

 

  • عبد القادر بن دعماش:

ترك بصمة في تاريخ الفن الجزائري

وقال من جهته الباحث الموسيقي ورئيس مجلس الفنون والآداب عبد القادر بن دعماش إن الزاهي “كان دائما من أبرز فناني أغنية الشعبي” وقد ترك “بصمة كبيرة” في تاريخ الفن الجزائري بفضل “رقي فنه وتواضعه وإحساسه”.

 

  • وآخرون يبكون الراحل ويتأسفون لعدم لقائه يوما:

الفنان محمد محبوب

فنان الشعب ..عاش كبيرا ومات كبيرا

تأسف الفنان محمد محبوب لرحيل الفنان الشعبي القدير عمر الزاهي دون ان يلتقي به مرجعا قراره باختيار العزلة الى كونه لا يحب الرداءة وعلق عن الأمر بالقول “أي فنان يختار العزلة والابتعاد عن الاضواء فاعلموا انه لا يحب الرداءة “، مضيفا “عاش كبيرا ومات كبيرا، سمعت عنه الكثير والكثير سمعت عن بساطته وتواضعه وحبه للفقراء وفعل الخير, ألف رحمة عليه”.

  • ندى الريحان:

رحيله خسارة للفن الجزائري

الفنانة ندى الريحان هي الأخرى تاسفت لعدم لقائها بالراحل اعمر الزاهي يوما معتبرة رحيله خسارة للفن الجزائري، داعية المولى عز وجل أن يتغمده برحمته الواسعة.

 

  • أجراد يوغرطة:

فنان صاحب مبادىء

وصف الفنان أجراد يوغرطة اعمر الزاهي بشيغيفارة الاغنية الشعبية معتبرا انه سيترك فراغا كبيرا في عالم الاغنية الجزائرية لن يخلفه فيها أحد.

واعتبر اجراد ان الراحل كان صاحب مبادىء في زمن قلت فيه المبادىء، معبرا عن أسفه لانه لم يلتقه يوما.

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ينعي عمر الزاهي:

الجزائر فقدت أحد أعمدة الغناء وسيظل قدوة للمبدعين

بعث رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة برقية تعزية لأسرة الفنان اعمر الزاهي أكد من خلالها أن الجزائر فقدت برحيله أحد أعمدة الغناء على مدى عقود طويلة, بحيث سيظل قدوة للمبدعين ومعينا يمكنهم من المزاوجة بين الأصالة والحداثة.

وأعرب الرئيس بوتفليقة في نص برقية التعزية عن تأثره بفقدان الزاهي وكتب في نص البرقية “تلقيت بأسى وأسف نبأ انتقال المغفور له الفنان اعمر الزاهي إلى جوار ربه تعالى, هذا المبدع الذي أمضى حياته في خدمة التراث الموسيقي الوطني, أثرى المشهد الثقافي برصيد معتبر من الأغاني والألحان التي حفظها الجمهور وتمتع بها محبو الفن الشعبي”.

كما أكد رئيس الجمهورية بأن الفقيد كان من الفنانين الذين “تميزوا وأبدعوا روائع جميلة تنم عن فن أصيل, فغنى لشعراء الفحول, منتقيا الكلمة المؤثرة والحكمة البليغة والأداء الرفيع بما تطرب له الأذن ويسمو به الذوق”.

واعتبر بوتفليقة ان الزاهي سيظل قدوة للمبدعين ومعينا يفيض عليهم ببدائع الفن ويمكنهم من المزاوجة بين الأصالة والحداثة. ولئن فقدناه اليوم فلن نفقد فنه الذي سنلمس أثره في الأجيال الجديدة مطربين كانوا أو فنانين”.

 

  • وزير الثقافة عز الدين ميهوبي:

الجزائر والأسرة الفنية تفقدان قامة ومعلما وعميدا

وعبر وزير الثقافة عزالدين ميهوبي عن حزنه لرحيل فنان الشعبي “القدير والمتميز” اعمر الزاهي واصفا إياه بالأسطورة وأحد كبار رموز الأغنية الشعبية” في الجزائر.

وقال وزير الثقافة في برقية تعزية إنه برحيل هذا الفنان فإن الجزائر والأسرة الفنية تفقدان “قامة ومعلما وعميدا من بين فنانيها الأخيار المبدعين” الذين صنعوا مجد الأغنية الشعبية النابعة من أحضان المجتمع الجزائري.

واعتبر الوزير أن الفقيد “تميز برنة رائعة وصوت رخيم” وقد ترك وراءه “رصيدا لا يستهان به …” مضيفا أن “كنوزه ستبقى ثروة وميراثا تتداوله الأجيال المحبة للفن الشعبي الأصيل”.

  • رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح:

كان هرما كبيرا يستحق كل التقدير

وصف رئيس مجلس الأمة عبد القادر فنان الشعبي اعمر الزاهي بـ “أحد أعمدة الفن الشعبي الأصيل” و”رمزا من رموز” هذا النوع من الأداء الفني.

وقال بن صالح في برقية تعزية شخصية إن الفنان الراحل الذي عرف بـ “البساطة والتواضع” كان “هرما كبيرا استحق التقدير الكبير والمحبة الصادقة التي رفعته إلى أسمى مكانة في قلوب المولوعين بالأغنية الشعبية وعلى الساحة الفنية والثقافية”.

خيرة بوعمرة _ جمعتها: حنان حملاوي

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق