مساهمات

“بيروني” جزائري لتوحيد المسلمين حول التقويم القمري

بقلم: محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا

رحل رمضان وحل العيد، لكنه عيد حزين دون طعم ولا مذاق.. تدهور أمني خطير في الخليج جراء أزمة قطر وشقيقاتها، وفي المغرب العربي انفلات في تونس قد تدفع “النهضة” ثمنه ومظاهرات “الحسيمة” المغربية تكدر صفو المخزن، ونتائج انتخابات مفبركة في الجزائر قد تدفعها للمجهول، وفي أم الدينا شعب مصر يتجرع ما جنته أيادي الانقلاب العسكري الآثم على الشرعية.. عدم استقرار في ليبيا جراء تدخلات خارجية مغرضة ومالي يتربص بها والسودان مقسم، وحرب أهلية دولية في سوريا تطايرت شظاياها لدول الجوار كلبنان وغيرها.. العراق على أبواب انفجار مهول لن ترممه إلا معجزة ربانية، حرب أهلية واسعة النطاق، والوضع ليس أحسن في اليمن التعيس، والقائمة طويلة…..

  • ما أشبه الليلة بالبارحة

هذا الوضع ليس جديدا، يا سادة يا كرام، إنه يتكرر منذ القرن الماضي، فالتاريخ يعيد نفسه، فما أشبه عيد الليلة بعيد البارحة، “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، سبحان الله، أي نظر ثاقب لعلامة الجزائر ..تمعّنوا معي هذا النص البليغ للعلامة البشير الإبراهيمي الذي وصف حال العرب بمناسبة يوم العيد قبل أكثـر من 60 عاما، قائلا: يا عيد.. إن لقيناك اليوم بالاكتئاب، فتلك نتيجة الاكتساب؛ ولا والله ما كانت الأزمنة ولا الأمكنة يومًا ما جمالًا لأهلها، ولكن أهلها هم الذين يجمّلونها ويكمّلونها؛ وأنت – يا عيد- ما كنتَ في يوم جمالًا لحياتنا، ولا نضرة في عيشنا، ولا خضرة في حواشينا، حتى نتّهمك اليوم بالاستحالة والدمامة والتصوّح…وانقطعت الصلة بين النفوس، فانظر يا عيد…”، حيث كتب ذلك في البصائر سنة 1951، وهو يتابع بفكره وقلبه وأعصابه وإحساسه كل بلاد الإسلام. فاقرأه معي وهو يتحدث لنا عن حال جزيرة العرب، ومصر وشمال أفريقيا وغيرها، كأنه يعيش اليوم معنا يقول رحمه الله: وجاء هذا العيد … والهوى في مراكش يأمر وينهى، والطغيان في الجزائر بلغ المنتهى، والكيد في تونس يسلّط الأخ على أخيه، وينام ملءَ عينيه، والأيدي العابثة في ليبيا تمزّق الأوصال، وتداوي الجروح بالقروح، وفرعون في مصر يحاول المحال، ويطاول في الآجال، ومشكلة فلسطين أَكِلَةٌ خبيثة في وجه الجزيرة العربية، تسري وتستشري؛ والأردن قنطرة عبور للويل والثبور، وسوريا ولبنان يتبادلان القطيعة، والحجاز مطمح وُرّاث متعاكسين، ونُهْزة شركاء متشاكسين، وقد أصبحت حماية (بيته) معلّقة بحماية زيته، واليَمن السعيدة شقيّة بأمرائها، مقتولة بسيوفها؛ والعراق أعيا داؤه الرّاق، وتركيا لقمة في لهوات ضيغم. وهي تستدفع تيارًا بتيّار، وتستجير من الرمضاء بالنار، وفارس طريدة ليثين يتخاطران، وباكستان لم تُزمع التشمير، حتى رُهصت بكشمير؛ والأفغان تحاول الكمال، فيصدّها الخوف من الشمال؛ وجاوة لم تزل تحبو، تنهض وتكبو، وتومض وتخبو.

هذه ممالك العروبة والإسلام، كثرت أسماؤها، وقلّ غناؤها، وهذه أحوال العرب والمسلمين، الذين يُقبل عليهم العيد فيُقبل بعضهم على بعض، يتقارضون التهاني، ويتعلّلون بالأماني، أفلا أُعذر إذا لقيت الأعياد بوجه عابس، ولسان بكيّ، وقلم جاف، وقلب حزين”.

  • لما يقع الخطأ برؤية ولادة أفق كوكب زحل بدلاً من القمر

إضافة للحالة التعيسة هذه، تشرذم دولنا واختلافها اليوم حتى على تحديد بداية رمضان ويوم العيد، خاصة لما نقرأ خبرا عاجلا تلوكه أفواه بعض أهل الفلك كالعلك، بعد أيام من عيد الفطر المبارك، حيث يقول أصحابه للأمة الاسلامية “يعتذر المرصد الفلكي الفلاني عن وجود خطأ في رصد هلال شوال حيث تم الإعلان عن رؤية هلال شهر شوال في الساعة كذا عند غروب الشمس الذي يصادف الساعة الفلانية حيث وقع الخطأ برؤية ولادة افق كوكب زحل بدلاً من القمر !

والادهى والأمر، أن يقول أصحاب هذا المرصد الفلكي، تتمة لبيانهم الآثم ذاك، وإبراء لذمتهم “وبذلك ستعلن الهيئة بعد التحقق من الأمر بوجوب دفع الكفارة من عدمها، والكفارة مقدرة بمليار و٦٠٠ الف ريال سعودي” كما وقع في عام ٢٠١١!!

نعم هذا وأكثر من هذا، ونحن في عصر الحساب والدقة وتكنولوجيا الفضاء ومراصد الأقمار الاصطناعية، أنظروا أين أوصلنا منجمون ودراويش هذا في الدين وذاك في السياسة؟ إنها الفتنة على حد تعبير المرحوم مولود قاسم، حيث كتب أستاذنا الهادي الحسني في مقاله الأخير “نُفتن – نحن “المسلمين”- في كل عام، مرة أو مرتين، ولكن أكبر فتنتين تصيباننا هما فتنتا بداية الصوم ونهايته، مما يذهب بجلال الصوم وجمال العيد”، مذكرا بقوله:”لقد مات مولود قاسم – رحمه الله – وفي نفسه شيء من هذه الفتنة، بعدما فشل في إقناع “المسلمين” بتحديد بداية شهر رمضان المعظم ونهايته، لتمسك أكثرنا بظاهر حديث رسول الله – ص- القائل: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”، ناسين، أو غافلين، أو جاهلين أن من معاني الرؤية “الرؤية العقلية”.

وقد وصل الأمر بالأستاذ مولود قاسم إلى أن أقسم ذات يوم باستحالة تحرير فلسطين إن اعتمدنا في ذلك على التاريخ القمري، حيث سيقع اختلاف كبير، وبالتالي فلن تتحرك الجيوش العربية أو الإسلامية في توقيت واحد، مما يفقدها عنصر مفاجأة العدو الصهيوني..

  • “بيروني” جديد لتوحيد أوروبا حول التقويم القمري

إننا لم نعد نختلف في بداية الصوم ونهايته بين البلدان الإسلامية، بل صرنا نختلف في ذلك في البلد الواحد، وبين أتباع المذهب الواحد ورغم مرارة ذلك وتعذر وحدة المسلمين في أوطانهم، يكون المسلم في غاية السرور، وفي بلاد الغرب تحديدا، لما يسمع أو يرى بعض علماء مسلمين وباحثيهم في قمة مجالات اختصاصهم، يجوبون العالم للتذكير بالمساهمات العلمية والفلسفية لعلماء بارزين أمثال البيروني وابن الهيثم (1) قصد تشجيع بني قومهم لإدماج الأساليب العلمية في تفسير وتطبيق النصوص، إذ المشاكل التي تطرح خلال شهر رمضان بانتظام على مدى عقود، تكمن أولا، في فوارق المواقيت الكبيرة بين مختلف الإمساكيات التي توزع هنا وهناك، وثانيا، في اختلاف الأيام بين التقويمات القمرية، إذ وصلت فوارق الامساك لأكثر من ساعة في المدينة الواحدة، وما المانع للمسلمين من بدء صوم رمضان والعيد وفق تقويم مسبق وبديهي مقبول لدى الجميع ؟؟

والأدهى والأمر (2)، أن بعض “زعماء المنابر” الذين حاولوا تقديم إجابات عن هذه المشكلة، كانت تبريراتهم مركزة على الخوف والعواطف الترهيبية بدلا من الحديث إلى العقل بمنطق وتجرد!

  • واحة منيرة وسط الصحراء المعلوماتية

ومع ذلك ووسط هذه الصحراء المعلوماتية القاحلة مترامية الاطراف، بدت من بعيد واحة صغيرة منيرة على شبكة الانترنت لإرواء عطشنا ولو بعد حين، هذه الواحة المعرفية، التي سعى صاحبها للبحث عن حلول علمية أصلية للمواقيت، والمشرف عليها هو الدكتور محمد رفيق وارد، الفيزيائي المختص في الجسيمات النووية، ومهندس الطب الحيوي، بجامعة جنيف السويسرية، هذا العالم الجزائري، الذي رحبت بجهده بعض وسائل الاعلام العام الماضي حين اكتشافه للحظة الفصل بين الفجر الكاذب والفجر الصادق، وتمكنه من إثبات النموذج الرياضي لتعويض الرؤية المجردة المحدودة وتخفيض نسبة “الريب الوقتي” إلى الدقيقة الواحدة.

وقد نشرت نتائجه الأولية بالفيديو والصور (3) تبعتها مناقشات واعدة من اهل الاختصاص، وقد أثبت أن الطريقة فريدة لتحديد التقويم القمري قد يصبح أزليا، بصفة بسيطة ودقيقة ومنخفضة التكلفة، لا تتطلب أي تدخل بشري.

وهي لعمري خطوة نحو توحيد المواقف وإلغاء الاختلافات بين القوم، بطريقة علمية مستنيرة، على أمل غلق نهائي لملف هذه الخلافات المرهقة للمسلمين منذ عقود طويلة، ليتفرغوا لما هو أهم في شؤون دينهم ودنياهم.

وبالتالي يجب علينا أن نثني على مثل هذه الأعمال المباركة، خاصة أن الباحث قام بها لوحده دون أية مساعدة خارجية، مستثمرا وحده موارده الخاصة ومهارته العلمية والتجريبية في خدمة ديننا الحنيف على نهج اسلافنا أمثال البيروني وابن الهيثم، متمنين له ولفريقه التوفيق كخير خلف لخير سلف.

مقالات ذات صلة

إغلاق