مساهمات

الهاشمي شريف فص من فصوص تاريخنا المشرق

إن المنحى التصاعدي للسياسة القمعية للنظام  سيتوج بالمادة 120 مع بداية حكم الرئبس الشاذلي,  التي حولت و بشكل جذري جبهة التحرير الوطني التي كانت عنوانا للتحرير إلى جهاز للقمع والإقصاء.لقد رامت هذه المادة المشؤومة بالأساس  إلى تصفية اليسار وتحييد عناصره الناشطة في الحركات الجماهيرية إعدادا للتراجع عن النهج البومديني . لقد تم إبعاد الهاشمي شريف رحمه الله من على رأس النقابة بتدخل مباشر لجهاز حزب جبهة التحرير الوطني.,ولم يشكل  الهاشمي وحده الهدف لهذه الممارسات التعسفية بل كانت الحيوية المطلبية التي عبر عنها عمال وأجراء قطاعي التربية والثقافة أمرا لايمكن لنظام  ضاقت مصالحه  أن يتعايش معها..كانت الإنتفاضات الشعبية المتكررة إبتداء من تيزي وزو مرورا بقسنطينة وسطيف والقصبة بالعاصمة  مؤشرا على دخول الجزائر مرحلة تميزت بالطعن المتواصل والمتزايد في الشرعية التاريخية التي فقدت  حيويتها مع تبني السلطة التي تأسست عليها نهجا ليبراليا مشوها, وعجزها في نفس الوقت عن تجاوز نقائص البومدينية . تزامن كل هذا مع تشجيع مرسل لتيار الاسلام السياسي تأسيا بالنظام المصري في سبعينيات القرن الماضي,  وإندراجا في المخطط الغربي كما بلورته الولايات المتحدة الأمريكية في عهدة الرئيس ترومان تحت مسمى الحزام الاخضر, لإحتواء  المد القومي واليساري في العالمين العربي والإسلامي, لإعتبارهما من قبل إدارة هذه الدولة  أذرعا للمعسكر الشرقي.

إن الإعتماد المفرط على مداخيل المحروقات وتوجيهها نحو الإستهلاك الذي عمل على إنتاج طبقة من الطفيليين المستفيدين من الريع سرعان ما ستظهر حدوده . فمع إنهيار أسعار النفط كشرت الأزمة عن أنيابها وفجرت في 05أكتوبر 1988  الشارع الجزائري الذي أنهى  حقبة الحزب الواحد .كان القمع  أثناء وبعد هذه الإنتفاضة الشعبية شديدا وكان مناضلوا حزب الطليعة الإشتراكية ممن طالتهم ماكنته السافرة . سيتذكر أهالي المناضلين والمواطنين العاديين المسجونين كل الطاقة التي بذلها الهاشمي شريف بصحبة رفيقيه في الجهاد بالولاية الرابعة وفي النضال في صفوف حزب الطليعة الإشتراكية المرحومين الشهيد عبد الرحمن شرقو الذي ستغتاله أيادي الإرهاب الاصولي الغادرة وعبد الحميد بن زين لعيادتهم ومواساتهم.

تدخل الجزائرحقبة التعددية بكل ما حملته من وعد ووعيد .حقبة تعد الأغنى في حياة الهاشمي شريف والتي ستمتد إلى غاية إنطفاء شمعة النضال بمغادرته لنا. كل شيء كان يهيئ الرجل لمواجهة تحديات الوضع المعقد الذي ستمر به البلاد, الذي بدأت بواكيره مع صعود الأصولية الراديكالية . ذكاء سياسي  متقد ,وعي نقدي مشحوذ لا يتوانى على مراجعة الذات,رباطة جأش وصلابة في المواقف صقلتها سنوات الثورة والنضال التي تلتها ,تمرس نضالي وصبر يغذيه عزم لم ينثني ولا مرة ,إيمان عميق بقيم نوفمبرالإنسانية والذي ستعمل الديمقراطية على تعميقها كما كررها مرات عديدة رحمه الله في مداخلاته المكتوبة او المسموعة بالصياغة التالية “علينا ان نلقح نوفمبر بالديمقراطية “.

لقد كان الصعود الرهيب للأصولية الراديكالية  وتبنيها لمفردات الخطاب العدائي للديمقراطية ولعناصرها المؤسسة مدعاة للنقاش داخل صفوف حزب الطليعة الإشتراكية بخصوص الموقف الذي يجب تبنيه حيال هذه الظاهرة .فإنشطر الحزب إلى موقفين ,أحدهما يدعو إلى المشاركة في إدارة الصراع الديمقراطي مع الفيس والاخر بزعامة الهاشمي شريف  يدعو إلى تحييد اعداء الديمقراطية من اللعبة الديمقراطية .إحتدم النقاش وتفاقمت الامور مع إنتصار الفيس في الإنتخابات المحلية وظهور بوادر التراجع عن قيم الجمهورية المقرونة بالدعوة والعمل على تكريس مشروع الدولة الدينية, دون الحديث عن العنف الرمزي والمادي الذي مارسه هذا الحزب على المجتمع والدولة معا.الديمقراطية في جوهرها سحب للعنف من الجسد السياسي للأمة, فإذا بها تتحول مع التجربة الجزائرية المشوهة إلى دمقرطة العنف في جسد الامة عن طريق هيمنة الخطاب السياسي للمشروع الثيوقراطي. لقد كان كل هذا من منظور الهاشمي شريف ازمة مستأنفة انتجتها تلاعبات النظام السياسي التي سبقت إنفجار اكتوبر والتي تلته , وليس إنفراجا بإسم التعددية كما يحلو للبعض تصوير الامور بخصوص تلكم الفترة الحرجة من تاريخنا المعاصر  .بل إنها أم الازمات إذا ما قرأنا هذه الأسطر بقلم الهاشمي شريف ,   إذ يقول ” لا تتعلق  هذه الأزمة بالرهانات الكلاسيكية الإقتصادية والإجتماعية ,ولا بشكل مباشر  بمصالح الطبقات والشرائح الإجتماعية المختلفة ,ولكن بالإشكالية الأساسية لوجود الدولة/الامة ,أي الرأسمال الرمزي برمته الذي تتحدد به جميع المصالح الاخرى ,السوسيوإقتصادية والسياسية,وكل القوى الموزعة الناتجة عنها “.

 لقد إستطاع الهاشمي الشريف الإنتصارلهذا الرأي, والدليل إنتخابه على  راس الحزب  الذي سرعان ما قاطع الإنتخابات التشريعية بشعار “لا يجب الذهاب لدفن الجزائر “.يوقف المسار الإنتخابي ويكشف الفيس عن مخزونه العنفي الرهيب ويبرز على السطح نزق السلطة وظمور حسها بالمسؤولية, فتدخل الجزائر في نفق العشرية السوداء.ينتقل الهاشمي ومن معه من صعيد المعارضة  إلى صعيد المقاومة والمواجهة لإنقاذ الجمهورية بشعار القطيعة مع من يهددها ,الاصولية المجرمة والمنظومة الريعية البيروقراطية التي تنخر جسد الدولة ,ففي غرة   1993يتحول الباكس إلى حزب التحدي ثافاث اي النور بالأمازيغية  .إسم يحمل رمزية الوطن القائم على قدميه الأمازيغية والعربية المتجذرتين في تاريخه الضارب في العمق , يواجه قوى الظلام لإنقاذ الجمهورية منجز نوفمبر الذي سقي بدماء المليون ونصف المليون من النساء والرجال. المواجهة مع الأصولية  في منظور الهاشمي شريف تعني الوقوف مع الدولة و المشروع الجمهوري ,غير ان الدفاع عن الدولة والمشروع الجمهوري يستدعيان القطع مع ما يضعفهما,اي النظام بوجهيه السياسي والإقتصادي .فالقطيعة المزدوجة موقف يتجنب السقوط في ما أسميه سياسة الطريق المسدود .الدولة ثابت والنظام متغير, تفكيك الثاني لن يملك اية مصداقية إن لم يصب في تعزيز الاول .الهاشمي شريف كان يعارض من زاوية رجل الدولة لا من وجهة نظر رئيس الحزب .  

 

مقالات ذات صلة

إغلاق