ثقافة

إشعاع فكري وشعلة دينية لا تنطفئ

نصيرة سيد علي

يزخر حوض الصومام الواقع بولاية بجاية بزوايا عديدة، منها ما هي باقية حتى الآن تؤدي دورها التربوي وتنشر تعاليم الدين الإسلامي، عن طريق تحفيظ أبناء المنطقة اللغة العربية وكتاب الله والسنة النبوية الشريفة، ومنها ما تم هدمها عن بكرة أبيها من قبل فرنسا الاستعمارية، لدحض المنابر التي يعلى فيها اسم الله، ولم ينج منها سوى بعض الأجزاء منها تشهد أنها كانت قابعة بهذه المنطقة في زمن مضى، ومن بين تلك الزوايا، زاوية “سيدي يحيى العيدلي” بأعالي سيدي عيش.

منارة فكرية ودينية

يقول الدكتور عزوق إن بجاية كانت في العصر الإسلامي عاصمة للثقافة والعلم والفكر، حيث يقصدها محبو العلم والتعلم من كل حدب وصوب، خاصة تلك القرى الموجودة بحوض الصومام التي كان يعاني أهلها الجهل والأمية، وبعد الاحتلال الإسباني للمدينة وتخربيهم لها ولمعاهد العلم بها، وما تلاه من دخول العثماني، أدى إلى انكماش الحركة الثقافية لهذه المدينة، مما أدى بعلمائها يقول عزوق للبحث عن مراكز جديدة يواصلون فيها نشر رسالتهم العلمية، فلم يجدوا أحسن من حوض الصومام، وقمم جباله التي لم يتمكن الإسبان من احتلاله، وما زاد الأمر اطمئنانا فالأتراك أعطوا أهمية لمدينة بجاية أكثر من قراها، كون قادة العثمانيين كانوا قراصنة ويعشقون الغارات البحرية على السفن التي تعبر عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، والاستلاء عليها عدة وعتادا، وأسري أهلها، وكان لهؤلاء العلماء في إعادة الوجه المشرق لبجاية.

“ثمعمرث”..

“ثمعمرث” هي مبنى ديني معروف الانتشار بمنطقة القبائل، وتعد أولى التسمية التي أطلقت على معاهد العلم وتحفيظ القرآن الكريم، يقول الدكتور عبد الكريم عزوق، و” ثمعمرث” هو لفظ متداول في المناطق الناطقة بالأمازيغية، وعلى الأرجح فهذه التسمية لم تزُلْ من أفواه سكان القرى والمداشر التي مازالت توجد بها مثل هذه المباني الدينية لحد الساعة، وفي مناطق أخرى تحول اسمها إلى الزاوية، وهذه الأخيرة مشتقة لغة من فعل “زوى” الشيء يزوي “زيّا” أي جمعه وقبضه، وفي الحديث النبوي الشريف “زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها”، والزاوية في البيت يقول الباحث  ذاته ركن، وجمعها زوايا، أما لفظ زاويا اصطلاحا حسب عزوق فيقصد بها ذلك البناء الصغير الذي يشبه المسجد، يتميز بهندسة معمارية بسيطة، له دور تعبدي باعتباره مكانا للعبادة والذي يجمع بين الوظيفة التعليمية التربوية والدينية، وإيواء الواردين واطعامهم من المحتاجين وعابري سبيل، وقد أخذت فيما بعد يقول عزوق مفهوما لمدرسة دينية ودار مجانية للإطعام خدمة للطلبة الوافدين من كل مكان لتلقي مختلف العلوم الشرعية، وطلب العلم بالزاوية عادة ما يكون مجانيا وذلك لتخفيف من عبء مصاريف الأولياء أثناء مزاولة دراستهم بهذه المعاهد الدينية، فتأسست العديد من الزوايا في بلاد القبائل منها زاوية “سيدي يحيى العيدلي” بواد الصومام بإقليم بجاية.

قصّة راعي الغنم

اتخذت زاوية “سيدي يحيى العيدلي” كما أوضحه الدكتور عبد الكريم عزوق اسمها نسبة إلى مؤسسها الشيخ الفاضل “سيدي يحى العيدلي” أحد علماء وادي الصومام المتوفى سنة 882 هـ، تلقى تعليمه على يد علماء أجلاء من بجاية التي كانت تعج بفطاحل العلماء، وتقع زاوية “سيدي يحى العيدلي” بقرية “تمقرة” في عرش “بني عيدل” أو “أث عيدل” من تجمع معماري يشمل المسجد، شأنها شأن زاوية سيدي أحمد بن يحي أمالو.

ويحكى على هذا العالم الجليل أنه اتخذ من مغارة توجد بإحدى الحمامات أعلى قرية تمقرة، حيث قضى فيها سبع سنين كاملة كرسها لحفظ القرآن العظيم، وتأليف للكتب في مختلف علوم الدين، ولما قرر العودة إلى بيته بعد استفائه سبع سنين، وهو يهم بعبور واد بالمنطقة التقى براعي غنم وهو يحاول اجتياز الوادي بقطيعه وسمعه يقول “مرت سبع وبقيت سبع أخرى”، ولمل سمع سيدي يحى العيدلي قول الراعي قرر العودة مجددا نحو خلوته بأعالي الجبل، وقال في نفسه ممكن هذا الراعي جعله الله سببا كي ينبهني أني لابد من قضاء سبع سنين أخرى، بعدها قفل راجعا إلى خلوته إلى أن قضى بها 14 سنة، فأسس زاويته هذه، التي تعود إلى القرن 9 هـ/ 15م، والتي تخرج منها أشهر الطلبة وفي مقدمتهم حسب ما جاء على لسان الدكتور عزوق الشيخ أحمد زروق البرنسي صاحب شرح الوغليسية في الفقه وشرح البردة للبوصيري بأمر من شيخه، كما تخرج على يده أيضا الشيخ سيدي عبد الرحمن صباغ، وسيدي أحمد بن يحى مؤسس زاوية أمالو، الشيخ سيدي بهلول بن عاصم وغيرهم.

خلال الاستدمار (الاستعمار)

أول ما قامت به الإدارة الفرنسية تصويب فوهة مدفعها نحو المعاهد والحواضر الدينية، بغية هدمها تحت طائلة أسباب واهية، إما لغرض توسيع شارع ما، أو إقامة مشروع لنشر سمومها، وزاوية  “سيدي يحيى العيدلي” لم تسلم هي الأخرى من بطش إدارة فرنسا الاستعمارية، حيث تعرضت بعض أجزائها للهدم يقول عزروق ثم أعيد بناؤها من جديد، ثم تعرضت للهجوم مرة ثانية عام 1871 وبقيت معطلة إلى سنة 1937،ثم جدد بناؤها، وكانت قبلة للطلبة عام 1955، حيث كانت حصنا ومأوى للمجاهدين إبان الاستعمار، حيث التحق كل طلابها بصفوف جيش التحرير الوطني، استشهد أغلب طلابها، حيث قدمت الزاوية أكثر من مِئة شهيد، مما أدى بالمستعمر إلحاق الضرر بها مجددا يضيف المتحدث ذاته.

الهندسة المعمارية

تبدو الزاوية من حيث طابعها المعماري العام حسب عزوق بسيطة من الخارج، تم بناؤها بمواد محلية، أي من الحجارة والتراب، ونظام تغطيتها هي أسقف مائلة من القرميد التقليدي، وهي بذلك تعد أقدم الزوايا في حوض الصومام، ومن حيث التخطيط المعماري يواصل عزوق قائلا: “فهي عبارة عن فناء مركزي، تتوزع حوله غرف من الناحيتين، الشرقية والغربية، ومن الناحية الغربية للفناء يوجد مدخل الزاوية الذي يوجد على يساره مباشرة غرفة صغيرة أبعادها صغيرة، ينفتح مدخلها على الصحن، وكانت في القديم تعرف بغرفة شيخ الزاوية، وعلى جانبها غرفة أخرى كبيرة من حيث المقاسات، كانت تستخدم كقاعة للتدريس، وفي ركنها الشمالي مكان مخصص على الأرجح للطبخ، حيث توجد به فتحة صغيرة على شكل مدخل تؤدي رواق مستطيل ضيق ويقابل هذه الوحدات الموجودة في الجهة الغربية للزاوية ثلاث غرف مربعة ومفصولة عن بعضها البعض، كانت تستخدم قديما مراقدَ للطلبة، ويلتصق بهذه الغرف من الناحية الجنوبية مقابلة لمدخل الزاوية غرفة صغيرة مربعة الشكل، ويغلب على الظن أنها كانت بيتا للخلاء، لكن للأسف طال الزاوية آثار بعض التشققات والتصدعات على الجدران، كما سقط سقف أحد الغرف المخصصة للطلبة جراء الزلزال الذي ضرب المنطقة سنة 2002 وهذه الزاوية مازالت تتحدى الزمن، وتشهد على تاريخ المنطقة وحضارتها”.

في انتظار التوسيع

تنوي السلطات القائمة على تسيير المنابر الدينية بالجزائر إعادة الاعتبار للزاوية “سيدي يحيى العيدلي”، وينتظر سكان هذه المنطقة استكمال المشروع الحضاري الذي يعيد لهذا المنبر الديني وجهه المشرق، وتحويله إلى قطب علمي يكون له الشأن بين المؤسسات العلمية العربية والدولية.

مقالات ذات صلة

إغلاق