مساهمات

تشتت الأسر والعائلات في الصيف … !

بقلم : الشيخ قسول جلول إمام مسجد القدس حيدرة

 

توعية المواطنين بآثار العطلة الصيفية على الأطفال والشباب خاصة، والآثار قد تكون مدمرة للأسرة واستقرارها، مما يشكل خطرا على القيم المجتمعية …بعض العائلات تعطي الحرية الزائدة لأولادها ولا تحصنهم ولا ترافقهم غير مراعين للمخاطر التي تترصدهم …!!.

الأسر الجزائرية في فصل الصيف، (رحلة الصيف)، تنتقل إلى جهة الشمال،  وتتوزع على الولايات الشمالية عند العائلات، أو عند الأصدقاء والأحباب، ومن في الشمال ينتقلون إلى الشمال بالنسبة لهم كفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا..إلخ بحثا عن الراحة والاستجمام، لكن لا أحد سأل عن تأثير هذه الرحلة على التماسك الأسري، فمن كان في ولايات الجنوب والوسط يتأثر بالحياة في الولايات الشمالية، وتظهر له أنها الجنة، ويترك ما كان عليه في أسرته ويزحف إلى الشمال، ومن في الشمال يترك ماهو فيه وينتقل بكل الوسائل والطرق إلى الشمال.. إلخ.

والأسرة في أي مكان، وفي أي ولاية تعيش بثقافتها وقيّمها المجتمعية، وهي مكسب عظيم في المجمعات السكانية، وحتى تتمكن العائلة من القيام بعطلة خالية من المخاطر يجب عليها تحصين أبنائها وبناتها وتحبب لهم سكنهم  وولايتهم وقريتهم التي تربوا فيها وتعلمهم بأن الموطن والبيت نعمة من نِعَم الله تعالى على عباده في هذه الحياة، حيث هيَّأ لهم الأُسرَ والبيوت، ومنَّ عليهم بالسكن والتجمعات، وجعلها سكنًا ورحمةً، ولباسًا وموَّدة، يتفيَّأ المسلم خلالهاعن الحر، ويستدفئُ بها من البرد، وتسترُه عن الأنظار، وتحصنُه من الأعداء، قال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}  النحل الآية 80.

لقد جعل الله تعالى البيوت سكنًا يأوي إليها أهلُها، تطمئنُّ فيها النفوسُ، وتأمنُ فيها الحرماتُ، وتسترُ فيها الأعراض، وتُربَّى في كنفها الأجيال، وهو – سبحانه وتعالى – يريد بذلك من البيوت أن تكون قلاعَ خيرٍ ومحبةٍ ووئامٍ، وحصونَا قوية وحنانٍ وأمانٍ، وديارَ خيرٍ وفضيلة وإحسانٍ.

قدّر نعمة السكن والمأوى على بني آدم، حينما يرى أحوال مَن سُلبوا هذه النعمةَ، من المشرَّدين واللاجئين من إخواننا في العقيدة والدين، الذين يعيشون في الملاجئ، أو على أرصفة الشوارع، حينها يعلم يقينًا معنى التشتُّتِ والحرمان، الناجمينِ عن فقد السكن والمأوى، وبعد انتهاء عطلة الصيف تعلق في أذهانهم الهروب إلى هذا البلدان والعيش فيها عن طريق ما يعرف بـ(الحراقة)، هذا إذا كانت البلدان في الضفة الأخرى، ونفس التفكير يقع فيه أهل الجنوب بالنسبة للهجرة للولايات الشمالية (النزوح الريفي) ونتائجه معروفة، حيث بيَّن ذلك المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بقوله: ((السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سفره، فليُعجِّل الرجوع إلى أهله))- رواه البخاري ومسلم، ومن هنا جاء الاهتمام العظيم في الإسلام بإصلاح البيوت والتمسك بها في أي ولاية كانت، لأن الأسرة هي الدِّعامة الأساس في صرح الأمة، واللبنة الأولى في تكوين المجتمع، فعلى قدر ما تكون اللبنة قويةً يكون البناء راسخًا منيعًا، وكلما كانت ضعيفة كان البناء واهيًا، آيلاً للانهيار والتصدع.

البيت المسلم هو المدرسة الأولى التي يتخرج منها الأعضاءُ الفاعلون في المجتمع، سلبًا أو إيجابًا، ساسةٌ وقادة، علماءُ وقضاةٌ، مربونَ ودعاةٌ، وطلاب ومجاهدون، وزوجاتٌ صالحاتٌ، وأمهاتٌ مربياتٌ، لذا سعى الإسلام سعيًا حثيثًا لإصلاح الأسر والبيوت، وبدأ ذلك بالأسس التي يتكوَّن منها البيت المسلم، وفي مقدمة ذلك اختيارُ الزوجة ذاتِ الصلاحِ والدينِ، لأنها – بإذن الله تعالى – أهمُّ عوامل الإصلاح للبيت بعد الرجل.

وحتى تتمكن العائلة من القيام بعطلة خالية من المخاطر، يجب عليها تحصين

أبنائها وبناتها، وتحبب لهم سكنهم وولايتهم وقريتهم التي تربوا فيها، ومما يساعد على ذلك ذكر الله، حيث  أمر الإسلام بإحياء البيوت بذكر الله تعالى وقراءةً كتاب الله، وصلاةً، وعبادةً، وذكرً، ولذلك كان من سنته- صلى الله عليه وسلم – صلاةُ النافلة في بيته، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا))- متفق عليه، وفي هذا دلالة واضحة على أنه يجب على المسلم أن يجعل في بيته نصيبًا من العبادة، لا سيما الصلاة، لتعليم أبنائه وأهله الصلاةَ، وتعويدهم عليها، ونتذكر في هذا المقام أيضًا محرابَ مريمَ، وهو مكان عبادتها، الذي قال الله فيه: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا}-  [آل عمران: 37].

وإن بيتًا يُنشَّأ على طاعة الله – أيها الأخوة – لحريٌّ به أن يكون بيتًا إيمانيًّا، يعظُمُ ثوابُ أهله، ويصفو عيشهم، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلَّى، فأيقظ امرأته فصلَّتْ، فإن أبتْ نَضَحَ في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحتْ في وجهه الماء))- رواه أحمد وأبو داود. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعوِّدوهم الخير، فإن الخير عادة”- رواه البيهقي. قال – صلى الله عليه وسلم- : ((إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكَّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقال له: حسبك، قد هديت، وكُفِيت، ووُقِيت، فيتنحى له الشيطان، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي، وكُفي، ووُقي؟!))- رواه أبو داود والترمذي.

البيت المسلم يُعنى بحسن تربية الأولاد، امتثالاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ

شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}  -[التحريم الآية 6]، والتربية مسؤولية ملقاة على عاتق الوالدين؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)).

البيت المسلم مؤسس على تقوى من الله ورضوان، ولا يدخله إلا أهلُ التقوى

والإيمان من العلماء، والدعاة، والأخيار، وصالحي الإخوان؛ قال الله تعالى عن نوح: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}  -[نوح الآية 28]، والمؤمن الفطن، عباد الله، يختار الصالحين لصحبة أولاده؛ قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}  [الزخرف الآية 67]، وقال -صلى الله عليه وسلم -: ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المِسْك ونافخ الكير؛ فحاملُ المسك: إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيِّبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة))- متفق عليه، وقال – صلى الله عليه وسلم -: ((المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدُكم مَن

يخالل))- رواه الترمذي وأبو داود. واختاروا لأبنائكم في العطلة الصحبة الطيبة لأن الصحبة السيئة مصدر خطر كبير، فكم من شخص تحطم وانتكس، وتبلَّد حسه، ووهنت مشاعره؛ بسبب الرفقة السيئة، وكم من إنسان فسَدتْ أخلاقه، وانهدم بيته، وطلقت زوجته، وتحطمت حياته، وانسلخ من دينه وحيائه بسبب الرفقة السيئة.

البيت المسلم يُحافَظ فيه على الفطرة، فالرجل يحافظ على رجولته، والمرأة تحافظ على أنوثتها، فيُصان الأولادُ عن التشبه بالنساء، والبناتُ عن التشبه بالرجال، إنَّ تشبُّه أحد الجنسين بالآخر، ومظاهر التميع وسيلة لإشاعة الانحلال في المجتمع، وفتح لأبواب الفساد، واعلموا أن بيوتكم أمانة في أعناقكم، استرعاكم الله على مَن فيها مِن الزوجة والأولاد، والله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعى، أحَفِظَ أم ضيَّع؟

مقالات ذات صلة

إغلاق