مساهمات

27 أوت الذكرى المزدوجة لاتخاذ يوم الجمعة عطلة

بقلم:  الطيب بن إبراهيم

 من صدف التاريخ أن يكون يوم 27 أوت تاريخا مشتركا لحادثين جزائريين مميزين مرتبطين ببعضهما البعض، أولهما ذكرى مرور إحدى وأربعين سنة هذا العام على اتخاذ يوم الجمعة عطلة أسبوعية رسمية للجزائريين مع يوم الخميس، بدل يومي السبت والأحد، والمناسبة الثانية هي الذكرى الخامسة والعشرون لوفاة عراب التعريب في الجزائر المستقلة، المرحوم مولود قاسم نايت بالقاسم 1927 ـ 1992، والذي كان أحد أبرز صناع الحدث الأول.

إن استرداد الجزائر “الجغرافيا ” من الاستعمار أسهل بكثير من استرداد الجزائر التاريخ، وإن تأثير الاحتلال على الجغرافيا أقل بكثير من تأثير الاحتلال على التاريخ، ففرنسا ابتلعت تاريخ الجزائريين بجرة قلم، وادعت أن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وأنها امتداد لفرنسا فيما وراء البحر، ومن هذا المنطلق كانت سياسة الاحتلال تعمل على فَرْنَسةِ البلاد والعباد اجتماعيا وثقافيا ودينيا ولغويا، أو ما سماه المرحوم مولود قاسم سياسة الفسخ والمسخ والنسخ. ونحن منذ عقود استرددنا أرضنا، لكن تاريخنا لا زلنا نكافح من أجل استرداده!!.

كان مولود قاسم 1927 – 1992 من المثقفين القلائل الذين أدركوا ما أصاب الشخصية الوطنية الجزائرية عموما والإنسان الجزائري خصوصا من تشويه ودمار، وما لحق بالتاريخ من تحريف وتزوير، خاصة ما قامت به كتائب المستشرقين في مجال التاريخ عامة، والدراسات البربرية خاصة، وهذا لم يكن خافيا على مولود قاسم، ومن هذا المنطلق كانت جهوده منصبة بعد الاستقلال على إعادة ما أفسدته فرنسا، وهو إعادة بناء وتكوين الإنسان الجزائري وإعادة كتابة تاريخه.

  • التعليم الأصلي

بعد أن استُدعِي مولود قاسم لوزارة الأوقاف سنة 1970م من طرف الرئيس هواري بومدين، لم يهرول للوزارة، ولم يقبل المنصب إلا بشروط، منها أن يسمي وزارة الأوقاف بـ”وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية”، لأن التعليم هو الأساس وهو الوسيلة الأولى في بناء الأمة كما يقول، وعندما سأله الرئيس بومدين بأن البعض قد يعترض على تسمية الوزارة بـ”التعليم الأصلي”، أجاب مولود قاسم قائلا: وافق أنت على هذه التسمية واترك لي موضوع الرد على المعترضين.

لقد كان للتعليم الأصلي مبرراته التاريخية والثقافية والوطنية، وكان أبرز مشروع استراتيجي قدمه مولود قاسم خدمة للشخصية الوطنية الجزائرية ولأصالتها التي كان يؤمن بها حتى النخاع.

كان التعليم الأصلي حسب مولود قاسم عصريا متفتحا أصيلا للنشء، وتكوينا عاليا للأئمة، وكان منهجه مستمدا من أحدث الطرق التربوية المعاصرة والمعمول بها، مركزا على الأصالة الوطنية، فاعتمدت التسمية منذ سنة 1970، وأصبح للتعليم الأصلي ميزانيته كباقي الوزارات، وأصبحت شهاداته رسمية بعد المرسوم رقم 71 -138، المؤرخ في 18 ربيع الاول1391هه الموافق 13 ماي 1971م، والمتضمن إحداث شهادة بكالوريا للتعليم الأصلي، وبعد ذلك جاء دور التعليم العالي، وكانت ثمرته متمثلة في كلية الشريعة والقانون بقسنطينة، وكلية أصول الدين بالجزائر، ثم بدا التفكير في إقامة جامعة إسلامية بقسنطينة.

ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وقبل أن تكتحل عينا مولود قاسم بمشاريعه التربوية الوطنية العملاقة، وقبل أن يكتمل العقد الأول لهذه الانطلاقة، توقفت أنفاس التعليم الأصلي سنة 1977 فجأة دون سابق إنذار.

 

  • التعريب

وفي مجال التعريب، ورغم أن الجزائر كانت في العقد الأول فقط من استقلالها، ورغم أن جل، إن لم نقل كل الإطارات كانت “مفرنسة”، إلا أن الرجل كانت له قرارات جريئة وشجاعة، فأول قرار اتخذه نايت بلقاسم حين تعيينه كوزير سنة 1970،هو أن لا يُوَقِّع أية وثيقة تَرِدُ إليه بالفرنسية، والقرار الثاني أن لا يَرُد ولا يقرأ أي بريد يصل إليه مكتوبا باللغة الأجنبية مهما كان مصدر الرسالة، ولم يتزعزع أو يتنازل رغم تدخل الرئيس بومدين.

في وقت مبكر من استقلال الجزائر، لم يتحجج أحد بصعوبة التعريب وقلة الإطارات والإمكانيات، كل ذلك زال أمام إرادة وصلابة مولود قاسم،خاصة بعد أن ترأس المجلس الأعلى للغة العربية، وانعقدت الندوة الوطنية للتعريب تحت رئاسة الرئيس بومدين بتاريخ 20 ماي 1975م، وخرجت الندوة بمخطط شامل لتعريب التعليم والإدارة والمحيط الاجتماعي والثقافي، وفي السنة الموالية اتخذ قرار آخر لا يقل جرأة عن سابقيه وهو إلغاء يومي السبت والأحد كعطلة أسبوعية متوارثة عن الاستعمار، واستبدالهما بيومي الخميس والجمعة كعطلة أسبوعية وطنية رسمية في الجزائر المستقلة، ابتداء من أول جمعة من أيام رمضان المبارك سنة 1396هـ الموافق ليوم 27 أوت 1976م، وهذا القرار يندرج ضمن التعريب والتأصيل.

  • مجلة الأصالة

 صدر أول عدد من المجلة في شهر محرم 1391 هـ الموافق لشهر مارس 1971م وافتتحها الرئيس هواري بومدين بافتتاحية تتناغم مع ما يدعو له مولود قاسم بعنوان “ثورة متكاملة أصيلة”، فكانت لسان حال “ثورة ثقافية أصيلة”، كانت “الأصالة” مجلة شهرية يكتب فيها كبار الكتاب العرب والمسلمين، وكانت تصل لأقصى القرى والمداشر الجزائرية، ولم تصل أي مجلة قبلها أو بعدها إلى حيث وصلت مجلة الأصالة التي كانت تباع بدينارين فقط كسعر رمزي، وتقدم مجانا لكل مساجد الجزائر، وكانت المجلة اسما على مسمى لمحتواها ومادتها ومضمونها لتفرض نفسها وتتحول لمجلة عالمية تقرأ خارج الجزائر.

قال مولود قاسم في الكلمة الافتتاحية في العدد الأول لمجلة الأصالة: لقد كافح شعبنا أكثر من كافح، لا من أجل مستوى من المعيشة يضاهي به مستوى السويد وكندا، ولا من أجل ترف أو بذخ، ولا مظاهر وشكليات وسطحيات، وإنما كانت أقوى الدوافع له في كفاحه هي بطاقة تعريفه، هي هويته، هي استرجاع شخصيته وذاتيته، هي إنيته وأصالته اللتان هويتهما من هويته، وليس شيئا بدونهما إطلاقا.

 

  • مؤتمرات الفكر الإسلامي

أصبحت مؤتمرات الفكر الإسلامي الجزائرية أكبر المؤتمرات الدولية في العالم الإسلامي، تدوم أسبوعا كاملا تحت إشراف وزارة التعليم الأصلي، وكان يشارك فيها صفوة علماء العالم العربي والإسلامي، وتطرح فيها أهم القضايا التي تشغل الأمة، الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكانت تعقد ملتقياتها كل سنة بمدينة من المدن الجزائرية في جميع أنحاء الوطن من تامنغاست وورقلة جنوبا إلى العاصمة ووهران وبجاية شمالا، ومن تلمسان غربا إلى قسنطينة شرقا، وكانت هذه الملتقيات بمثابة أعراس ثقافية كبرى للجزائر.

 

  • المجمع الجزائري للغة العربية

من آخر مشاريع مولود قاسم الطموحة لخدمة اللغة العربية وثقافتها وتأصيلها هو إقامة “مجمع جزائري للغة العربية” على غرار ما هو قائم في مصر وسوريا والعراق، وعمل على تجسيد ذلك بدون كلل أو ملل رغم التحديات والمؤامرات، إلى أن أقر المجلس الشعبي الوطني قانون المجمع الجزائري للغة العربية يوم 16 جويلية 1986، لحظتها أعلن مولود قاسم بين النواب قائلا: “إنه أول نوفمبر ثان في المجال الثقافي، بل هو أول نوفمبر الأول في الواقع لأننا نعود به من بعيد من المحو والذوبان والمسخ والنسخ والفسخ إلى الذاتية إلى أن نكوّن أنفسنا”.

 

  • مولود قاسم “الشخصية والوطنية”

تتميز شخصية مولود قاسم بالصدق والإخلاص والتفاني في العمل، والتضحية من أجل المبادئ وعلو الهمة والتواضع والجرأة في التعبير عن المواقف، والصرامة في اتخاذ القرار. يقول عنه رئيس جمعية مولود قاسم “محفوظ رمضاني”: “هذا الرجل يتجسد فيه شموخ جبال الجزائر وصلابة صخورها..”، وهو الذي رد على آية الله خميني عندما خاطبه بالفارسية: كلمني بالعربية وإلا كلمتك بلغة لم تجد لها مترجما “قاصدا الأمازيغية”، وهو الذي عاد من مطار موسكو دون أن ينزل إلى الأرضية عندما علم أن شخصا دون مستوى الوزير في استقباله، ليقدم استقالته للرئيس بومدين، الذي رفضها، وهو صاحب عبارة: “أكون بوابا في السويد ولا أكون وزيرا في حكومة ضعيفة”. إنه المثقف الذي أتقن عدة لغات، وجعل سيدتهم العربية،واعتز بجزائريته أيما اعتزاز، ومن شدة إفراطه في الوطنية وحبه لوطنه، أطلق اسم الجزائر على ابنته الوحيدة.

 

  • الحرب الصامتة

لم يكن اللوبي الفرنكوفوني ومن ورائه فرنسا غافلين على ما كان يحدث في مسيرة تعريب الجزائر المستقلة، وقبل كبح جماح مسيرة التعريب كتبت جريدة “لوموند” بالبنط العريض اسمي مولود قاسم وزهور ونيسي في دعاية لها نقلا عن كتاب لإحدى الفرونكوفونيات، وصف الشخصيتين الوطنيتين بـ”الحقد الأكبر سوادا…”.

بقدر ما كان مولود قاسم مخلصا متفانيا في خدمة الجزائر العربية الأصيلة، كان التيار المعاكس متفانيا في العمالة لمصالح فرنسا، لهدم ما بنى مولود وإخوانه، ليتوج ذلك التآمر بقرار تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية سنة 1992 من طرف “المجلس الانتقالي، وهو المجلس الذي قال عنه بوضياف، مجموعة “حرامية”.

كان مولود قاسم وفيا بالعهد لابن باديس وللشهداء، وكان من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه في مرحلة الاستقلال، كان نوعا فريدا، فما قام به الرجل في وقت قياسي، وما أنجزه في أقل من عقد في الجزائر رغم كل المؤامرات والعراقيل لم تنجزه حكومة بكاملها، بل حكومات، فليس كل الأئمة ابن باديس، وليس كل مقاوم ابن مهيدي، وليس كل وزير مولود قاسم، وليس كل الرجال رجال !!.

مقالات ذات صلة

إغلاق