أراءثقافةمساهمات

عائلة سورية …امرأة بمثابة وطن

العائلة السورية فيلم من اخراج البلجيكي فليب فان، عرض بحر هذا الاسبوع في قاعة ابن زيدون بالعاصمة الجزائر بمناسبة مهرجان الفيلم المتوسطي المقام بمدينة عنابة.

خلال ساعة و نصف دارت أحداث داخل شقة لا تتعدى مساحتها 120 متر ، تحتضن فيها أفراد عائلة سورية تلتجئ إليها زوجين و رضيعهما ، ما يلفت انتباه في هذه الشقة ورغم أجواء الحرب و الدمار المشهد الخارجي هو ذلك الترتيب المنزلي بشكل الاعتنائي المنتظم و تحرص سيدة البيت -الممثلة هيام عباس- على اعتناء بأدق التفاصيل البيتية و السهر على بقاء الأثاث و الديكور المنزلي كما كان في السابق يحمل دائما اللمسة الشامية .

كان بودي لو عنون الفيلم -الصمت- ذلك أن هذه الصفة ( الصمت ) بات يتقاسمها سيناريو الفيلم مع حالة السكون التي لازمت المشاهد منذ بداية العرض ، فعلى وقع دوي المدافع و صوت الطيران و الطلقات النارية الذي الطاغى على المشهد لا نجد في البيت إلا الحركات و الكلمات المختصرة المختزلة و تلك الإشارات العينية و الايحاءات و لغة الخوف و الأجساد التي ترعبها أصوات المدافع و الهروب و الاختفاء ، في تلك الأجواء الساخنة ، كان من الصعب جد سماع دوي القنابل من حولك دون أن تدرك من هو المستهدف ، و في صدرك سؤال تبحث له عن إجابة هل سيكون منزلي نقطة انفجار البراميل المتفجرة ؟ .

يفتتح الفيلم بمشهد دارمي ، تليها لحظات رومانسية و حميمية بين الزوجين ، يستعد الشاب الخروج من البيت بعدما أخبر زوجته بترتيبات الهروب مساء ذلك اليوم الى لبنان ، في تلك اللحظة يكون هدف لقناص يصيبه ، عبثية الحروب هكذا تموت حسب مزاج القناص ، و تكون خادمة البيت شاهدة على الواقعة التي أبلغت سيدتها بالحادثة ، غير أن هذه الاخيرة أمرت خادمتها بأن لا تبوح بذلك لأي أحد .

يخيم الوجع و السر على أرجاء البيت و لا يهز سكون المكان إلا تلك الدقات المتكررة على الباب ، يتحول الصوت إلى مصدر رعب ، في تلك الاثناء يسري السكون و ينشر الخوف داخل الشقة ، يشرع الوجدان في الكلام : الغرباء هم أعداءك في الحرب لا تفتح لهم الباب ، لا تسمتع إليهم ، لا تطمئن إليهم ، أتركهم دائما خلف الباب ..

يعكس الفيلم صورة قوة و شجاعة المرأة خلال الحرب ، من خلال ابراز حرص سيدة البيت على نظافة المكان و السهر على الوالد و متابعة تمدرس الابن و مراقبة سلوكيات البنات و إدارة الشؤون الحربية و إعلان الطوارئ، تعليمهم طرق الحماية من القنابل ، و كيفية الابتعاد على الشرفات مخافة القناصة أو طيش رصاصة ، كان على المرأة عبر مراحل سيناريو أن تبقى صامدة أمام الجميع كي لا ينهزموا جمعيا ، و كان عليها أن تظل واقفة كي لا ينكسروا حتى تبعث الأمل في كل لحظة و تخبر الجميع عن قرب نهاية الحرب و عودة أيام زمان .

حاول الفيلم أن يرسم تفاصيل الحرب القذرة ، عبر تلك العصافير البريئة الباحثة عن الماء ، في تلك الظروف وحده الماء ينعش الخراب و الدمار و يزيل الغبار و يعطيك الاحساس أنك لا تزال على قيد الحياة ، كما شكل الماء و الكهرباء هواجس يوميا ، لعبة الحرب قذرة لا عنوان لها ، لا ماهية فيها ، المقاتل قد يكون من يكون ، تغتصب البراءة و الجمال و الأجساد الطرية أول ضحايا تلمسها الحروب ، تغتصب الزوجة على مسمع باقي أفراد العائلة ، تترمى بيان أيدي سفحي الحروب، لا عنوان لهم ، لا يحملون و لا هوية سوى الاقنعة قد يكون الواحد منهم يحمل نظارات الرجل السياسي و يرتادي ثياب المثقف الانيقة أو لباس شبابي رياضي لكنه يصطاد دائما الارواح الضعيفة.

كم هو مفجع أن يحضر الظلام و يغيب زوجك عن الدار ، و يسمع رنين الهاتف و لا يسمع صوته ثم يأتيك النعي أن زوجك جثة هامدة أمام العمارة ، تتحدى المرأة الموت و الخوف و القناص حتى تستعيد زوجها إلى البيت , و هو لا يزال على قيد الحياة.

في نهاية فيلم ، لا يطرح صاحبه أي توجه سياسي يدين النظام أو يتهم المعارضة و لا يتموقع في أي جهة من طرفي الصراع ، وظل محافظا على نفس المسافة بينهما ، حاصرا تركيزه على معاناة عائلة سورية داخل شقة منزلية تأبى السيدة مغادرتها رغم فظاعة الحرب.

بقلم: عمر لشموت

مقالات ذات صلة

إغلاق