ثقافة

حارة سورية ورواية اردنية تعبران على المجتمعات العربية

عندما تشيخ الذئاب مزاوجة أدبية تلفزيونية

استغلال الدين والجنس لتحقيق غايات ومصالح شخصية، تسليط الضوء على السلوك الإنساني في جوانبه النفسية والروحية والسياسية والإجتماعية، هو ديدن المسلسل السوري “عندما تشيخ الذئاب” من خلال قصص مشوقة متشابكة ومتداخلة على أرضية اجتماعية وإنسانية في إحدى الحارات الفقيرة، التي نتعرف فيها على نماذج إنسانية متنوعة: رجل الدين، اليساري، الشباب الطموح، العاشقة، الأم، المتمرد، وغيرها من هذه الشخصيات التي تدور مصائرها في حارة شعبية، تكشف للمشاهد ان الحارة الشعبية عبارة عن خشبة مسرح لعدد من الأحداث والأسرار المخفية، التي حكمت مصير سكانها وقادت كل واحد منهم إلى مصيره، وكأن الجميع في لحظة ما يبحثون عن أوهام لا تتحقق بل تأخذهم إلى نهايات غير متوقعه ومفاجئة، العمل من اخراج عامر فهد، بطولة سلوم حداد، عابد فهد، ايمن رضا، سمر سامي، ميسون أبو اسعد، محمد حداقي، والسيناريو من كتابة حازم سليمان.

يعتبر مسلسل عندما تشيخ الذئاب مولود جديد من رحم رواية للكاتب الأردني جمال ناجي التي صدرت سنة 2008 والتي دخلت في القائمة النهائية “القصيرة” للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010، وهي النسخة العربية لجائزة “بوكر” العالمية للرواية، والتي يختار فيها الروائي تقنية تعدد الوجوه والاصوات التي تفتح مجالا واسعا امام شخصيات واسعة تروي احداثا ومشاهد تتكرر وتختلف وتتنامى من شخصية إلى أخرى. رواية تصور الهشاشة البشرية والتعالق المعقد بين الجنس والدين والسياسة، وتقدم لوحة حيَّة عن عوالم الوعاظ والجمعيات الخيرية والساسة، وأسرار الارتقاء الاجتماعي من الحارات الفقيرة إلى مراكز السلطة والثراء في عمان بالأردن، كل هذا في تسعينات القرن الماضي التي عاش فيها العالم العربي سلسلة من الاحداث السياسية والاقتصادية التي يبقى تأثيرها ممتدا الى يومنا هذا، وفي المسلسل كان التجسيد بليغا باستعادة حازم سليمان و عامر فهد تفاصيل الحارة السورية بأسلوب أوسع و اعم، اذ المتابع من خلال ما يراه من مشاهد يخيل له انه في أي بلد عربي، وليس فقط في دمشق او فقط في الأردن، فقد انتقلوا في علاقة استيهام من الخاص الى العام، اذ يدخل تصاعد السيناريو في جعل الاحداث أوسع من المكان، من حيث التحولات الاجتماعية، والسياسية، و الدينية، و أناس يحاربون بروتينهم اليومي كل ماهو دخيل دافع الى الحاجة والفقر.

تظهر معارك أهالي الحارة العربية التي تجسد مجتمعا عربيا بأكمله من خلال شخوص المسلسل ابرزهم الشيخ عبد الجليل (يلعب دوره سلّوم حداد) صاحب الماضي السيئ الذي أضحى أحد شيوخ الطرق وله مريدوه داخل الحارة. والذي يتحايل على الناس، يقنعهم بالآية والحديث، في صورة لا تبتعد عن قواعد الواعظ الهارب من ماضيه، الذي يلجأ إلى الناس والتابعين خوفاً من هذا التاريخ. الواضح أن “جنزير” الذي تحول إلى الشيخ عبد الجليل سيبسط مع الوقت سيطرته على الحارة، رغم معارضيه، من الجيران، هؤلاء عرفوه لسنوات ما قبل “التوبة” ويدركون جيداً أنه “منافق” وارتدى لباس “المشيخة” من أجل مصالحه الخاصة التي يُغلبها ببعض الفتاوى، مُتخذاً من مقولة “الدين أفيون الشعوب” الحجة لتماديه، وكذا أدى عابد فهد دور جبران، الهارب من صفوف الحزب الحاكم (البعث) هو وسلاف عبد الحميد سالم الملقبة بـ”الرفيقة”. تعتقل المخابرات جبران لعدم اعترافه بعودة “روز” إلى البلد، بعدما بلغها مرض شقيقها ووفاته وخوفها من المشاركة من جنازته لأسباب أمنية. مشاهدات واقعية من يوميات “أبو فاروق” (أيمن رضا) المتعلق بابنته الوحيدة، يفرقها عن زوجها ليلة الزفاف، طيبة “أبو فاروق” تغلب على كل من يريد النيل منه، كيف لا وهو يدرك ماضي وتاريخ أهل الحارة، خصوصاً الشيخ “جنزير” كما يحب أن يناديه ليذكره بماضيه، وشارك في حرب الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 وعاد حاملاً “العزة” ليواجه هؤلاء المدعين من أترابه.

القصة مشوقة، برغم من بطئ سير الاحداث المفروض من خلال التقسيم المنطقي الشهري لمسلسل رمضاني، لكن عناصر الجذب متوفرة بكثير من العمق في المشاهد، و من خلال العنوان سواء الرواية او المسلسل نستشف فكر الكاتب و المخرج في هذا العمل و الذي مفاده العالم غابة تتصارع فيها مخلوقاتها ومن بينها الذئاب، والأقوى هو الذي يسود، وبعدها تتبدى سلطة الذكاء، اذ أن الحياة عبثية، يحاول المرء أن يعيش في كنفها وبطريقة تناسبه أو تختلف عما يفعل الآخرون، المهم أن يصعد ولو على أكتاف البؤساء والمؤمنين، المال زينة الحياة الدنيا وزخرفها وأداة الجاه والكرامة والتسلط، ويبقى الجنس والشهوة ونداء الجسد والغرائز محركاً لسلوك الكثيرين وتوجهاتهم، هي تفاصيل نتابعها حتى الحلقة الأخيرة عن الصراع في حياة الأفراد الذين يستطيعون الانتقال من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة أو الوصول للطبقة العليا الغنية والمؤثرة على المجتمع ككل.

سماتي آمنة

مقالات ذات صلة

إغلاق