ثقافة

سلاسل ذهب هي في الظاهر والذاكرة تفرض وردة شامية

هناك بعض الاعمال تعتمد نهجا واحدا، لدرجة ان المتابع للعمل يحس انها عبارة عن ريميكس او كوكتال لمجموعة من الأفكار في مسلسلات سابقة اعيد صبها في قالب واحد جديد، وهذا ما يحدث عندما يتابع المشاهد المسلسل السوري سلاسل ذهب، فعندما تشاهد سلاسل ذهب تعود بك الذاكرة الى مسلسل وردة شامية الذي عرض السنة الماضية، ثمة تقاطع لا يمكن إنكاره من حيث النمط الفيلمي، وأسلوب البناء الدرامي من ترتيب للحبكة وتبسيط للصراع، غير أننا أمام حكاية جديدة بأكملها، ليست نسخاً أو اقتباساً عن حكاية المسلسل القديم، نحن بالضبط أمام حكايتين، جديدة وقديمة، بنيتا من المواد نفسها.
من حيث المبدأ؛ تلك ليست جريمة ترتكب بحق الإبداع، إذ لا توجد أفكار أصيلة بالكامل، إلا فيما ندر، وغالباً ما تتطور الأفكار الجديدة عن الأفكار القديمة، فببساطة “كل شيء عبارة عن ريمكس”، وهذا التعبير الأخير هو عنوان لمجموعة من الأفلام الوثائقية القصيرة، أنجزها المخرج كيربي فيرجسون، وناقش فيها كيفية توليد الأفكار.
ينطلق فيرجسون في سلسلة وثائقياته من أننا أحياناً نخزن فكرة ما في ذاكرتنا من دون ملاحظة ذلك، لتخرج بعد مرور فترة من العقل الباطن كما لو كانت فكرة جديدة؛ ليخلص بعدها إلى أن عملية توليد الأفكار تمر بـ3 مراحل أساسية، هي النسخ والتحويل والجمع، لكن هذا ما حدث فعلاً مع صناع مسلسل “سلاسل ذهب”.
في الغالب، التمسك بصيغة مجربة حققت نجاحاً بدلاً من المخاطرة بإنتاج نمط جديد وراء إنتاج مسلسل “سلاسل ذهب”، وفق الصيغة التي خرج بها، لا سيما أن “جولدن لاين” الجهة المنتجة للعمل، هي ذاتها التي أنتجت مسلسل “وردة شامية” 2017، والسلوك الذي اتبعته هو ظاهرة معروفة يسميها الاقتصاديون في سوق الاستثمارات “اتباع التوجه”.
وفق ظاهرة “اتباع التوجه”، ترسم الأعمال الجماهيرية في موسم فائت “التوجه” الإنتاجي في عام لاحق، بالتالي يمكن القول إن العملية التي غالباً تصير باللاوعي، أصبحت قصدية عند كتابة مسلسل “سلاسل ذهب”، انطلاقاً من تحليل عوامل نجاح مسلسل “وردة شامية”، على أن ما انتهت إليه كان مسلسلاً جديداً بالكامل (تأليف سيف رضا حامد)، وليس جديداً بالآن نفسه بعد أن تدخلت “القصدية” في “اللاوعي”.
على كل حال، هذه القصدية في عملية يفترض أن تتم باللاوعي بدت سمة أساسية في الحراك الإنتاجي العربي، لعل أبرز نتائجها في السنوات الأخيرة حالة نسخ عوامل نجاح مسلسل “باب الحارة”، وإعادة تحويلها في عشرات من مسلسلات سميت “مسلسلات البيئة الشامية”، إضافة إلى توليد أفكار مسلسلات عربية انطلاقاً من وصفات الطبخ التركية، أبرزها طبخة المسلسل الشهير “حريم السلطان”.
بالعودة إلى “سلاسل ذهب”، وبفك حالة الاشتباك بينه وبين مسلسل “وردة شامية” يقدم المسلسل الذي أخرجه إياد نحاس، حكاية بسيطة، محدودة الأشخاص والأمكنة، تمضي أحداثها بشكل أفقي من دون تجذر، لكنها تتحرك بما يجعل الحكاية مسلية، بالتالي هو يحقق وظيفته الدرامية الأساسية في الحياة اليومية، أي الترفيه، ولا يبدو أنه معنياً بتقديم وظيفة سواها من وظائف الدراما، بالتالي ما من حدث في حكايته يمتاز بالثقل والمعنى، وإنما تنحصر وظيفة هذا الحدث بالسعي لتحقيق شرط الترفيه الأساسي، أي المتعة.
يخوض أبطال “سلاسل ذهب” صراعاً في مستوى واحد، وهو صراع ينطوي حتى الآن (الحلقة التاسعة) على قدر متفاوت من التشويق بين حلقة وأخرى، فيما يكاد يغيب عنه عامل الغموض تماماً.

إضافة إلى ذلك، بُسط الصراع في “سلاسل ذهب” بعد أن قسّم الشخصيات في المسلسل بين شخصيات فاعلة: مهيوب “بسام كوسا”، وذهب “كاريس بشار”، تخوض صراعاً بسيطاً من دون أن يعترض إراداتها تعقيداً أو تحديات تذكر، في مواجهة شخصيات منفعلة، لم يُملّكها البناء الدرامي للحكاية العديد من الخيارات، لذلك بدت خاضعة تماما لإرادة الشخصيتين الفاعلتين، على نحو يصل في كثير من الأحيان إلى حد السذاجة.
غير أن الحدث في المسلسل يتحرك الآن باتجاه التأسيس لصراع أكثر تعقيداً هذه المرة بين قوتي خصومة متعادلتين على نحو كبير، هما “ذهب” ومن خلفها “زكية” (ديمة بياعة) في مواجهة “مهيوب” وخلفه “الداية أم فوزي” (شكران مرتجى)، ويبدو أن ساعة الصفر لانطلاقه قد حانت أخيراً، ابتداء من المصادفة التي وضعت “ذهب” و”زكية” أمام بيت عواطف “صباح الجزائري”، حيث تتعرفان على مشكلة ابنتها “رائدة” وعدم رغبتها بالزواج بابن عمها “سليم” (سامر إسماعيل)، ويقومان بأخذها معهما إلى بيتهما، بذلك تدخلان خط المواجهة الأولى والمباشرة مع “مهيوب”، كون هذا الأخير يشبك حبال احتياله حول “عواطف”، ولا بد أن تلجأ إليها لحل مشكلة هرب ابنتها من المنزل.
إلى جانب تبسيط الصراع في المستوى الظاهر، ما من صراعات داخلية تخوضه شخصيات المسلسل، وما من تأثير حقيقي للصراع الرئيسي على أبطاله بما فيهم الشخصيات الفاعلة، فإذا كان “مهيوب” امتهن النص والاحتيال، فقد دفعت الأحداث كلا من “ذهب” و”زكية” إلى امتهانه، وها هما تنتقلان من مشكلة إلى أخرى من دون أن نرى تأثيرا للصراع عليهما، إلا بحدود بسيطة ومسطحة لا تتجاوز ردود الأفعال المباشرة التي سرعان ما تصير طي النسيان، حتى حرمان “ذهب” من ابنها الصغير مرّ ولم نلحظ أنه ترك أثره عليها.
وهنا يبرز السؤال: مع غياب شبه كامل للغموض وتفاوت درجة التشويق بين حلقة وأخرى، من أين تأتي المتعة في المسلسل الذي يجتذب الجمهور إليه اليوم؟
في الغالب يعوض العمل ما ينقصه من تشويق بالكوميديا، التي تعتمد أساساً على إمكانيات الممثلين بدرجة كبيرة والجهد الإخراجي لإياد نحاس في التقاط تلك الإمكانيات، إضافة إلى المفارقة التي يحدثها سلوك بعض الشخصيات التمثيلية في العمل، بيد أن ذلك سرعان ما يستنفد أغراضه، إذا ما رفع صناع العمل درجة التشويق والغموض من خلال الصراع الذي ننتظره في الحلقات المقبلة بين قوى الخصومة الرئيسية (ذهب) في مواجهة (مهيوب)، كما يفترض عليهم إكساب المصادفة التي اعتمدها المسلسل في بعض حلول حكايته، معنى وغاية مع تعاقب الأحداث، وإلا ستكون تلك المصادفات مجرد آلية مفتعلة لإجراء تحويل في حبكة الحكاية.
سماتي آمنة

مقالات ذات صلة

إغلاق