مساهمات

بين الخيال المسرحي، والمكر القاروني!

الدكتور محمد مراح

 زعم حاكم الشارقة سلطان القاسمي أن الجنرال ديغول منح الجزائر استقلالها، بناء على نصيحة مثقفة محضها إياه وزير ثقافته أندريه مالرو (1901- 1976) إرضاء للزعيم جمال عبد الناصر (1918- 1970). ورد هذا الزعم في سياق حديث مع الصحفيين في معرض الكتاب في لندن، والتصريح موثق صوتا وصورة، تناقلته وسائل إعلام جزائرية وغيرها، وكان الحاكم السعيد، ينثر درره التحليلية على مستمعيه ممن علت الطيور رؤوسهم، مشرئبين بكل كيانهم للدرّ المنثور، تشخيصا للحال العربي المتردي ثقافيا وأخلاقيا وتراثيا وعرفيا، والمخرج لا يوفره سوى باب الثقافة المؤدبة المتنورة المتسامحة الواعية!!!

لا جدال في السياق، والحال من السوء والتردي، ما يشترك في معرفته أولو الألباب والعلم والثقافة، بله من دونهم دركات، ممن كثيرا ما يكونون أقرب لفهم هذا الواقع فهما فطريا، لفرط ما ينالهم من آثاره السلبية على حياتهم العامة والخاصة، ما لا يشعر به ذوو الحضاضة والنعيم والدثور، إلا عند مقامات (التلسطن)، و(التمعلم) الثقافي.

فأحدث تصريحه ما هو أهل له من ردود الفعل الجزائرية الشعبية الطاغية إلى حد الآن، ورموز ثقافية تاريخية، وسياسية ولو على استحياء، لكن يبدو أن الظرف الجزائري الحالي (الانتخابات التشريعية القادمة تحديدا) ستسوق الأطياف السياسية للتعبير عن مواقفها التي تتراوح بين الاستياء والغضب من التصريح القاسمي.

ولنا أن نقف عند التصريح عبر العناصر الآتية الذكر:

التصريح ليس له سند تاريخي، ولا علمي توثيقي، يمكن أن يلقي بظلال صدق حول صحته.

يبدو ان الجدل قد أخذ من الحاكم المسرحي مأخذه، بين ثلة من كهنة الإعلام العربي الخليجي تحديدا، فغُمّ عليه هلال الثورة الجزائرية الملتهبة، وسبح في أجوائه المسرحية، فأوحى إليه شياطين المسرح أن ما يقال عن الثورة الجزائرية العظيمة، فصل تمثيلي، صنعته أحداث الزمن، أيام كانت الرجولة والبطولة، حديث تلك الأجيال التي تعاني الاستعمار وأهواله.

لكن وقد ثاب المسرحي القاسمي لرشده الفكري، فقد أدرك أن الجنرال ديغول كان من علو الثقافة، ودماثة الخلق، ورهافة الشعور الإنساني، الذي يحرص على الأوبة إليه؛ بتقريب وزير خارجيته منه مجلسا.. فذهب به الهيام، والتعلق بالمُثل أن نزل بالسياسة من عالمها الوردي الدسائسي المكيافيلي إلى مهاوي الفضيلة الأخلاقية، فاشرأبت نفسه، ورهفت مشارعه أن يكسب ود زعيم العرب آنئذ جمال عبد الناصر، فلما هُدي لأقرب السُبُل إلى ذلك، أصدر قراره الجمهوري العظيم؛ (قررت منح الجزائر استقلالها)، فاستقلت. وكفى الله الجزائريين حلم الجهاد والثورة، وفرنسا تبذير المال والسلاح لقمعها، فبندقية (كلاشينكوف) واحدة، تغمد رصاصاتها في ماسورتها، أحرى بالحفظ والتدبير.

أما ما تخيله الجزائريون من طائرات حوامة كانت تملأ سماءهم طوال سبع سنوات من الثورة، ودبابات كانت تجول وتملأ طرقات مدنهم، وقراهم، وجنود يملؤون المدن والجبال والقرى والصحارى، ومجاهدين هبوا تلبية لنداء ثورة مظفرة، وشهداء سقت دماؤهم الطاهرة أديم أرض طاهرة، مجاهدة، وملايين اليتامى، والأرامل والثكالى، والمشردين، والجوعى، والعرايا، وحرق المدن والأسواق، و(المداشر \القرى \الدوواير).. وأقبية السجون التي تعج بصيحات التكبير تطاول صيحات التعذيب والتنكيل، وهتك الأعراض.. واستماتة خرافية شعبية ، ومقاومة جنود أسود أشاوس، لاستدمار طال بلدا 130 سنة، وبطولات خرجت ببلد ظُنّ فناؤه، إلى رمز البطولة والفداء والشجاعة، فكان للمسلمين حينئذ كعبتان: كعبة مكة المكرمة، وكعبة الجهاد المقدس الطاهر النقي. فهذا كله في خيال الحاكم الخليجي القاسمي مشاهد مسرحية، أبدعها خيال أدبي –والأحرى أديب مسرحي– بارع مبدع.. ولا تناقض عندئذ بين الحقيقة والخيال المسرحي؛ والوعظ الإصلاحي القاسميين!!!

وبعد حديث الهزل، نثوب لحديث الجدّ: إذا فحصنا هذا التصريح الذي نجزم أنه ما كان ليقال في غير الظروف والأوضاع الحالية التي تمر بها المنطقة العربية؛ فالرجل شيخ كبير من مواليد 1939م، أي عاصر الثورة الجزائرية، وقد كانت حديث الركبان في أرض الله تعالى.

فما حظ الظروف القائمة في تسريب هذا البهتان ضمن توجيهات إصلاحية لحال الأمة المؤسف؟ نحن إذن أمام مشاهد من (سيناروهات) تُصنع للمنطقة، بأيادي الكبار، ومواليهم، ويبدو أن من فصولها الهامة التي لاينبغي إعلاء الصوت بالحديث عنها، والضجيج حولها، إرخاء السُدُل بهدوء تام ماأمكن عن ثورات الشعوب العربية ضد الاستعمار؛ كي يخلو الفضاء للثورات المزعومة على الحكام وفي الدول العربية تحديدا.

وهكذا تصاغ ذاكرة ومخيال ومرئيات الأجيال الحالية بنار وهدير شعوب استُثمرت مطالبها وتحركاتها المطلبية النظيفة المشروعة، لتُوقد بها نيران تطهير الجسم العربي من جراثيم الصمود

في وجه العولمة واقتصاد السوق، وعرامة الشركات المتعددة الجنسيات لخيرات بلداننا، وتهيئتها لبذر روح الخنوع، والوداعة، والسماحة، وقبول الآخر الحبيب واللئيم جميعا؛ فلنا في الرحاب العربي، حبيب مدلل، علينا رعايته، والحفاظ على راحته، والاستماتة في تنعمه بالاستقرار، والأمن!!!

وهكذا تصفو الأرض منكُدورات، بل لا تخجل فقل: من قاذورات المقاومة الثورية للصهيوني، وكل مستعمر غاشم، فما الحياة إلا نعيم الاستهلاك، ولذائذ منتجات تلك الشركات العملاقة، فبطوننا تسع أكباءها، وأجسادنا تتلمظ احتراقا للين ملبسها، ومفارق شعورنا تبرق سرورا لعطورها، وعش في حدود يومك سعادتك التي يمكنك نوالها بتمكين تلك الشركات من خيراتك، وثرواتك، وسوف تلقى النوم يداعب أجفانك قريرا مسرورا هانئا، فلا أحد سيزعجك بعمل أو كدّ، لتصنع حضارتك، وتبثها قيمك، وترسل عبرها رسالتك السماوية الخالدة، التي تمثل المقاومة، والجهاد الشريف أحد قسماتها التي تؤرققارونيي العصر، فيجهدون لدحرها بأسلوبين متناقضين في الظاهر، متظاهرين في الحقيقة: خلق والاستثمار في جماعات الغلو والإرهاب وتصدير منتجها الإجرامي إعلاميا، وفق أرقى الاستراتيجيات الإعلامية المعاصرة. وتعويم مبادئ الإسلام وقيمه المتوازنة: (قوة وتسامح) – (عزة وتواضع) وما جرى مجراها من قيم حضارتنا التي صاغت شخصيتنا.

هل تبين –حينئذ- الخيط الأبيض من الأسود؛ خيط الخيال المسرحي، والمكرالقاروني -الفرعوني؟!!!

 

مقالات ذات صلة

إغلاق