مساهمات

الحج فرصة العمر….وضيافة رب العالمين

بقلم الأستاذ /قسول جلول إمام مسجد القدس حيدرة

.تهفوا تفوس الملايين من المسلمين ومن بينهم نفوس الجزائريين إلى الحج كل عام ذلك أن الله قذف في القلوب محبة خاصة لبيته الحرام وجعله مثابة للناس كما قال سبحانه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}  [سورة البقرة: 125] أي مرجعاً لا يملون منه، وهذه من آيات الله البينات أن يشتاق إليه كل من نطق بالتوحيد مهما كان مذنباً أو بلغت ذنوبه عنان السماء، وإذا أيقنا بتلك الآية الباهرة لتلك المحبة العظيمة التي يحبها المسلم لهذا المكان الطاهر كان حرياً به أن يستعد له الإستعداد الكامل الذي يليق بمدى إظهار حبه لهذه الشعائر الربانية، وهذا الإستعداد للسفر لحج بيت الله الحرام، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى استعداد بما يلزم له ماليا وبدنيا ونية قصدا، فيحتاج إلى استعداد بالنفقة الكافية التي يستغني بها عن الناس قال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، البقرة: 197

فأمر سبحانه بالتزود، وهو أخذ الزاد الكافي لسفره ذهابا وإيابا، وتوفير المركوب المناسب الذي يحمل في سفره ويبلغه إلى بيت الله، ثم يرده إلى وطنه، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا)، آل عمران: 76.

والسبيل الذي اشترط الله استطاعته: هو الزاد، والمركوب المناسب في كل وقت بحسبه، والعلم بأحكام الحج حتى يتمكن من أداء نسكه على الوجه المطلوب والموافق للسنة، وأن مديريات الشؤون الدينية في جميع الولايات وضعت برنامجا لتوعية الحجاج وتعليمهم مناسك الحج… بقوافل علمية ودروس ومحاضرات… إلخ.

– الاستعداد المادي تفقد الوثائق المطلوبة والأدوية والتأكد من صلاحيتها، وتوفير ما يلزم توفيره من إحرامات.. إلخ.

بين سبحانه في الآيتين الكريمتين السابقتين أنه لا بد من أخذ زادين؛ زاد السفر للدنيا، وذلك بالطعام والشراب الكافيين إلى نهاية الرحلة، وزاد السفر للآخرة وذلك بالعمل الصالح والابتعاد عن المعاصي، ثم بين سبحانه أن مزاولة التجارة والاكتساب وطلب الرزق الحلال لا يتعارض مع العبادة إذا لم يطغ على وقتها ولم يشغل عنها.

كما أن على الحاج أن ينفق في حجه من الكسب الحلال، ليكون حجه مبرورا وذنبه مغفورا. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا خرج الحاج حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجك مبرور وغير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور”، رواه الطبراني.

ويجب على من يريد الحج أن يتوب إلى الله من سائر الذنوب، وإذا كان عنده مظالم للناس فعليه أن يردها إليهم ويطلب مسامحتهم، ليستقبل حجه بالتوبة والتخلص من المظالم، ويجب عليه أن يتجنب الذنوب والمعاصي وأن يحافظ على أداء الصلوات وسائر الواجبات، وهذا أمر يجب عليه في كل حياته وفي جميع حالاته، لكن الحاج يتأكد في حالة ذلك لأنه في عبادة عظيمة، فلا ينبغي له أن يدخل فيه وهو متلبس بالذنوب والمعاصي أو يفعل الذنوب والمعاصي أثناء الحج، قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه”. فمغفرة الذنوب بالحج، ودخول الجنة مرتب على كون الحج مبرورا. وإنما يكون الحج مبرورا باجتماع أمرين فيه: أحدهما: الإتيان فيه بأعمال البر ومنها الإحسان إلى الناس بالبر والصلة وحسن الخلق، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر، قال: “حسن الخلق”. وهذا يحتاج إليه في الحج كثيرا، بحيث يعامل الناس بالإحسان بالقول والفعل سواء كانوا من رفقته في السفر سفرا لإسفاره عن أخلاق الرجال.

فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك، فقال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

ومن أعظم أنواع البر في الحج: كثرة ذكر الله تعالى فيه، وقد أمر الله تعالى بذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى خصوصا في حال الإحرام بالتلبية والتكبير، فما تزود حاج ولا غيره أفضل من زاد التقوى، فإن التقوى تجمع خصال الخير كلها.

ويجب على الحاج أن يخلص النية لله في حجه، بأن لا يقصد به رياء ولا سمعة ولا طمعا من مطامع الدنيا، قال تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ).

وينبغي للحاج ان يصبر على المشقة، وعلى الحاج قبل أن يسافر للحج أن يكتب ما له وما عليه من الديون، وما عنده من الودائع، والأمانات من أجل أنه لو قدر أن يجري عليه شيء في سفره من موت أو عائق يمنعه من الرجوع إلى وطنه، فإنه يكون قد وثق هذه الحقوق وبينها، فيضمن بذلك وصولها إلى أهلها وتبرأ ذمته منها.

واستعدوا للحج بما يليق وأدوه على الوجه المشروع، وأكملوا مناسكه، وأخلصوا النية فيه لله مع الخشوع والسكينة والتواضع فيه لله، والإحسان إلى إخوانكم الحجاج وعدم أذيتهم، ومضايقتهم، واصبروا على مشاقة وما ينالكم فيه من التعب، فإنه من الجهاد.

-الاستعداد النفسي: وهو التهيؤ النفسي بمعرفة أجواء الحج وأن فيه مشقة وزحام وتعب، وقد يتأذى من بعض إخوانه بسبب التدافع.. أو يرى معاملة غليظة من البعض أو نحوها فيقابلها بالصبر والاحتساب والابتسامة وعدم الرد والتخلق بالخلق الحسن، وأن يمسك لسانه عن كل فحش وسباب، وهذا الذي يدعونا إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» [رواه البخاري].

-الاستعداد الصحي: وهو أخذ التطعيمات اللازمة والأدوية الضرورية والتأكد من أكل الطعام النظيف المغلف غير المكشوف، وينبغي أن أنوه الاستعداد الإيماني: وهو إخلاص النية في هذا الحج لله تعالى بعيداً عن السمعة والشهرة لا يكون العبد ملتفتاً إلى غير الله، ولا ناظراً إلى ما سواه، لا حباً له، ولا خوفاً منه، ولا رجاء له، بل يكون القلب فارغاً من المخلوقات، خالياً منها، لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق يسمع، وبالحق يبصر، وبالحق يمشي…”.

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق