مساهمات

العطل الصيفية رمز للفساد!

 بقلم: الشيخ قسول جلول إمام مسجد القدس ـ حيدرة/ الجزائر

بعد أيام قلائل ستغلق المدارس أبوابها وينتهي الطلبة من الدراسة ويغلق الموسم الفلاحي ويأخذ العامل عطلته..بعد عناء الدراسة ومتاعب العمل جاء وقت الراحة والتمتع بنعم الله علينا من بحار وأنهار وأشجار، فما هو المطلوب منا شرعا لقضاء مايعرف بالعطلة؟ هل سنستمتع بأوقات فراغنا؟، وهل هي راحة للبعض وتعب للبعض الآخر!!.والباحثون عن الراحة والطمأنينة نقول لهم لا تكون السعادة والراحة إلا في  طاعة الله و في عمل الخير و في التزود بما يرضي الله بصلة الأرحام و في التدبر والتفكر…هذه سياحة دينية، فالمؤمن في راحته عابد، و في عطلته زاهد ينعم بنعم الله عليه شاكرا لأنعم الله عليه، ويعرف كيف يقضي إِجَازَة صَّيْفِيَّة سعيدة ونظيفة وهادفة؟، ويعلم أن نِعَم اللَّهِ تعالى على عباده كثيرة لا تُحْصَى ولم يجرؤ أحد من البشرية على طول تاريخها أَنْ يحسب ويحصي تلك النِّعَمَ لكثرتها واستمرارها ويسرها وتتابع إنعام الله بها، وصدق الله العظيم إذ يقول: (َإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا) -إبراهيم: 34، فيعلم نعمة الصحة والعافية التي منها سلامة السمع والبصر والفؤاد والجوارح، وهي محور حركة الإنسان وقوام استفادته مِنْ وجوده، بل ومن أجلّها وأغلاها نعمة الوقت(العطلة)، وقد جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين هاتين النعمتين في حديث واحد، محذرًا من التفريط فيهما، فقال: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)، والمغبون هو مَنْ يبيع السلعة بأقل من ثمنها أو يشتريها بأكثر من ثمنها، والمقصود أَنَّ أغلب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ، بل يصرفونهما في غير محلهما، وتجتمع هاتان النعمتان – مع غيرهما من النعم – في الإجازة الصيفية للشباب، ولَمَّا كان سوء توظيفهما وضياعهما يعرض الشباب والأمة لخسران مبين أردت أَنْ أرشدهم إلى كيفية استغلال هذه الإجازة بما يعود عليهم وعلى الأمة بالنفع في الدنيا والآخرة.

ولكي يستفيد المسلم من إجازته ومن عطلته تمام الاستفادة عليه بالتخلي عن لرذائل التي تجتمع وتتكاثر في هذه الفترة من  المحظورات والآفات الاجتماعية، وكأنه يخاطب نفسه أفبنعمة الله تعصي الله!!…(أفبنعمة الله يجحدون…).

عطلة من نوع خاص!

بعض المفسدين في الأرض يجعلون من العطل الصيفية مناسبة لترويج المخدرات والفواحش، ماظهر منها وما بطن، يجعلونها سوقا رائجة، بعيدين عن رقابة الدولة، فباسم السياحة تنتهك الحرمات، وباسم العطلة ترتكب المعاصي والموبقات…(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ)- سورة النور الآية 19، هذه الآية تقسم الظهر، لم يفعل شيئاً، لم يفعل الفاحشة، فقط أحب إشاعة الفاحشة، ولو أشاعها جرم أكبر لمجرد أنك مرتاح لهذه الفاحشة التي تنتشر، لمجرد أنك يعني سعيد بهذه الفضيحة التي ظهرت، فما بالك في من يفعلها وفي من يروجها (أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يعْلِنُونَ)- سورة البقرة:77.

ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب… ألم يفقهوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي ذر ومعاذ بن جبل، أنرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتق الله حيثما كنت واتبع السيئةالحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)، رواه الترمذي.

من الآفات الخطيرة التي تظهر في العطل السنوية آفة المخدرات وما يفعله رفقاء السوء:

للرفقة أبلغ الأثر في سلوك المرء، فالصاحب ساحب، والطبع سرَّاق، فَمَنْ جالس الأشرار وعاشرهم فلابد أَنْ يتأثر بهم ويقتبس من أخلاقهم، فمجالستهم تسوق صاحبها إلى الحضيض، فكلما همَّ بالنهوض والتحلي بمكارم الأخلاق والتخلي عن مساوئها أعاقوه فعاد إلى غَيِّه واستمر على جهله وسفهه وفساده، فعلى المسلم أَنْ يقلع عن صحبة السوء ويبتعد.. وأَنْ يصحب أولي الأخلاق الفاضلة والهمم العالية من الصالحين، وعليه أَنْ يعلم أَنَّ العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأَنَّ رؤيتهم تذكره بالله عز وجل، وَفِي نَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ)، ومن أقوال الحكماء: (قل لي مَنْ صاحبك أقل لك مَنْ أنت)، (الرفيق ثم الطريق، ولا يُعْرف الرجل إلا برفيقه)، (لَا تَسْأَلْ عن المرإ وَسَلْ عَنْ ….فكل قرين بالمقارن يقتدي) و(الطيور على أشكالها تقع).

إياكم والفراغ!!

يعد الفراغ ووفرة الوقت لدى الناس – والشباب بصفة خاصة -مشكلة من المشاكل الكبيرة التي يعانون منها، فكثير من مظاهر الانحرافات السلوكية المختلفة كان الفراغ من أهم الأسباب الدافعة إليها، إذ إِنَّ وفرة الوقت من دون عمل نافع – أيًا كان – يوقع صاحبه في أسر الوساوس الشيطانية والأفكار والهواجس النفسية الخطيرة فيبدي له من التصورات والأفكار الجديدة والكثيرة ما لا يمكن أن يحصل أثناء الانشغال بعمل ما.

وتعود مشكلة الفراغ في حقيقتها إلى الفراغ الروحي وخواء القلب من كمال الإيمان الذي يشعر بالأنس والاطمئنان، كما أَنَّ الفراغ يجعل الشاب ثقيل الظل في البيت كثير المشاكل كثير الأوامر والنواهي، إذا دخل إلى البيت كئيبا وإذا خرج منها حزينا.

تسويف الأعمال!!

التسويف بحرلا ساحل له يدمن ركوبه مفاليس العالم وهو من جنود إبليس

المقربين، وقد أجاد أحد السلف، حينما سأله مَنْ حوله النصيحة، فقال لهم:

(احذروا التسويف)، وعن الحسن البصري قال: (إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك)، وكتب أحدهم إلى أخيه: (إياك وتأمير التسويف على نفسك أو إمكانه من قلبك)، ويلاحظ أَنَّ بعض الشباب يستطول الإجازة ومِنْ ثَمَّ يسوف لنفسه آجالاً ويقول: سأبدأ غَداً أصلي، سأفعل غَداً كذا وكذا، وتنقضي الإجازة.

يوما بعد يوم، كل يوم في عمل كذا وكذا، وينتهي الشهر والشهور ولم يفعل مِنْ ذلك شيئًا، ولا شك أَنَّ هذا من تلبيس إبليس. والعائدون إلى ربهم من هذا الطريق الموحش يعرفون ذلك ويقرون به بعد أَنْ خبروا أسراره وتجرعوا غصصه!!. نصيحة!! روض نفسك على طاعة الله من جهة واكتساب مهارات تصقل الشخصية من جهة أخرى وابحث عن نشاط عمل تطوعي في التعاون في مجالات الحياة المختلفة، فالتطوع له مزايا وفوائد لا تحصى، منها: يعلم الصبر والمثابرة والجدية في العمل وكسر حاجز الخوف من التعامل مع الناس وتنمية روح المبادرة والتواصل والعمل في فريق، ومن خلاله يتخلص الإِنسان من عادات سيئة كالكسل والفوضى والتسويف وسرعة الملل وحدة الطبع والفردية والأنانية، كما أَنَّه يشبع حاجاته النفسية كالحاجة إلى الاحترام والتقدير والإِحساس بالذات، لذا وجب على الطلبة الجزائريين في العطلة أَنْ يبحثوا عن ما يشغلهم مهما كان متواضعًا وإلا كانوا مَلُومًين ويسقطون في فخ الفراغ الذي حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم، فما الفائدة من أَنْ تعلم أَنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين كانوا يعملون بأيديهم ويتقنون أعمالهم دون أَنْ تقتفي أثرهم، ألم تعلم أَنَّ داود كان حدادًا، وزكريا كان نجارًا، ورسولنا – صلى الله عليه وسلم – كان يرعى الغنم، بل ما من نبي إلا ورعى الغنم كما في الحديث الشريف.

وأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – منهم من كان يحمل على ظهره كي يحصل على مال يتصدق به، وليس هذا بعيب ولا منقص من قدرهم، وأَنَّ تعليم حرفة في العطلة تناسبه لا ينقص من منصبه كطالب مثلا بل ذلك

زيادة في شخصه باحتكاكه وتعاونه، إذ يحصل له التواضع في نفسه والاستغناء عن غيره وكسب الحلال الخالي عن الامتنان، ومن ذلك زيارة الأرحام والاطمئنان عليهم والتفاني في خدمتهم، خاصة إذا كانوا في حاجة لذلك.

ومن ذلك يجتمعون في بيت الله لتلاوة القرآن ومدارسته تحفهم الملائكة وتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده، والمحافظة على الأذكار والإكثارمن الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وتعرف على حياة الصحابة والعلماء والصالحين لتقتدي بهم، فهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى وشموخ العلم والعرفان، وهم الذين ورثوا عن رسول اللَّه – صلى الله عليه وسلم – هديه وسمته وخلقه، فالنظر في سيرهم والاطلاع على

أحوالهم يبعث على التأسي بهم والاهتداء بهديهم.والتعرف على المناطق المختلفة من وطنك…وعلى علمائها ومجاهديها وتذكر أخلاقهم وخصالهم….وتخصص دقائق – ولو قليلة – لتستخرج بنفسك العبر والعظاة من حياة كل شخصية، وشارك في بناء بلدك (الجزائر)، واحرص على التعاون على البر والتقوى وخذ بكل الأسباب الممكنة لذلك، وتذكر دعاء الحبيب: (اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ والعَجْزِ والكَسَلِ)، وتعاون مع إخوانك في إقامة الأنشطة المتنوعة – علمية واجتماعية وتربوية وأدبية – ولا تنس أَنْ تشارك في نشاط أو أكثر من هذه الأنشطة، زيارة إحدى المؤسسات الخيرية أو المستشفيات ومراكز العجزة، وأَنْ تخصص وقتا لممارسة شيء من اللهو المباح الذي يروح به المسلم عن نفسه، ففي الأثر: (روحوا القلوب سَاعَةً بَعْدَ سَاعَة فإِنَّ القلوب إِذَا كَلَّتْ عَمِيَتْ)، والترويح المباح كثير – ولله الحمد _ ومتنوع ومتعدد في وسائله حتى يتمكن كل فرد أَنْ يجد ما يناسبه، فمنه السباحة السياحة، ألعاب الكرة باختلاف أشكالها، الصيد والقنص، والمخيمات والفسح، والرحلات القصيرة الداخلية حسب نوعها، وأَنْ يخلو هذا اللهو من المخالفات الشرعية كالكلام البذيء والغش ومثيرات العداوة والبغضاء والتعدي على الآخرين ومضايقتهم وإلحاق الأذى بذات المكان أو منشآته، فالجزائر في أمس الحاجة إلى قلبك وعينيك وعقلك فلا تؤذها بتطرفك وكراهيتك للآخرين وحافظ على وحدة أمتك بأخلاقك، وكن حذرا مما يحاك ضد بلدك !!، فالدَّالُّ على الخير كفاعله، اللهم ارزقنا حسن استغلال أوقاتنا وَقِنَا شَرَّ البطالة والفراغ آمين.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق