ثقافةرمضانيات

مسجد سيدي رمضان صرح ديني…ومعلم أثري…يقاوم عواصف الزمن

يعد مسجد “سيدي رمضان” الواقع مقره بالقصبة العليا من أقدم مساجد الجزائر بني مزغنى حيث يعود تاريخ بنائه حسب بعض المصادر التاريخية التي استقت منها جريدة “الحوار” بعض المعلومات التي تخص هذا المسجد إلى القرن العاشر للميلاد، وقد تم بناؤه على يد حكام بني مزغنة.

يقع مسجد سيدي رمضان بحي القصبة العتيقة وبالضبط في القصبة العليا، وهو مسجد متميز من حيث موقعه وترسيخ تاريخه في رحم الجزائر العميقة، فهو يقع بالمكان الذي أقيمت فيه القصبة القديمة التي أسسها الأمازيغ قبل وصول العثمانيين، وذلك استنادا إلى ما ورد في كتاب “مساجد مدينة الجزائر” للدكتور “بن حموش”، وبعد الدخول العثماني تم توسيع القصبة العتيقة إلى أعالي العاصمة على نفس النسق المعماري للمدينة القديمة، مما يبدو أنها شيدت في مرحلة واحدة، ومصممة على يد مهندس واحد، وكان يطلق على هذا المسجد خلال هذا التاريخ استنادا إلى ذات المصدر اسم مسجد القصبة القديمة.

  • يعود تاريخ تشييده إلى بني مزغنة

وفقا لما جاء في بعض الوثائق التاريخية أن تاريخ تأسيس مسجد سيدي رمضان، حسب ما أكده كل من الباحث محمد بن مدور ومستخلف الإمام مراد أجغوت بجامع سيدي رمضان وكذا يوسف بن تفاث متطوع بذات المسجد في حديثهم لجريدة  “الحوار” يعود إلى القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد، وهو ما أكده أيضا العلامة عبد الرحمان الجيلالي الذي كان يشغل منصب إمام خطيب بهذا المسجد سنة 1945

كما جاء على لسان الأستاذ الباحث بن مدور محمد أن مسجد سيدي رمضان يعد أحد حدود الجزائر بني مزغنى التي بنيت على أنقاض المدينة الرومانية” إيكوزيوم” من الناحية الشمالية والتي امتدت حدودها إلى باب عزون بالقصبة السفلى المتجهة نحو باب البحر، ومنه إلى باب الوادي، وحسب ذات المصدر فإن مسجد سيدي رمضان قد بناه قبائل أمازيغ في القرن العاشر للميلاد، وذلك انطلاقا من بعض الوثائق التاريخية التي عثر عليها أثناء أبحاثه التاريخية.

وعن أصل تسمية هذا الصرح الديني تحت اسم “سيدي رمضان” فقد اختلف الباحثون حولها، من جهة يقول الباحث بن مدور إن اسم المسجد مشتق من اسم أحد جنود الجيش الإسلامي الذي قدم إلى شمال إفريقيا ضمن حملة الفتوحات الإسلامية التي قادها الفاتح الإسلامي “عقبة بن نافع”، حيث استقر هذا الجندي بعد ذلك بالجزائر، وبعد وفاته تم دفته في إحدى أركان هذا المسجد، ومنه أخذ هذا الصرح الديني تسميته الحالية، في حين أشار كل من “يوسف بن تفاث، ومراد أوجغوت” إلى أن أصل “سيدي رمضان” وهو ولي صالح تعود أصوله إلى أحد عروش مدينة الزيبان ببسكرة، مستشهدين برواة جاؤوا من الولاية المذكورة  بسكرة- إلى هذا المسجد الذين أكدوا لهما أن هذا الرجل الصالح ينتمي حضاريا إلى منطقة بسكرة والله أعلم.

  • التنظيم الداخلي

كان لهذا المسجد حسب ما استقيناه من الدكتور مصطفى بن حموش وكما جاء على لسان محمد بن مدور وكيل مكلف بشؤون إدارة المسجد، وإمام يقوم بإلقاء خطبة الجمعة ومؤذنين يعملان بشكل يومي، وثلاثة مؤذنين لصلاة الجمعة، وستة حزابين، وخمسة قراء لثلاثة كتب وهي “تنبيه الأنام” و”صحيح البخاري” و”قارئ التوحيد” وعدة قراء في شهر رمضان، كما عين مسؤول على الموظفين، وثلاثة منظفين، وفنارجي  الذي يتولى شؤون إضاءة أركان المسجد- ومنظف للمراحيض، ومسؤول مالي- خزناجي- هذا وكان لمسجد أوقاف يصل عددها 50 عقارا تصرف وارداتها على مختلف احتياجات المكان، وحسب حموش ثبت أن هناك “فرنا” بباب عزون قد تم حبسه للمسجد سنة 1224 للميلاد.

وأنت تدخل إلى المسجد العتيق “سيدي رمضان” يصادفك بما يسمى – بالسيقفة- ، ومنها إلى قاعة الصلاة مباشرة، حيث يوجد بها محربان، حيث تم العثور على المحراب أثناء عملية الترميم التي لحقت بهذا المعلم الديني، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن مسجد سيدي رمضان شهد توسعا مس قاعة الصلاة وهنا اكتشف المحراب العتيق، ويوجد على جانب باب المسجد غرفة صغيرة تسمى “المقصورة” ومنهم من يسميها بـ” البوييتة” وغرفة مخصصة للإمام الخطيب وعين ماء وميضأة، وغرفة مظلمة تضم ضريح الوالي سيدي رمضان، ولهذا المسجد ثلاثة أبواب واحد مفتوح على شارع رمضان، وهو مدخل مخصص للرجال، والثاني على شارع محمد عزوز شارع “النمر” سابقا، وهو مخصص للنساء، والثالث يوجد مصلى مخصص لصلاة الجنائز، يقع على شارع “لزواف” محمد أغريب حاليا.

  • الشكل الهندسي للمسجد

فيما يخص الهندسة المعمارية التي تميز هذا المبنى الديني  يقول بن حموش وأجغوت، وبن تافاث وبن مدور إن مسجد سيدي رمضان يشترك مع مسجد “القشاش و”وبن نيقرو” و “الجامع الكبير بالعاصمة” في سقفه القرميدي ذا اللون الأحمر التي تنقسم إلى تسع مسطحات متباينة الاتجاه موضوعة باتجاه عرض المسجد، وقاعة الصلاة لهذا المسجد شبه مستطيل طولها 32 مترا مربعا، وعرضها 12 مترا مربعا، متجها شمال جنوب، لكنه ينحرف في آخر جنبه الجنوبي نحو الغرب بزاوية منفرجة، ويحمل السقف ثمانية عشر عمودا من الحجارة تبعد عن بعضها بحوالي ثلاثة أمتار، ويشد سقف المسجد أربعة أعمدة “العرسة” عادية الشكل تنتهي بنقوش هندسية مميزة نحو الأعلى وتقسم سقف المسجد إلى ثلاثة أروقة طويلة وتسعة عرضية تتناسب مع مسطحات السقوف القرميدية وتتناسب المأذنة وهي مربعة الشكل تشبه إلى حد ما مئذنة الجامع الكبير بالجزائر العاصمة الذي بني على يد المرابطين، سنة 1097 للميلاد، مع الشكل المتواضع حيث لا ترتفع كثيرا في السماء ولها قاعدة مربعة الشكل يبلغ طولها 12 مترا، وهي ضيقة تضم داخلها  على شكل سلم نحو الأعلى تتكون من 45 درجة مرتفعة، و5 منخفضة جدا، وتتكون من محربين، أما الأول فقد تم إنشاؤه مع تأسيس المسجد أولى مرة، وبعد عملية توسيع المسجد استحدث محراب آخر يتوسط المسجد، ولكن المحراب الأول لم يظهر حسب ما أكده كل من “بن تافاث، وأجغوت” إلا بعد عملية الترميم التي قامت بها وزارة الثقافة، وتوجد إلى جانب المسجد مقبرة دفن فيها أعيان مدينة الجزائر بني مزغنى.

  • مسجد سيدي رمضان في القرن الـ 21

لم يعد هذا المسجد في وقتنا الحاضر يحافظ على نشاطه القديم، حيث كانت الحركة الفكرية مزدهرة في أوج عطائه، حيث انكمشت طقوسه الدينية التي عرفت نشاطا مكثفا في عقوده الأولى، خاصة في شهر رمضان الكريم، واقتصرت مهامه في وقتنا الحالي على تأدية الصلوات الخمس، بالإضافة إلى بعض الدروس الفقهية التي يقدمها الإمام الخطيب إضافة إلى تعليم الأطفال الصغار قراءة القرآن وتحفيظه، كما تخرج من رحاب هذا المسجد عدد كبير من العلماء الأجلاء منهم “محمد زكري أبو يعلى الزواوي، عبد الرحمان الجيلالي، وبوحمص وغيرهم”.

تم تسجيله ضمن التراث الوطني في 26 فيفري 1904، وقد بدأت أشغال الترميم به سنة 2001 ولحد الآن لم تستكمل بعد، ويبقى هذا المعلم الديني يصارع مد الزوال، ويناشد السلطات المعنية من وزارتي الثقافة والشؤون الدينية والأوقاف لنجدته وإيقاف نزيفه ومده بمصل ليواصل حياته في انتظار علاجه من سقمه وصد عنه آلة الانهيار.

روبرتاج : نصيرة سيد علي

 

مقالات ذات صلة

إغلاق