ثقافة

المدرسة الكعبيّة في الشعر

الحلقة 02

وتفرّعـت الشّجرة

خطّ الشّاعر محمّد جربوعة النّهج الكعبيّ وبيّن معالمه ودعا إليه بقوّة وعزيمة لا تنحني ولا تلين، ثمّ جعل الشعراء يتقفّون أثره وينسجون على منواله، بعد أن كتب عددا كبيرا من القصائد في هذا الاتجاه، تحدّرت من علياء قريحته الفذّة تحدّر الجُمان ..

الشّاعر الشيخ رمضان بونكانو 01

وأوّل من رأيته كتب على النهج الكعبي الذي دعا إليه محمّد جربوعة؛ واقتفى أثره هو الشّاعر رمضان بونكانو وقد كان متأثرا جدّا بمحمّد جربوعة وسمّى نفسه (الشّاعر الكعبي) نسبة إلى المدرسة الكعبيّة التي رفع جربوعة لواءها، وأمدّها من شعره بماء نمير فحَيت وأينعت، وقد كتب الشيخ رمضان قصيدة بعنوان (إلى أميرة قلبي) ولمعرفتي أنّه من محبّي الشاعر محمّد جربوعة والمذهولين به ظننته نقل أحد قصائده في صفحته، فقرأت القصيدة إلى آخرها، فإذا بي أتفاجأ به يضع توقيعه تحتها.. وكانت مفاجأة مذهلة بالنّسبة لي، ليس لأنّ الشيخ رمضان بونكانو كتب قصيدة رائعة قويّة المعنى قويّة المبنى منسوجة على النّهج الكعبي بدقّة بالغة، بل لأنّني لم أشك لحظة أنّها لمحمّد جربوعة، وذلك دلالة على قوّة ملكة الشّاعر وتمكنه من ناصية الشعر.. وجاءت القصيدة الثانية فأكّدت روسوخ قدم الشّاعر الشيخ رمضان في ميدان الشعر الكعبي، وقوّة عارضته فيه، وهي بعنوان (محاولة اختراق لجدار الهجر) والتي يقول فيها:

بستان حسنك يا أميرة آسر..

وعيونك الحوراء تثقل كاهلي

أحتاج ألف قصيدة (كعبيّة)

حتّى أعبّر عن مشاعرَ داخلي

وهو هنا يعلن صراحة وبشكل جليّ عن منهجه الكعبي وانضمامه إلى هذه المدرسة العريقة، ولكن في تجلياتها الجديدة، التي تفرد للحبّ مساحة من السموّ والألق البهيّ، في غير تبذّل ولا انحطاط، مع ربطه بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الذي يلهج الملايين بمحبّته الكبرى.. أو يربط هذا الشعر بالشعور الإيماني ومعاني التقوى التي تحول بين المحبّ وارتكاب المحارم أو الوقوع في المحظور لفظا، فضلا عن مواقعته فعلا ..

ومن خصائص القصائد الكعبيّة أنّها قصائد يجلّلها جلباب الإيمان، إذ يتبدّى نوره بين فواصلها ومقاطعها بين آن وآخر، ولنتملّى مقطعا من إحدى قصائد الأمير أوّلا ثمّ نتبعه بمقطع آخر من قصيدة للشيخ رمضان، بقول الأمير (محمّد جربوعة) في قصيدته (العابدة):

تَـغُـضّ الـطـرفَ…مُسْبَلةُ الـخــمارِ

تــقــوم الـلـيـلَ…صـائمة الـنــهـارِ

تـصلي الـفرضَ ..حـجتْ منــذ عامِ

تــــحـــبّ الله… طــــاهـــرة الإزارِ

تـصـومُ (الـبِيضَ) نـفلا  كــلّ شـهرٍ

وإن غــنّــتْ فـبـالـسُّـوَر الــقِـصـارِ

مـدلّـلةٌ، وتـشـهق حـيـن تـــــبـكي

وتــعــقـد حـاجـبـيـهـا كــالــصـغـارِ

وتـطـلبُ مــا تـشـاءُ..يجيء فــورا

عـلى الـترحيب، لـو لَبَنَ الكنـاري

…..

هذا السّمت الوصفي (الغزلي)، هو تغنٍ بامرأة مؤمنة صالحة (طاهرة الإزار)، حشد لها الشّاعر كلّ أوصاف المرأة المسلمة المثاليّة، ولكن في غير نسق النظم المتكلّف والوعظ الثقيل على النّفس، البارد في اللّفظ والذّوق، بل جاء في أسلوب حيّ وتوصيف باهر مشرق، يجعل المرء يحار..أهذا غزل مغرِ ومشوّق أم موعظة بليغة، تدخل على القلب من حيث لا يحتسب.. !

وجاء في قصيدة الشيخ رمضان ( محاولةُ اختراقٍ لجدار الهجرِ) شيء مشابه، ونسج مماثل إذ يقول في بعض أبياتها:

وروينا من طريقٍ ثابتٍ
عن أميرِ الشِّعرِ (2)ذاكَ البطَلُ
تُحْرِقُ الحِنَّاءُ قلباً مثلما
يُحرقُ الأحداقَ فينا الفلفلُ
يفعلُ الخلخال فينا فعلهُ
وكذاكَ الشَّعْرُ أيضاً يفعلُ
وجمالُ الصوتِ لصٌّ قاتلٌ
يسرقُ الألبابَ لمَّا يُرْسَلُ
وحجابُ الغِيدِ .. لا تهزَأْ بهِ
فهو فخُّ القلبِ ، شيءٌ مُذْهِلُ
شكْلُهُ ، أو لونهُ مهما يكن
سيذيبُ القلبَ حتى  يَنحَلُ
وخمارُ البنت كالتاجِ على
عَلَمٍ حُطَّ ونارٌ تُشْعَلُ

فنجد الأسلوب ذاته في ذكر مفاتن الحبيبة، والتي تشير بالدّرجة الأولى إلى تقواها وصلاحها، فهي مخبأة غير متبذّلة ولا سافرة تضع خمارها وترتدي حجابها، فحبّها حبّ طاهر لا تشوبه شائبة من إفك أو فاحشة، فإمّا أن يكون حبّا للزوجة أو لمن هي في بابها (خطيبة) مثلا، أو هي مجرّد امرأة رمز يتغنّى بها الشّاعر، لأنّه حتم على الشاعر رقيق القلب مرهف الإحساس أن يذكر المرأة ويلهج بمحاسنها..

مقالات ذات صلة

إغلاق