مساهمات

أحاديثه الدينية كانت بردا وسلاما على قلوب الجزائريين

إن إيماننا بأن الموت أجل وقدر، وهو نهاية كل إنسان مهما بلغت عظمته، إلا أن وفاة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى أحزنتنا وجعلتنا نشعر بفراغ كبير، وإذ نحيي ذكرى وفاته نتذكر مواقفه وآراءه الفقهية التي تعتبر معلما في التاريخ الإسلامي للأمة العربية والإسلامية، ولا نقول مع ذلك إلا ما يرضي ربنا .

رحيل الرجل الذي يعد من الرعيل الأول لكبار رجال الدعوة الإسلامية الذين لم تثنهم المحن، ترك فراغا كبير في مجال التدريس والخطابة والفصاحة وحسن الأداء والذاكرة الحية رحيل شعرت به الأمة الإسلامية عامة والجزائر خاصة لما تركه في نفوس الصغار والكبار، والشيوخ والعجائز وحتى الأطفال على مختلف ثقافتهم ودرجات فهمهم، لأنه كان يدخل كل بيت من خلال أحاديثه المتلفزة والمكتوبة والمسموعة، ولا يمكن لأي أحد أن ينسى حديث الاثنين الذي رغم ضيق وقته كان يملأ الصدر انشراحا ويضيء رقعة النور في القلوب المليئة بالإيمان، الطامعة إلى مغفرة الرحمان، فكانت أحاديثه بردا وسلاما على القلوب، وشفاء للعقول وبصيرة للعيون، لأنها كانت أحاديث قلبية وما يخرج من القلب يستقبله القلب أحاديث كانت تتناول كل حادثة كبيرة أو صغيرة في عجالة من الوقت ودلالة من القول.

فحين أكتب عن الشيخ محمد الغزالي السقا، فإنما أكتب من خلال معرفتي به عن قرب، ومعايشتي له، وقراءتي وسماعي له، وهذا بعض حقه عليّ، وشيء من الوفاء لمن تتلمذت على يديه، وهي ذكريات وخواطر .

  •  صفات الشيخ الغزالي وأخلاقه

إن أستاذنا الشيخ الغزالي داعية متوقد الذهن، جياش العاطفة، عميق الإيمان، مرهف الإحساس، قوي العزم، شديد المراس، بليغ العبارة، يتأثر ويؤثر، حلو المعشر، رقيق القلب، كريم الطبع، يلمس هذا فيه كل من عاش معه، أو رافقه أو التقاه، فهو لا يحب التكلف، ويكره التعالم والتحذلق، يعيش الواقع بكل مشكلاته، ويتصدى للمعضلات، ويكشف الحقائق، ويدق ناقوس الخطر، ليحذر الأمة من الوقوع في المهالك والسقوط في الهاوية التي يقود إليها شياطين الإنس والجن في الشرق والغرب على حد سواء.
والشيخ الغزالي من أعلام الإسلام في العصر الحديث، وهو داعية قلّ نظيره في العالم الإسلامي اليوم، يتمتع ببديهة حاضرة، وديباجة مشرقة تأخذ بمجامع القلوب، حتى أنني كنت أحفظ مقاطع بل صفحات كاملة من كتبه، وأرتجلها في الخطب بنصها.

  •  رقيق القلب سريع الدمعة

عُرف عن الشيخ أنه كان رقيق القلب، أما التحدي فيثير فيه الغضب، ولعل هذا مما أثار عليه حفيظة الكثيرين؛ فمعظم الآراء التي كتبها قال بها غيره، غير أن غيرته على الإسلام، وخوفه من إبرازه في صورة غير لائقة جعلته يخرج عن الحد المطلوب في بعض الأحايين؛ فيصف بعض الآراء الفقهية بأنها فقه بدوي، أو أن هذه تقاليد عبس وذبيان، أو يصف البعض بالبَلَه، ويصف آخر بالغفلة أو الحماقة، وغير ذلك.

ومع هذا فقد كان الشيخ سريع الدمعة، فربما قرأ آية من كتاب الله أثرت في مسيرته، أو حديثا نبويا يرشده إلى تغيير سلوكه، أو بيتا من الشعر تُمَجَّد فيه حضارة الإسلام، فيكاد يبكي على ما ضاع من حضارة الإسلام.

وربما نظر لرجل بائس الحال في الطريق فيرق حاله له، ويصب اللوم على حكام المسلمين لتقصيرهم في حق شعبهم، إلى غير ذلك.

وقد عبر الشيخ عن رقته وصورته في كثير من المواقف، فيقول: “وقد كنت حريصا على الصمت الجميل يوم عرفت أني سأعمل للإسلام وحدي، بيد أن أحدا من خلق الله اعترضني ليقول لي: إن تكلمت قُتِلت! فكان ذلك التهديد هو الحافز الفذ على أن أتكلم وأطنب.

إن اللفظة الرقيقة تطوي عنقي فأستسلم، أما التحدي فإنه يهيج في طبيعتي غرائز الخصام.

وقد يرى القارئ فيما كتبته هنا، أو فيما كتبته هناك، أو فيما كتبته من قبل خطأ في فكرة، أو جورا في عاطفة، يجب ألا تغالي!! ليكن ذلك كله أو شيء منه. فهذه نفسي، وهذه صحائفي، وأرجو ألا أتملق إلا ربي، وألا أهتم لأحكام الناس” (في موكب الدعوة، ص: 253).

 

  • أدبه مع العلماء

لقد كان الشيخ الغزالي مقدّرا لعلماء الأمة، ينهل من كل ما يراه خيرا، ويكاد يُجَنّ حين يسمع مَن لا فقه له ولا علم يطعن في أحد الأئمة، بل ربما وصل إلى حد الإسفاف له؛ حفاظًا على مكانة الأئمة في الأمة!!.

وكان يرى أن عدم احترامنا لعلمائنا من دعائم سقوط حضارتنا، ويشيد بأن الأمم الأخرى تحترم أصحاب نظريات فارغة.. فما بالنا لا نحترم سادة الأمة من العلماء؟.

ومع اختلافه في بعض الآراء مع بعض العلماء فإنه كان يُنزل كل إمام منزلته، ويعطيه قدره الذي يستحقه، فيقول: “مع أني أميل أحيانا إلى الفقه الحنفي، فإني جانح بفؤادي وإعجابي إلى الشافعي، وهو يقول عن علمه: وددت لو انتشر هذا العلم دون أن يعرف الناس صاحبهليتنا نُرزَق هذا الإخلاص.

ومع ضيقي بتساهل صاحب المسنَد في إيراد بعض المرويات؛ فإني أتبعه بإعزاز عميق وهو يتكبر على الدنيا، ويستعف عن مآربها، ويستصغر المال والجاه والحكم وهو يدّرس للناس.

إن هؤلاء الأئمة الكبار شيوخنا جميعا عن جدارة، والبحث العلمي بصوابه وخطئه لا يعكر ما يجب للعلماء من توقير” (تراثنا الفكري، ص: 174، وانظر أيضا: قذائف الحق: 108-109).

ولم يكن تقدير الشيخ الغزالي موقوفا على أئمة الشرع الحنيف، بل هو يقدر كل إمام في فنه، ولا يعني تقديره له أنه يسلم له الزمام في كل شيء، غير أن نقده له لا يجعله يبخس حقه.

يقول الشيخ: “اطلعت على مجلة أحبها، فقرأت فيها لَمْزًا للأديب الحر المصلح عبد الرحمن الكواكبي، وتفسيقًا لرجلين من بناة النهضة الإسلامية الحديثة، وأنا أحد تلامذة المنار وشيخها محمد رشيد، وأستاذه الشيخ محمد عبده.

وأنا أعرف أن المتنبي غفر الله لهكان يحب المال إلى حد البخل، ويحب الإمارة إلى حد الجنون، ومع ذلك أطرب لشعره، وأستجيده وأستزيده، وإذا لم يكن أميرًا لشعراء العرب؛ فهو من قممهم.

إنني لا أجعل عيبا ما يغطي مواهب العبقري، ثم لحساب مَنْ أهدم تاريخنا الأدبي والديني؟، ولمصلحة مَن أشتم اليوم علماء لهم في خدمة الإسلام وكبت أعدائه كفاح مقدور؟.

ومَن يبقى مِنْ رجالنا إذا أخذت تاريخ الشيخين أبي بكر وعمر مِنْ أفواه غلاة الشيعة، وتاريخ علي بن أبي طالب من أفواه الخوارج، وتاريخ أبي حنيفة من أفواه الإخباريين، وتاريخ ابن تيمية من ابن بطوطة وابن فلان، وتاريخ محمد بن عبد الوهاب من أفواه الترك .. إلخ.

وددت لو أُعنت على محاكاة أبي حامد الغزالي مؤلف لجام العوام عن علم الكلام؛ فألفت كتابا عنوانه إلجام الرعاع والأغمار عن دقائق الفقه ومشكل الآثار؛ لأمنعهم عن مناوشة الكبار، وأشغلهم بما يصلحون له من أعمال تناسب مستوياتهم، وتنفع أممهم بهم“- (علل وأدوية، ص: 81-82).

وفي موقفه من الإمام ابن تيمية يظهر احترامه للإمام الأعظم، ويظهر تقديره له وإنصافه، مع عدم الإغفال عما وقع فيه من خطأ؛ فهو يقول: “وما يأخذه الكاشحون على أبي الحسن يؤخذ مثله على ابن تيمية عندما توقف في نفي الجسمية عن الله؛ فلا يثبت ولا ينفي، وهذا خطأ، وكان ينبغي أن يلتزم بقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى: 11)، فيجزم بالنفي! كما يؤخذ عليه أيضانفيه للمجاز في القرآن وفي اللغة العربية كلها، إن علماء اللغة وأدباءها وشعراءها يبتسمون من هذا النفي الغريب.

ولكن هذه الهنات لا تنال من قدر إمام شامخ كبير العقل، راسخ اليقين، شديد البلاء في نصرة الإسلام ورد أعدائه” (سر تأخر العرب والمسلمين، ص: 90، طبع دار الريان للتراث).

  •  الغزالي.. فارس الدعوة البليغ

كان الشيخ محمد الغزاليواحدًا من دعاة الإسلام العظام، ومن كبار رجال الإصلاح، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين؛ فهو مؤمن صادق الإيمان، مجاهد في ميدان الدعوة، ملك الإسلام حياته؛ فعاش له، ونذر حياته كلها لخدمته، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه، وشرح مبادئه، والذود عن حماه، والدفاع عنه ضد خصومه، لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها؛ فاستعان بالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز في تبليغ ما يريد.

رزقه الله فكرا عميقا، وثقافة إسلامية واسعة، ومعرفة رحيبة بالإسلام؛ فأثمر ذلك كتبا عدة في ميدان الفكر الإسلامي، تُحيي أمة، وتُصلح جيلا، وتفتح طريقا، وتربي شبابا، وتبني عقولا، وترقي فكرا، وهو حين يكتب أديب مطبوع، ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله، ولكان أديبا من طراز حجة الأدب، ونابغة الإسلام مصطفى صادق الرافعي، لكنه اختار طريق الدعوة؛ فكان أديبها النابغ.

ووهبه الله فصاحة وبيانا، يجذب من يجلس إليه، ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه، مشدودة بصدق اللهجة، وروعة الإيمان، ووضوح الأفكار، وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام؛ فكانت خطبه ودروسه ملتقى للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حل به. والغزالي يملك مشاعر مستمعه حين يكون خطيبا، ويوجه عقله حين يكون كاتبا؛ فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة، وخطبه قطع من روائع الأدب.

والغزالي رجل إصلاح عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتى ربوعه، أوقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء، يجهر بما يعتقد أنه صواب من دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين، يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.

 

  • الداعية الناجح في فكر الغزالي

كثير من الناس إذا ذُكر اسم الداعية ينصرف ذهنه إلى الخطيب، وإذا ذُكر اسم الخطيب ينصرف إلى الداعية.

والحقيقة أن الداعية يختلف عن الخطيب، وعمل الداعية غير عمل الخطيب؛ إذ الخطيب يقتصر عمله في الغالبعلى أداء خطبة الجمعة، وتفعيل الناس بعدها، ومحاولة ردّ الشبهات عنها، وتوضيح بعض المبهمات، وإجابة بعض التساؤلات، بينما عمل الداعية أشمل وأوسع وأعمق.

ذلك أن الداعية طبيب يَطبُّ المجتمع من أدوائه، ويبرئه من علله، ويعالج مشكلات الناس، ويلبي حاجات المجتمع؛ فهو عقل قادر على الربط بين مشكلات المجتمع وثقافة الدعوة، يشخص فيه الداء؛ ليصف له الدواء.

إن الخطابة تمثل إحدى وسائل الدعوة التي تشمل وسائل أخرى عديدة، منها: القدوة الحسنة، والتعليم والتذكير، والكتابة بأنواعها، والترغيب والترهيب، والعمل المتواصل من أجل قضاء مصالح الخَلْق، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية المختلفة، والقيام بكل ما يوصف بالعمل الصالح في مجتمع من المجتمعات.

ومن الخير أيضاأن نفرق بين الصفات أو الخصائص والمقومات؛ فالمقومات هي ما يكوِّن للداعية ذاته وينشئ بنيانه، أما الصفات والخصائص فهي شيء خارج عن تكوين الداعية، أو ملتصق بجسده؛ فالمبنى مثلا يتكون من حجرات وأدوار ومواد كونت هذا البناء، هذه هي المقومات، أما الصفات والخصائص فهي كأن يكون المبنى مرتفعا وحجراته واسعة، ولونه كذاإلخ؛ فالمقومات بتعبير المناطقةجوهر، بينما الخصائص والصفات عَرَض.

  •  الغزالي.. نصير المرأة

يتواكب الاحتفال باليوم العالمي للمرأة (8 مارس) مع ذكرى رحيل الشيخ محمد الغزالي (9 مارس 1996)، ولعل المفارقة هي دلالات هذا التقارب الزمني، ففي الوقت الذي يشهد اليوم العالمي للمرأة مطالبات من الفاعلين في مجال العمل النسوي بحقوق المرأة، كان الشيخ الغزالي وما زال فكره من أجرأ من تناول أحوال المرأة بالتنظير والتحليل، وتميزت رؤيته التجديدية بالموضوعية والمبادرة في الطرح والتناول، فقد مثلت المرأة في فكر الغزالي قاسمًا مشتركًا في مؤلفاته الغزيرة ومعاركة الفكرية التي خاضها لتصحيح الأوضاع الفاسدة.

  •  الفكر الفقهي لدى الشيخ الغزالي

إذا كان البعض يرى أن الشيخ الغزالي ليس له فقه؛ لأنه لم يترك لنا كتبا اختصها بالتأليف الفقهي، فإن البعض يرى أن الغزالي يمكن أن نسمي فقهه بفقه النفس، كما يرى ذلك الشيخ القرضاوي، فإن الشيخ رحمه الله كان فقيهًا، وهبه الله المَلكَة الفقهية، ولكنه آثر ألا يكون فقهه نظريا، فارتبط فقهه بالجانب العملي من الإسلام، بما يخدم حياة الناس في عصره، كما جعله وسيلة للدعوة إلى الله تعالى، وهو في هذا يجعل الفقه حيا ينبض بالحياة في واقع الناس.

لقد اشتغل الشيخ الغزالي بآلام الأمم وآمالها، والتفكير في مستقبل أفضل لها، فكان يسوق من الفقه ما يخدم قضيته، فظهر فقهه حيا، فما رضي لنفسه أن يكون منهجه نظريا، أو يكتب فيما كتب فيه كثير من علماء الأمة على مر العصور، إلا ما كان يستدعيه، ليخدم واقع المسلمين، أو يدافع به عن الإسلام، أو يظهر وجهة نظر رأى أنها اندثرت، و هي في حاجة إلى الظهور والبروز في حياة المسلمين، أو يصحح بعض المفاهيم السائدة، فلم يكن هدفه التأليف الفقهي في حد ذاته. ولكن هذا لم يمنع أن يؤلف كتابا يعالج فيه قضية فقهية، أو يخصص بعض الفصول في بعض كتبه لبعض القضايا.

  • الغزالي.. طبيب الأمة

لم يكن الشيخ الغزالي رحمه اللهداعية كل همه إلقاء الخطب والدروس، وشحذ الهمم وإشعال حماس الجمهور بالكلمات الرنانة، والخطب النارية، وأن جهده الذي يمكن أن يبذله للأمة هو جهد فردي، متناثر هنا وهناك، ولم يكن تكوين الشيخ الغزالي رحمه اللهوقفا على نتف من العلوم الشرعية، بل ضم إليها المعرفة الإنسانية، والإحاطة بالسنن الكونية، والإلمام بتاريخ الشعوب، وسبر أغوار الأمة، معرفا بعللها وأمراضها، منبها إلى الطريق لعلاجها، فيمكن لنا أن نطلق على الشيخ الغزالي داعية الأمة؛ لأنه بالفعل كان يحمل هموم الأمة، ينام ويصحو عليها، ومن دور الداعية أنه كالطبيب، يكشف بوضوح أعراض المرض، ويسعى بخبرته لوصف علاجه.

ففي مجال الفكر، يرى الشيخ الغزالي أن الأمة أصيبت بأتباع فاقدي الوعي، لا يدركون ما يحاك لهم من الأمم الأخرى، وأن مثل هذا النهج يجعل الأمة أقرب للموتى منه للأحياء؛ فهو يرى أن الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الإسلام في شيء، وقد انتمت إلى الإسلام أمم فاقدة الوعي عوجاء الخطى قد يحسبها البعض أمما حية ولكنها مغمي عليهاوالحياة الإسلامية تقوم على فكر ناضرإذ الغباء في ديننا معصية“.

وإذا كان غياب الوعي الفكري بارزا في كثير من مظاهر الأمة، لكنه أخطر حين يكون في مجال الشرع خاصة، فتلك طامة كبرى، وإن كان الفشل في الدين والدنيا مصيبة لا تغتفر، فـإن اضمحلال العقل الإسلامي واضح في أغلب ميادين الفقه! وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن الوعي والاجتهاد، ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم ما لا يلزم!. أما الفشل في شؤون الدنيا فأمره مخجل حتى إن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا!. وأما صناعات السلاح وما يحمي الشرف ويصون الإيمان فشيء لا ناقة لنا فيه ولا جمل.

 الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بالسلفية


يقول الشيخ رحمه الله في كتابه (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) تحت عنوان: نحو سلفية واعية  .. والسلفية ليست فرقة من الناس تسكن بقاعاً من جزيرة العرب وتحيا على نحو اجتماعي معين . إننا نرفض هذا الفهم ونأبى الانتماء إليه.
إن السلفية نزعة عقلية وعاطفية ترتبط بخير القرون، وتعمق ولاءها لكتاب الله وسنة رسوله، وتحشد جهود المسلمين المادية والأدبية لإعلاء كلمة الله دون نظر إلى عرق أو لون.
وفهمها للإسلام وعملها له يرتفع إلى مستوى عمومه وخلوده وتجاوبه مع الفطرة وقيامه على العقل.
وقد رأيت أناساً يفهمون السلفية على أنها فقه أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وهذا خطأ، ففقه أحمد أحد الخطوط الفكرية في الثقافة الإسلامية التي تسع أئمة الأمصار وغيرهم مهما كثروا.
ورأيت ناساً يفهمون السلفية على أنها مدرسة النص، وهذا خطأ فإن مدرسة الرأي كمدرسة الأثر في أخذها من الإسلام واعتمادها عليه .
وقد كان من هؤلاء من تسموا أخيراً بأهل الحديث، وسيطرت عليهم أفكار قاصرة في فهم الأخبار المروية، وأحدثوا في الحرم فتنة منكورة .
والحديث النبوي ليس حكراً على طائفة بعينها من المسلمين بل إنه مصدر رئيسي للفقه المذهبي كله .
رأيت ناساً تغلب عليهم البداوة أو البدائية يكرهون المكتشفات العلمية الحديثة ولا يحسنون الانتفاع بها في دعم الرسالة الإسلامية وحماية تعاليمها، يرفضون الحديث في التلفزيون مثلاً لأن ظهور الصورة على الشاشة حرام، ويتناولون المقررات الفلكية والجغرافية وغيرها بالهزء والاستنكار، وهؤلاء في الحقيقة لا سلف ولا خلف، وأدمغتهم تحتاج إلى تشكيل جديد.
ورأيت أناساً يتبعون الأعنت فالأعنت، والأغلظ  فالأغلظ، من كل رأي قيل، فما يفتون الناس إلا بما يشق عليهم وينغص معايشهم، ويؤخر مسيرة المؤمنين بالدنيا، ويأوي بهم إلى كهوفها المظلمة.
وهؤلاء أيضاً لا سلف ولا خلف، إنهم أناس في انتسابهم إلى علوم الدين نظر، وأغلبهم معتل الضمير والتفكير.
ورأيت ناساً يتبعون إلغاء الرقيق بعيون كئيبةقلت لهم: ألا تعرفون أن هؤلاء العبيد أحرار اختطفتهم عصابات النخاسة من أقطارهم، وباعتهم كفراناً وعدواناً ليكونوا لكم خدماً، وهم في الحقيقة سادة؟.
ما السلفية التي تقر هذا البلاء؟، وما هؤلاء العلماء الذين ضاقوا بسياسة الملك فيصل في تحريرهم؟، وإلغاء بيعهم وشرائهم؟. إن الرجل الشهيد أولى بالله منهم.
ورأيت ناساً يقولون: إن آية * وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا * مرحلية، فإذا أمكنتنا اليد لم نبق على أحد من الكافرين .
قلت : ما هذه سلفية ، هذا فكر قطاع طرق لا أصحاب دعوة شريفة حصيفة، و أولئك لا يؤمنون على تدريس الإسلام لجماعة من التلامذة بله أن يقدموا في المحافل الدولية والمجامع الدولية

  • علاقة الشيخ الغزالي بالثورة التحريرية الجزائرية:

يحكي الأستاذ رابح مشحود فيقول: أرى لازما عليّ أن أذكر له موقفا جليلا لمناصرة الثورة الجزائرية لم يقم به غيره، وحتى لو طلب من غيره القيام به لما استطاع نظرا لحالة الطوارئ التي كانت تعيشها مصر عام 1957م، في هذه الأثناء كان الطلاب يبحثون عن الوسائل والمناسبات التي يذكرون بها بالثورة الجزائرية وينددون بحرب الإبادة التي تشنها فرنسا ضد الشعب الجزائري، ومن هذا المنطلق اتصل نفر من الطلبة من مختلف الأقطار العربية بالإمام الغزالي الذي كان في ذلك الوقت إماما للجمعة بالجامع الأزهر، وتبادلوا معه الرأي وطلبوا منه الحديث عما يدور بالجزائر، فاستجاب الشيخ الغزالي لهذا الطلب واستقدم الشيخ أحمد توفيق المدني ليلقي خطابا بالجامع الأزهر، وابتهج الطلبة بهذا الموقف الشجاع، وروّجوا له في مختلف الأوساط الطلابية والشعبية، مما جعل أفواج الطلبة والمصلين في تلك الجمعة يتوجهون نحو جامع الأزهر، وبعد صلاة الجمعة اعتلى الشيخ محمد الغزالي المنبر وألقى كلمة حماسية مؤثرة قدم فيها الشيخ أحمد توفيق المدني الذي جلس مع مجموعة من الشخصيات، أذكر منهم: الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين والأمير عبد الكريم الخطابي رئيس الهيئة العليا والسيد علال الفاسي  زعيم الاستقلال المغربي –  والشيخ المبشر الطرازي من علماء الشيشان، والأستاذ علي الحماني المشهور بشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم والدكتور أمين الدباغين (جبهة التحرير) في الخارج وفرحات عباس وأحمد فرانسيس وأحمد بومنجل الذين وصلوا تلك الأيام من الجزائر وغيرها، وقد ألقى الشيخ أحمد توفيق المدني خطابا حماسيا على منبر الجامع الأزهر بيّن فيه ما يعاني منه الشعب الجزائري من الإبادة والتنكيل، وقال: إن الشيخ الغزالي أغناني عن الكلام، ولهذا وددت لو اكتفينا بخطابه وتجاوبنا مع ندائه للمسلمين أن يوحدوا صفوفهم لمواجهة عدوهم المتمثل في الصهيونية والصليبية التي تقتل أبناء الجزائر العربية المسلمة. انتهى كلام الأستاذ رابح مشحوذ بتصرف.

 

  •  وأخيرا وفاته عليه رحمة الله تعالى:

 أعلم من خلال تعليمي وخدمتي له بالجامعة بأنه مصاب بجلطة منذ سنوات، وأن أطباءه نصحوه وأكدوا عليه ألا يجهد نفسه وخاصة بالرحلات والسفر الطويل لأن صحته لا تتحمل متاعب كثيرة، ولكن الشيخ لم يسعه إذا دعي إلى عمل إسلامي أن يرفض ويقول: “إن الكريم لو دعي إلى طعنه لأجاب ، ولهذا سافر إلى أمريكا لمجمع البحوث الإسلامية، وحضر مهرجانا قبل وفاته بأسبوع بالرياض.

 ويبدو أن الله تعالى قدّر لهذا السفر لأمر يعلمه سبحانه، وذلك لأن يكون مثواه الأخير بالقرب من مثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجده الشريف بمدافن البقيع بالمدينة المنورة، والتي ألف فيها كتابه القيم (فقه السيرة) .

وبعد هذه الحياة الحافلة بالآراء والمواقف توفي الشيخ يوم 09 مارس 1996م، إثر أزمة قلبية حادة وهو يحاضر في ندوة ( الإسلام والغرب) التي عقدت بالرياض رحمه الله وترك وراءه كنزا ثمينا من الكتب والمؤلفات للأجيال.                 

 

—————————————————————

* بقلم تلميذهأبو أحمد الغزالي موسى عبد اللاوي * إطار سابق و إعلامي

—————————————————————-

 

مقالات ذات صلة

إغلاق